في لقاء جمع مؤلفا بمترجمه أبيطبول وعاهد يتذوقان «طعم المربيات»

المُربَّيات طفولة طاعنة في السُّكَّر… زهر الليمون وقد سكن واستوطن شجرة القلب. «المربيات» رائحة البحر والسمك وسمرة الرمال، غنج الفتيات، ونزق المراهقة وكل شيء حي. طفولة تختزل حكاية سفر طويل انطلق من الدار البيضاء في انتظار محطة أخيرة. ورغم كل هذا الطريق الطويل، لايزال طعم المربيات عالقا في الحلق.

 

متحررا من أية عقدة ذنب أو مركب نقص، يتعرى هذا «البوب أوري»، كاشفا عن روح شفيفة، مرحة ونزقة، روح ملونة بشمس الأطلسي، مضمخة بروائح الحنين والتراب الأول. وبغير استئذان، يمسك بقبضتك ويقودك إلى 28 زنقة لوسيتانيا، حيث الأم سيمون المحبة لأطفالها ترتب دولابها بعناية، وحيث الجدة مريم الحكيمة الهادئة، ومدام كوهين الفاكهة المحرمة، ولا يجعلك تستفيق إلا على صوت شجار أرمانو وميراي أو أصوات الباعة المتجولين العارضين بضاعتهم بالزنقة.
يأخذنا أبيطبول تحت سحر كتابه المعسول، لنشتم رائحة الخبز الطازج الطالعة من «فران» الحومة، نستمع إلى طرْق الإسكافي «حنانيا» ونوتاته التي ينقرها على الأحذية، ونتتبع حركات «عويشة» حمّال طناجر السخينة كل سبت، وَجِلين من أن يختل توازنه فيفسد فرحة الصغار بـ»شابات».
طيلة ساعة ونصف، قاد الكاتب المغربي اليهودي بوب أوري أبيطبول الحضور الذي تابعه بكل شغف، في هذا السفر الذي يلخص حكاية طفولة دافئة وسخية الذكريات، عاشها في الدار البيضاء في الخمسينات، قبل هجرة اليهود بداية الخمسينات والستينات تحت دواع شتى منها السياسي ومنها الديني.
اللقاء الذي جمع الاثنين الماضي بنادي « Chez David »  المؤلف أبيطبول بمترجم عمله الأخير «طعم المربيات» الشاعر والصحفي والمترجم سعيد عاهد، والصادر عن منشورات الفاصلة، كان فرصة عبّر من خلالها مؤلف العمل عن حنينه الجارف الى أيام طفولته بالمغرب، إلى صداقاته، إلى ذكرياته مع الأمكنة والأشخاص والروائح والألوان التي نسجت شخصيته، هو المتعدد الهويات والثقافات كما قال:
« أنا مغربي حيث ولدت، يهودي بالفطرة، فرنسي حيث نشأت، أمريكي.. كندي، مكسيكي… ، لكنني أدركت بمفردي أنني من بلادي ومن جميع البلدان».
بإحساس المقتلَع من الجذور، يقول : «ليمنحني أحد أرضا أجد فيها مجددا جذوري. أرضا تكون لي وهذه الأرض ليست إسرائيل تماما ولم تبق هي أرض هناك ولا هي أرض هنا حتى الآن».
بوب وهو يحكي عن بيضاء الخمسينات والستينات، لم يخف حزنه ودهشته وهو يطل على الدار البيضاء اليوم، وقد اختفى ذلك الصخب الجميل، والوهج المشع من الضحكات، والوجوه التي ألفها في حيه، مذاق الحياة السعيدة التي لم يحس خلالها بأي فرق بين الأغنياء والفقراء، بين المسلمين واليهود والمسيحيين، جاذبية الأمكنة وقد اختفت اليوم إلا في ما ندر. وبكبير حسرة يتساءل: «لماذا تركنا هذا البلد الرائع؟ وهل كان لنا الخيار؟ هل كان من الضروري أن نقتلع أنفسنا من جذورنا على هذا المنوال؟ لماذا الهجرة؟» .
