هكذا شَيَّد الراحل الملك الحسن الثاني أول مطار فلسطيني بمدينة غزة
مطار غزة رسالة سلام مغربية لكسر الحصار عن الفلسطينيين

President Bill Clinton cut the ribbon at the airport’s opening ceremony in 1998.
بعد ربع قرن، أي في 24 من نونبر 1998، هبط الرئيس الأمريكي «بيل كلينتون» في قطاع غزة لأول مرة، حيث استقبله الراحل «ياسر عرفات»، رئيس السلطة الفلسطينية وقاما معا بقص الشريط وافتتاح مطار الدهانية الدولي رسميا، الذي طارت منه شركة الطيران الوطنية الفلسطينية بطائراتها إلى عواصم الشرق الأوسط، ولبقية انحاء العالم، وكان بصيص أمل لسكان غزة الذين يحلمون بالاستقلال.
كان يوم 24 نونبر 1998 يوما لا ينسى في قطاع غزة،. وتجمع آلاف الفلسطينيين عند الطرف الجنوبي الغربي، على الحدود المصرية، مقابل معبر «كرم أبو سالم»، وشاهدوا في رهبة طائرات كبيرة من «المغرب» و»مصر» و»الأردن» تهبط هناك، وكانت المناسبة هي حفل الافتتاح التاريخي لمطار الدهانية الدولي، الذي تم الاتفاق على بنائه كجزء من «اتفاقات أوسلو».
في ما يلي شهادة مؤثرة لأحمد البياز، الرئيس السابق للمكتب الوطني للمطارات عن هبوط طائرة مغربية بأول مطار دولي بغزة..
«قرر الحسن الثاني، إذن، أن تكون أول طائرة تحط بمطار غزة، بعد أن أصبحت أرضيته صالحة للاستعمال طائرة مغربية.
واستقر رأيه على أن تكون طائرة عسكرية سي 130، وهو طراز من الطائرات يحمل في العادة قوات العمليات الخاصة للقفز بالمظلات من ارتفاعات منخفضة أو الهبوط للقيام بأعمال هجومية في عمق الأراضي المعادية، وكذلك لأغراض الشحن والدعم الجوي.
وكان أمامنا مشكلة التاريخ الذي يجب أن تتم فيه الرحلة. فقد أراد الرئيس ياسر عرفات أن تصل الطائرة يوم 16 يونيو 1997، لأنه كان سيغادر غزة عشية ذلك اليوم من أجل زيارة الصين الشعبية، غير أن التاريخ الذي اختاره Œأبو عمار˜ كان غير مناسب، بل قُلْ غير ممكنٍ لأن موافقه شيمون بيريز، على الرغم من اعتراض مصالح الأمن الاسرائيلية، كانت على أساس أن يتم ذلك في اليوم الموالي، أي 17 يونيو قبل أن يتسلم نتنياهو رئاسة الحكومة.. في اليوم الذي يليه، أي الثامن عشر من يونيو.
ولما حسمت لعبة الأجندة الزمنية، أقلعت الطائرة بركابها الذي كانوا على متنها. وكان الشعور الذي يعتريني غير قابل للوصف، وأنا أنظر إلى الطاقم والصحافيين والبعثة التلفزيونية يصعدون إلى الطائرة، مثل Œكوماندو˜ مدني رومانسي، لا يُحلق من أجل الدخول إلى الأجواء في غزة، بل يحلق من أجل الدخول .. إلى التاريخ.
أي كلمات يمكن أن تعبر عن ذلك الشعور؟ وأية عبارات يمكنها حقا أن تصف بدقة وتدقيق مزيج العواطف والأحاسيس، التي اقتسمت كياننا ما بين الرهبة والسعادة والاعتزاز.. فنحن أول رواد مدنيين في سماء فلسطين المستعادة، ونحن أول من يطأ ترابها في مدرج المطار، قادمين إليها من السماء.
كنا الأوائل في المطار الأول في أراضي السلطة الفلسطينية.
