في مذكرات مولاي المهدي العلوي (1) : كيف رأيت مولاي عبد العزيز يحمل صولجانا ويتجول في شارع طنجة الرئيسي

­عندما قال محمد الخامس لقادة حزب الاستقلال «غير انتوما حيحوا وانا نْسَقَّط»

 

أنطلق من مسلمة أولية وهي أن الكتاب الذي نحن بصدده، كصيغة من صيغ المذكرات الخاصة بمولاي المهدي العلوي، لن يكون كافيا بتاتا لتلخيص حياته.
لن يستطيع أن يضعها كلها، بكل تشعباتها ودروسها، بكل ألمها وانفلاتها، بكل تعددها وتميزها، بين دفتي كتاب، حتى ولو كانت مذكراته بلسانه هو.
تقودني هذه المسلمة إلى الاعتراف بأنني قرأتها مرتين، وبأني سأعود إليها باستمرار.
لا لأنها مكتوبة بلغة شاعرية تفترض العودة المستمرة إلى ينابيعها، بل لأن فيها ما يهمنا من مواقف ومن إضاءات تاريخية جوهرية، بالنسبة للاتحادي المناضل، وبالنسبة للإعلامي المتلهف للاطلاع على خبايا حياة تقاطع فيها الوطني بالإيديولوجي بالقومي بالحقوقي بالأممي بالاشتراكي الديموقراطي، حياة تجسر الفجوة فيها بين محيط الأمير ومحيط المتمرد والمعارض.
ولا بد أيضا من التسليم بأننا أمام حياة كل عناوينها فارقة، تحيل إلى حيوات أخرى لشخصيات وملوك وأمراء ورؤساء دول، طالما غذوا كل الخيالات والأفكار والتصورات عنهم، في أذهان أجيال متعاقبة.
حياة تعكسها العناوين، التي تتقاطع حولها مسيرة غنية للغاية لقيادي وطني، يساري اتحادي، وديبلوماسي فريد من نوعه، مع مسيرات عظماء من المغرب ومن العالم.

n ­عندما بكى صاحبي ليلة عودة محمد الخامس وقال «هي دموع الخوف من حال البلاد بعد الاستقلال»
­n عندما التقى العروي وعمر بنجلون وأنا بباريس لكتابة مذكرة حول انفصال الاتحاد الوطني
­n­ الحسن الثاني وعمر بنجلون وجها لوجه بسفارة المغرب بباريس
n ­المحجوب بن الصديق يزور نتائج مؤتمر التأسيس للاتحاد المغربي للشغل ويهدد المناضلين بتفجيره
n­كنت أحد المهديين في «محاولة الاغتيال بوادي الشراط» عندما أنقذني المهدي بن بركة
n ­ما جرى بيني وبين أوفقير والدليمي في البرلمان حول الجيش وما قاله علال الفاسي
­n وزير الدفاع المارشال مزيان يقدم في البرلمان الفاتحة مكان ميزانية الجيش.

n­تفاصيل عن العمل في الأمم المتحدة ومجلس الأمن «عندما قال لي وزير الخارجية ماذا سنفعل في مجلس الأمن؟»
n­إدريس البصري وتعتيمه في قضية الصحراء: وزير خارجية المغرب يلجأ إلى سفراء دول أجنبية ليعرف آخر الأخبار.
n ­عندما قال لي الحسن الثاني «قل لليوسفي يخلي اولادنا بعاد على هاذ الخنز ديالنا»

 

