نظمت دار الشعر بمراكش مساء الجمعة الحادي والعشرين من فبراير الجاري بمقر الدار الكائن بالمركز الثقافي الداوديات، ضمن فقرة جديدة من برنامجها “شاعر ومترجمه”، استضافة شعرية دولية جديدة ضمن انفتاح الدار على جغرافيات الشعر العالمية، واحتفت هذه اللحظة الشعرية والثقافية الهامة بالشاعر السويسري برينو مرسييه، (أو عبدالكريم بعدما أشهر إسلامه، وهو من أصول فرنسية ومن مواليد 1957).
وتربط الشاعر بالمغرب وشائج شعرية وسحرية، ولعل ديوانه الصادر أخيرا “حدائق مراكش”، عن منشورات كراس المتوحد، والذي قام بتقديمه وتوقيعه ضمن فقرة “الديوان”، يؤكد هذه العلاقة الممتدة في المكان والإقامة في اللغة.
وشارك في هذه الفعالية مترجمه الكاتب عبدالغفار سويريجي، مدير دار النشر كراس المتوحد، والتي خصصت مشروعها للشعر وللترجمة والإصدارات المنفتحة على التعبير الإنساني. كما حضر إلى جانب الشاعر ومترجمه، الفنان الكناوي يونس باكو، في استكمال لهذا الثلاثي بين مقام الشعر والترجمة والموسيقى، ترسيخا لسحرية اللحظة وألقها.
هذه الفقرة من البرنامج سبق للدار أن افتتحتها سنة 2020 باستضافة الشاعر الكولومبي خورخي توريس ميدينا، وتواصلت بفقرة ثانية سنة 2023، بمرجعيات كونية انفتحت على الشاعر والكاتب والفنان الأميركي مارك ليبمان، والشاعرة والروائية الفرنسية لوسيل برنار، ثم ليلة ثالثة سنة 2024 بحضور شعراء ينتمون إلى أربع قارات، وساهم ملتقى المعتمد الدولي للشعر في دورتيه الأولى والثانية، في ترسيخ هذا الأفق الكوني خصوصا أن دورته الثانية، السنة الماضية، كانت حدثا ثقافيا كبيرا من خلال حضور أكثر من 24 شاعرا ينتمون إلى أكثر من 20 دولة ويمثلون القارات الخمس.
وتندرج الفعالية ضمن الأماسي الشعرية التي تحتفي بالمشترك الإنساني، وفي حوار خلاق ينفتح من خلالها النص الشعري على فعل الترجمة، في انتقال واع بين الثقافات وترسيخ لحوار ينفتح على خصوصيات المنجز الشعري الكوني.
وتسعى فقرة “شاعر ومترجمه” إلى استضافة تجارب شعرية من جغرافيات كونية، والانفتاح على منجزها الشعري، وربط لجسور الحوار والتواشج بين متون نصية إبداعية من مختلف الجنسيات. وهي لحظة استضافة شعرية وحوارية تسعى لمد جسور التواصل بين الشعراء، كما أنها استضافة رمزية لتجارب شعرية تنتمي إلى جغرافيات متعددة، لكن جامعها هو القصيدة والأفق الإنساني المشترك.
الشاعر السويسري (من أصل فرنسي) برينو مرسييه، المولود عام 1957، تنم عوالم شعره عن “طابع إنساني وتتوجه إلى ترسيخ قيم التسامح، منذ أن اكتشف الشاعر داخل مكتبة بابل حضارة الإسلام وثقافة العراق. وفي قصائد الشاعر استعادة لصور الخراب والموت، وتعكس من جهة أخرى حياة الصمود، وغالبا ما يسطع ضوء في آخر القصيدة. ويستمد نص مرسييه الشعري قوته من تمازج تقنيات عديدة: تستثمر الكتابة تقنية التصوير الفوتوغرافي؛ يتشظى الضوء داخل النص.
يشير المترجم عبدالغفار سويريجي، في تقديمه لقصائد الشاعر برينو مرسييه، إلى أن منجزه الشعري تتماهى داخله “ثقافتان أساسيتان: تصطحب علامات الشرق كلمات الغرب. ويشتغل النص، إذن، ضمن أفق ثقافة متحولة. تتداخل في المتن الشعري نظرتان إلى العالم. منح ذلك التمازج الحيوي للنص إمكانات عدة لكشف ما تستره الأشياء”.