كنا في لحظة فريدة لم تسبقها من قبل أي لحظة مشابهة، لحظة تسير بنا نحو أجواء لم تكن توجد بعدُ في دليل الطيران الدولي.
وهذا ما سنعرفه، بمجرد أن غادرنا الأجواء المصرية، على مستوى مدينة Œالعريش˜، التي سبق ذكرها وتحديد موضعها على الخريطة بين مصر وغزة واسرائيل.
المذهل والغرائبي إذن، أن الطائرة أقلعت ولا يوجد بعد، على خريطة الملاحة الجوية الدولية أي ممر جوي نحو غزة ..
نعم، لقد طرنا في رحلة إلى مطار لم يولد بعد على خارطة الملاحة الجوية في العالم.
والشيء الوحيد الذي كان من الممكن أن يعطينا دليلا ماديا على ما نحن ذاهبون إليه، زاد من غرائبية المشهد وقدم صورة ملموسة عنها، وهو الحوار السريالي، الشبيه بحوار في فيلم خيالي، والذي دار بين المراقبين الجويين الإسرائيليين وربان الطائرة الكولونيل أحمد المختاري حول وضع لا سابقَ له…
المراقبة الجوية الإسرائيلية:
-عرِّف بنفسك وما هي وجهتك؟
الطيار المختاري:
ـ أنا الكولونيل أحمد المختاري، ربان طائرة عسكرية مغربية أتوجه الى المطار الدولي بغزة.
المراقب:
-هل يمكنك أن تعيد ما قلته كولونيل؟
الطيار:
-وجهتي مطار غزة الدولي ..
المراقب:
-و لكن لا يوجد أي مطار يحمل هذا الاسم على الأقل على الخريطة الجوية التي أمامي..
الطيار:
-راجع الخرائط التي بين يديك واستخبر عن الأمر ..
المراقب:
-أعيد لك القول بأنه لا يوجد ممر يوصل الى ما تقول عنه مطار غزة..
الطيار:
ـ إذن من فضلك، حاول أن تربطني ببرج المراقبة وسأعرف ماذا سأفعل..
والحال أن برج المراقبة في مطار غزة لم يكن موجودا بعدُ.
على كل، انتهى الأمر بهبوط الطائرة بالمطار وهي تحمل في مقدمتها العلمين الفلسطيني والمغربي، وعلى ارضية المطار تآلفت الأعلام الفلسطينية بالأعلام المغربية، وتمازجت ألوانهما، حمراء، حمراء خضراء بيضاء سوداء خضراء..
كنت أول مسافر في أول طائرة في أول مطار
كانت اللحظة تاريخية سياسيا ونضاليا، لكنها كانت أيضا لحظة إنسانية وعاطفية لا مثيل لها. تعطلت فيها لغة الكلام وتحدثت لغة القلب والعيون والعواطف و مزيج دموع وعناق وصيحات فرح وضحكات ونشيد، بالرغم أن حظي من اللغة العربية ليس بالبسيط، فإن العبارات قد خانتني، وغابت والدموع على غير العادة خانتني هي الأخرى، ولكنها حضرت.. وانهمرت دموع الفرح بهذا الحدث السعيد. لقد دخلنا التاريخ، بطائرة عسكرية، وبالكثير من دموع الفرح، والدخول إلى غزة هذه المرة اختلف عن دخولها أول مرة. الدخول الأول كان دخولا نحو المجهول، في حين جاء الدخول هذه المرة دخولا بنكهة النجاح.. كان الاستقبال حارا من أعضاء الوفد الرسمي والعدي من الشخصيات المدنية والعسكرية. وكان من بين أبرز الحاضرين، Œأم جهاد˜، وهو الاسم الحركي لانتصار مصطفى محمود الوزير، الوزيرة السابقة في السلطة الفلسطينية وزوجة خليل الوزير (أبو جهاد)، المسؤول الكبير في منظمة التحرير الذي اغتالته إسرائيل في تونس عام 1988 .