وهو يستعيد الذكريات التي لن تعود، يؤكد أن كل من رحلوا سواء الى فرنسا أو كندا أو أمريكا وحتى من غادر إلى إسرائيل، يفتقدون الى حياتهم السابقة وجذورهم بالمغرب، متسائلا: «هل أخذنا معنا في عمق روحنا، قليلا من هذه الشمس المتوسطية التي كانت تميزنا عن الآخرين؟ قليلا من هذا المحيط الشاسع وجزءا من ذلك الكرم الطبيعي والعميق الذي كان يجعل منا، نحن؟».
بوب، الذي يستعيد والده مُجلِّد الكتب النفيسة بكثير من الحب والتقدير، لا يخفي أن علاقته بالأب تختصر علاقته بالأدب، إذ عبره أمكن لبوب الاطلاع على المؤلفات الخالدة للأدب العالمي: دوما، بلزاك، تولتسوي، دويستوفسكي، هوغو.. بمشغل والده بزنقة بليز باسكال قبالة قنصلية فرنسا. ورغم أن الأب لم يكن يعرف القراءة ولا الكتابة، فقد كان يتثقف عبر سليله وتلك كانت وسيلته، على نحو ما، للثأر من القدر والاستهزاء من والديه، ومن جيل بأكمله لم تتوفر له فرص التعلم والدراسة. ولهذا يصر أبيطبول على الوفاء لوالده عبر الكتابة التي يؤكد بما يشبه الجزم بأنه لن يقلع عنها أبدا.
مترجم العمل سعيد عاهد، الذي سبق له أن ترجم أعمالا أخرى تتطرق للذاكرة اليهودية المغربية مثل كتاب «خياطو السلطان:مسار عائلة يهودية مغربية» لألبير ساسون أكد أن اهتمامه بالمكون اليهودي في الثقافة المغربية لم تمله الاعتبارات المهنية فقط، فعلاقته بالطائفة اليهودية وبثقافتها تشكلان جزءا من طفولته بمدينة الجديدة، هو الذي ولد غير بعيد عن الحي البرتغالي التي كان حيا مختلط الأجناس والديانات لكنهم كانوا يشتركون في انتمائهم لطبقات بسيطة، فيما الأغنياء كان يقطنون خارج الملاح.
طفولته التي قضاها بين الملاح و»سكويلة اليهود» (المنشأة من طرف الاتحاد اليهودي العالمي سنة 1906)، جعلته يختلط بأطفال العائلات اليهودية وينشئ معهم صداقات كانت تتقوى لحظة اللعب وحتى في الدراسة، حيث كان مدير مدرسته يعير، أحيانا، أقساما لمدرسة اليهود عند الحاجة.
هذا الجوار سمح بنسج علاقات عائلية، ولعل أبلغ مثال كون جده مريد الزاوية التيجانية كانت له صديقة يهودية، كما أن تبادل الزيارات والأكلات كان طقسا مألوفا كل جمعة وسبت.
ورغم معرفته بالثقافة اليهودية، لا يخفي عاهد صعوبة الترجمة، والتي إن استمتع بها كثيرا، لطابعها الحميمي المنفتح على يقظة الحواس وحرارتها، ولذاذة محكياتها التي تتفجر بسخاء،إذ يجد المترجم نفسه، خاصة أمام نصوص تشتغل على السيرة، ملزما التزاما أخلاقيا أكثر منه أدبيا، بالحفاظ على طعم النص الأصلي ومذاقه، بالتدقيق والبحث في دلالات اللغة ودفء العواطف المشحونة داخل النص حتى تظل للنص طراوته المغرية بالقضم في كل اللغات.
ولد بوب أوري بالدار البيضاء وهو رجل أعمال يقيم حاليا بكاليفورنيا بعد أسفار قادته الى فرنسا وكندا والمكسيك، وهو ومؤلف وناشر كتب وتاجر فنون ومصمم أزياء وفيلسوف، مؤسس معرض الفنون BOA ، ومحرر مشارك وناشر دار نشر Balzac و Balzac Publishing. Oré-Abitbol ومتخصص في العلاقات العامة والتسويق وتطوير المشاريع.
صدرت له عدة مؤلفات حول الحياة في المغرب «أيام صيفية في الدار البيضاء» «صقور موغادور»، ورواية «مقهى براغ» بالإضافة الى دواوين شعرية وترجمات إلى العبرية.


الكاتب : حفيظة الفارسي

  

بتاريخ : 27/11/2021

//