وقدمت منشورات كراس المتوحد، والتي يديرها الكاتب والمترجم عبدالغفار سويريجي، العديد من إصدارات الشاعر ولعل آخرها هو ديوان “حدائق مراكش” وهو الديوان الذي يضم العديد من قصائد “الأمكنة والمدن المغربية، كمراكش والصويرة وأسفي والقنيطرة وصفرو والناظور والدارالبيضاء”. هذا الديوان الشعري صدر بلغتين عربية وفرنسية.
ويؤكد المترجم سويريجي أن نصوص الشاعر مرسييه تحتفي “بسحر العناصر: كتب ضوء الهواء، ضوء الماء، ضوء التراب وضوء النار. ويتمثل الإحساس في شعره عبر لغة وطريقة خاصة، لذلك تشتغل هكذا عناصر في أفق حركية خاصة.”
الشاعر في وصف تجربته: «القصيدة هي الحياة ذاتها، إذ هي تكشف صمت الأشياء. وينكشف أنها كل ما يستره الظاهر. القصيدة وسيلة للتواصل وسفر نحو الآخر»
يكتب مرسييه القصيدة الحرة بلغة شفافة مباشرة، ولعل إدانة الشاعر للحروب واضحة، وقد احتفت قصائده بغزة وكان كتابه الشعري ضمن احتفالية القدس عاصمة الثقافة العربية 2009، كما خاض تجربة شعرية وفنية مع الفنان والخطاط المغربي الحسن الفرساوي، في ديوان “سر أوكرانيا”، يتضمن قصائد كتبها عن المغرب وبلدان أخرى، جنبا إلى جنب مع مجموعة من اللوحات الفنية للفنان الفرساوي، تدخل في إطار التجربة الجديدة التي أسماها “شعرغرافيا”، مازجا بين الكتابي والبصري، حيث ينسج الكتاب علاقات وثيقة مع فن السيرة الذاتية، إذ يروي الشاعر تلك اللحظات المثيرة التي التقطتها عيناه خلال أسفاره في المغرب والبعض من بلدان المشرق، ليصبح كل مشهد من الحياة البسيطة جوهر القصيدة.
يقول الشاعر في وصف تجربته “القصيدة هي الحياة ذاتها، إذ هي تكشف صمت الأشياء. وينكشف أنها كل ما يستره الظاهر. القصيدة وسيلة للتواصل وسفر نحو الآخر.”
وقد سبق للباحث الفرنسي جان فرانسوا كليمان، أن قدم كتابات مرسييه قائلا “تغيب القواعد التقليدية للنظم الشعري الفرنسي عند برينو مرسييه”، وتابع الناقد “يفرض الشاعر على نفسه إكراها آخر: تفكيك الجملة وبترها، أو نوعا من الخروج عن القاعدة يصل حد جعل اللازم متعديا، واعتماد الإضمار وترتيب كلمات وجمل دون ربط.. وتلكم كلها أشكال تكثيف غالبا ما تتضمن مجانسات صوتية”.
والسؤال المركزي وفق كليمان هو لماذا يهرب “سويسري سعيد” عاش “طفولة سعيدة” من خلال التلفاز نحو إيسلندا، وليبيا والعراق وهايتي، ومن خلال السفر نحو كرواتيا ومصر وإيطاليا والمغرب (حيث يزور مدن طنجة وشفشاون والعرائش والبيضاء والجديدة والصويرة، ويخص كل واحدة بقصيدة). والجواب واضح جليّ كما يقول الباحث “لم يعد الشاعر يجد نفسه في جنة بلد طفولته فيقوم راحلا هاربا. يأتي الجواب كالتالي: الأمل يأتي من أفريقيا.”
وجدير بالذكر أن فقرة “شاعر ومترجمه”، وإلى جانب فقرة “شعراء بيننا” وملتقى المعتمد الدولي للشعر، نوافذ دار الشعر بمراكش على شعريات كونية في سفر بين نصوص شعرية وفي تناغم خلاق بين متون الشعر بجميع الألسن. كما تشكل هذه الفقرة لحظة أساسية في برمجة الدار، خصوصا ضمن سعيها إلى الانتقال والتجديد في إستراتيجيتها ضمن الموسم الثامن، في أفق المزيد من إبداع وتنويع برامج وفقرات الدار وانفتاحها على المنجز الشعري المغربي والعربي والكوني.
في لقاء نظمته دار الشعر بمراكش الشاعر برينو مرسييه: القصيدة هي الحياة ذاتها

بتاريخ : 26/02/2025