يومها أطلقت Œأم جهاد˜ والمستقبلون مئات الحمائم البيضاء احتفالا بالحدث لتحلق في أجواء ملأها قبل قليل أزيز محركات الطائرة..
كل شيء كان استثنائيا، يومها حتى التنقل كان مغايرا، فعلى غير العادة، لم نركب الحافلات التي أحضرتها سلطات الأمن الاسرائيلية لتنقلنا إلى معبر رفح، حيث تتم إجراءات الدخول والخروج، كما هو متفق عليه بين الطرفين، بل كانت لأجواء الاستقبال الاحتفالية كلمتُها وسطْوُتها بحيث لم تترك مجالا لذلك.
فتوجهنا بدون مراقبة جوازاتنا، ولا تفتيش حمولة الطائرة، إلى فندق الاندلس بغزة˜، في موكب مهيب. وفي الفندق تم تنظيم مهرجان خطابي حاشد وكبير.
ما زالت كلمات Œأم جهاد˜ ترن في أذني وما زالت القشعريرة تسْتبدُّ بي كلما استعدت كلماتها والروح التي سادت في قاعة الفندق.
عبرت أم جهاد في البداية بتأثر كبير عن فرحتها بالحدث، قائلة «كانت قلوبنا تخفق فرحا ونحن نرى العلم المغربي يعانق العلم الفلسطيني على أرض غزة.
أكيد أن الدلالات السياسية لحضور الطائرة المغربية هي التي دفعت الدموع الى المآقي وجعلت القلوب تنبض حبا وابتهاجا».Œ
وتحدث في الحفل كذلك، السياسي الفلسطيني فريح مصطفى فريح أبو مدين، والذي كان يشغل منصب وزير العدل في حكومات ياسر عرفات الأولى والثانية والثالثة، كما شغل منصب رئيس سُلطة الأراضي منذ عام 2002 واستمر حتى 20 نوفمبر 2007 حيث أُحيل إلى التقاعد. (أبو مدين) ربط بين قيام الدولة وتشييد المطار وعبر عن أهمية المطار في إنشاء الدولة، وعن Œاعتزاز كبير بمطار غزة الذي يشيد بأيادي فلسطينية ومغربية. وهذا الحضور يدشن لمرحلة مهمة في إنشاء الدولة الفلسطينية، حيث أنه لا يمكن أن توجد الدولة الفلسطينية بدون أجنحة تطير بها، وكان المطار حلما، وكان حلقة الوصل في إنشائه أحمد البياز الذي تجند للعمل ليل نهار رفقة فريقه من الأطر المغربية على تحقيق هذا الحلم في وقت قياسي لا يتجاوز 7 أشهر˜، وإن نسيت فلن أنسى عبارته التي هزت كياني وانحفرت في ذاكرتي عميقا وهو يلخص الحدث بالقول: «كنا نحل ضيوفا على اخواننا العرب والآن سنستقبلهم ضيوفا عندناŒ..».
غالبتُ دموعي وعواطفي، وتماسكت لإلقاء كلمتي بالمناسبة فكانت معبرة عن حرص جلالة الملك على الدعم المكثف لمشروع إنشاء المطار. فقلت فيها «إن وجودنا اليوم على أرض هذا المطار في غزة كرسالة سلام هو تجسيد لحرص جلالة الملك الحسن الثاني نصره الله على أن يصير التمني صيغة الواقع، وحرصنا على أن يكون الدعم المغربي لفلسطين مكثفا، وأن يكون للمغرب حضور إلى جانب فلسطين في المحطات الحاسمة، وأن نكون السند كلما كان الشعب الفلسطيني على موعد مع التاريخ..».
انتهى المهرجان الخطابي وأعقبته مأدبة غذاء كانت مناسبة أخرى للحديث عن اللحظة التاريخية وعن المشاعر الجياشة بيننا، بين قاصدينا وبين شعبينا.
لكن كان ذهني، في الوقت ذاته منشغلا بالطائرة التي أقلتنا، ولم تكن أعرف بعد بأن طريقنا في العودة الى المغرب لن تقل غرابة ودهشة ومغامرة عن طريقنا في المجيء الى غزة.
وكنت، كلما مر الوقت وتقدمت جحافل الظلام، ازداد تفكيري انشغالا بمآل الطائرة الرابضة في مطار.. بدون إنارة ليلية. فالطائرة كانت في مدرجها، ولم تكن هناك مصابيح لتنير محيطها، مما جعلني أخشى عليها من مكروه ما لا أعرفه بالتحديد..
حسمت تفكيري وقررت الإقلاع بها عند شروق الشمس، لأن المطار لا يتوفر على إنارة ولا يسمح بإقلاعها ليلا، وكان الموقف يتطلب قرارا حازما بشأن وجهة الطائرة بعد الاقلاع حيث يتطلب ذلك بالنسبة لطائرة عسكرية الحصول على رخصة التحليق في أجواء البلدان التي ستعبرها قبل أن تصل الى المغرب والترخيص لها بالنزول إذا كانت ستهبط بأحد المطارات.
يتطلب ذلك بطبيعة الحال إجراءات تقوم بها الجهة المعنية، ويتم الانتظار إلى غاية الحصول على الموافقة الضرورية.
اتصلت باللواء جمال علي مدير مطار القاهرة الذي كان تربطني به أكثر من علاقة، حيث كنت على الخصوص أترأس اتحاد المطارات العربية، وأكثر من ذلك تربطنا علاقة توأمة مع مطار القاهرة منذ سنوات. أطلعته على تفاصيل وضعية الطائرة، وبأننا لا نتوفر على رخصة الهبوط بالمطار، وأن ركابها لا يتوفرون على التأشيرات المطلوبة، وأن أحد الصحفيين المتواجدين بيننا لا يتوفر على جواز السفر كامل الصلاحية، وأخبرته في النهاية بأن التوجه إلى القاهرة هو الحل الذي اعتمدناه.
قبل إقلاع الطائرة قام الإسرائيليون بتزويدها بالوقود بدون مقابل.
ـ طائرة عسكرية تحلق بدون رخصة
حطت الطائرة بمطار القاهرة حيث كان في استقبالنا مدير المطار وعددا من مساعديه، وسلطات أمنية. لم تكن هناك أي إجراءات لركاب الطائرة، ولا اداء لرسوم نزولها بالمطار. كانت تنتظرنا سيارات أخذت وجهتها نحو فندق شيراتون حيث تمت استضافتنا من طرف إدارة المطار.
اتصلت هاتفيا بالجنرال سكيرج، لأطلعه على الأمر. سبقني بالتعبير عن تخوفه لمبيت الطائرة بغزة. عندما ذكرت له أننا نقيم بفندق شيراتون، تساءل هل هناك حاليا فندق شيراتون بغزة.
أخبرته بأننا نتواجد في القاهرة، وأننا لم نحتج إلى أي اجراء بخصوص هبوط الطائرة، وسنغادر القاهرة يوم الغد دون أن نطلب اي رخصة للتحليق من السلطات الليبية والتونسية والجزائرية.
أقلعت الطائرة من القاهرة ونزلنا بسلام بمطار القنيطرة.
كان يوم 17 يونيو 1996 تاريخا يحتفظ به الفلسطينيون في ذاكرتهم كرمز للسيادة الوطنية، وبالنسبة للمغرب كان دليلا على الدعم، وعلى التحدي الكبير لكل العقبات، والنجاح التام في أشغال المرحلة الأولى في سبعة أشهر كما كان مقررا في البداية.
حقق ذلك إمكانية تنقل عرفات جوا بين غزة وعواصم العالم وللفلسطينيين السفر على طائرة الخطوط الجوية الفلسطينية التي بدأت تقوم برحلات نحو القاهرة وعمان وأثينا ومطارات أخرى، حيث كسرت بذلك مقولة أن الفلسطيني كان لاجئا بعد النكبة، ثم إرهابيا عند دول الغرب، وأصبح بعد فتح المطار مواطنا يحمل جوازا يسافر به كأي مواطن في العالم.