أعرف بأنني كنت متهيبا من اللقاء الأول ببيته، حول هذه المذكرات، بعد أن كان الزميل القاص الشاعر سعيد منتسب قد وظب، بجدارة الكاتب وسلاسة الصحافي، أطوارها الغنية بشكل جميل، وكان منبع تهيبي هو أن لمولاي المهدي في مخيلتي، كما في مخيلة جيل من الاتحاديات والاتحاديين، صور غاية في الاحترام، ولكنها تجمع مع ذلك، بين زوايا متباينة، فهو بالنسبة لجيلنا، المهدي العلوي، الذي يشترك مع الملك الحسن الثاني في القرابة الدموية، والانتماء السلالي، وهو في الوقت ذاته رفيق المهدي بن بركة وعبد الرحيم واليوسفي الذين شكلوا قيادة المعارضة، وهو سليل دم شريف، يحمله في لقبه المولوي، وفي الوقت ذاته المناضل الأممي الاشتراكي الذي يجوب العالم رفقة قياديين من طينة المهدي وعبد الرحيم، الطالعين من أعماق سلا وطنجة والمدن الأخرى.
لا بد من أن أذكر بأننا، قبل المؤتمر الخامس الذي سيغادر فيه تنظيمات الحزب نهائيا، كنا نعتبر بأن وجوده، إلى جانب شيخ الإسلام محمد بلعربي العلوي، المنتمي لنفس الدم المولوي، ورئيس مجلس التاج، دليل على أن الاتحاد له من القوة ما يجعله يخرق كل الطبقات والسلالات والأجيال والذهنيات.
لهذا عندما فتح لنا بيته العامر بسعادة لا تخبيها العين، بين الأهل والأبناء والأصدقاء، سألني «متى كانت آخر مرة التقينا فيها؟»
­أجبته بجواب موارب: «أنا أذكر فقط آخر مرة هاتفتني فيها من هاتف بيتك وقلت لي «باراكا دابا من الهجوم على الجمعية المغربية لحقوق الإنسان».
وقد كنت وقتها في سجال مع أبنائها وبناتها لأسباب تتعلق بالتصريحات الوقتية والعابرة.
ضحك، وضحك الجميع، وقلت وقتها «هذا المولوي يطلب مني أن أوقف السجال مع منظمة حقوقية وطنية، لا شك أنه كان مساهما فيها»، وسأعرف دوره تفصيليا في بناء المرجعية الحقوقية في المغرب من بعد.
تلك المرجعية التي كادت تقوده إلى الموت عندما عقب على تدخل لصدام حسين..
وتلك حكاية سيأتي وقتها للحديث عنها.
سنقضي ساعتين من المتعة مع مولاي المهدي وزوجته الفاضلة وابنه يوسف، أكدت أن ذاكرته ظلت على حالها في يقظتها اليانعة والمحبوبة، بكل ما اختزنه من تجارب ومن حب للحياة، محافظا في الوقت ذاته على قدرة هائلة على الدعابة والترفيه عن محاوريه، وسمو إنساني لعله سر شبابه رغم عقده التاسع فوق الأرض وبين الناس وفي كل مغارب الأرض ومشارقها..
في العناوين المنتقاة بعناية نسر دقيق التربص، استدراج حلو وجميل قد يكون جمالا مؤلما أحيانا، كما يكون عند الحديث عن اغتيال الشهيد عمر والشهيد المهدي، وفيها إحالات إلى معالم الطريق الطويل، طريق قاده من المغرب إلى فرنسا، ومن بغداد إلى نيويورك، ومن القاهرة إلى لاهاي وعمان، لكن قاده أيضا من مقر الحزب إلى درب مولاي الشريف ودار المقري، ومن البرلمان إلى الأمم المتحدة.
وبهذا الخصوص هناك معطيات جديدة، وأخرى تم تحيينها بل قل تصحيحها، كما هو الحال عند الحديث عن ميلاد الاتحاد المغربي للشغل وتزوير المرحوم المحجوب بن الصديق لنتائجه وتهديده بالوشاية بالاتحاديين إلى السلطات.

رفقة الملوك..

لو قدر لي أن أكتب سيناريو من ما ورد في الكتاب، لبدأت الشريط بصورة الطفل ابن السابعة من العمر، القادم من تخوم الصحراء أقا، إلى طنجة العالية، وهو منبهر وجاحظ العينين يُتابع حركات رجل مهيب، بطلعة نبيلة، يحمل صولجانا في يده ويتجول في الشارع الرئيسي بطنجة. ثم يعلم الطفل من حواره مع والده بأن الرجل، الذي يتجول بصولجان بيده، في مدينة الحلفاء، هو السلطان عبد العزيز.
السلطان الذي يقول له مرافقه «هذا ولد عمك»، فيمسح على رأسه بتلك اللمسة الملكية التي لا تسقط مع التنحية عن العرش.
«في عام 1936، كانت قد مرت بضع سنوات على استقرار الأمور التجارية والعائلية لوالدي، فقرر أداء فريضة الحج عبر ميناء طنجة، وكانت الرحلة تستغرق زُهاء الشهرين، فأخذ معه «لالة زهور»، التي انتقلت لتعيش معنا في بيتنا الجديد، اعترافا لها من والدي بجميلها عند استقبالها له لأول مرة قبل ذلك بسنوات، وعنايتها الكبيرة به.
عند عودة والدي رحمه الله من الديار المقدسة، اصطحبني أحد أصدقائه المقربين وهو «السي عبد الله زنيبر»، لاستقباله بمدينة البوغاز، وقد أثار انتباهي ما كان من أمر جنود الاحتلال عند منطقة «عرباوة»، حيث كان لزاما علينا أن نستصدر تصريحا بالدخول إلى المنطقة الخليفية، التي توجد تحت الاستعمار الإسباني، ومنها إلى مدينة طنجة، التي كانت تتمتع بوضع المنطقة الدولية، وفق ما شرحه لي السيد «زنيبر».
ولذلك اكتشفت في عمر السبع سنوات، أن المغرب مقسم إلى ثلاثة مناطق هي: منطقة النفوذ الفرنسي في الوسط، ومنطقة النفوذ الإسباني في الشمال والجنوب، والمنطقة الدولية في طنجة.
لما وصلت إلى طنجة اندهشت لما شاهدته من عمار وفنادق وشوارع، وما صادفته من أجناس، وما لمحته من تقاسيم لوجوه وملامح غريبة أراها لأول مرة، وتتوزع بين الأوروبيين والأسيويين والأفارقة والعرب. وأثار انتباهي عدد المقاهي ومحلات الصيرفة والأسواق العامرة والسيارات الكثيرة وغيرها.
في اليوم التالي لوجودنا في طنجة، ونحن نتجول في الشارع الرئيسي، لمحت شخصا تبدو عليه علامات الوقار، يرتدي جلبابا تقليديا أنيقا ويحمل في يده صولجانا، فبادر مرافقي بالسلام على الرجل بما يليق من احترام، وأشار بالسبابة نحوي قائلا:
– هذا ابن عمك !
فما كان من أمر الرجل الوقور إلا أن وضع يده عل رأسي قائلا:
– الله يُصلحك !
وبعد انصراف الرجل، سألت «السي زنيبر» عمّن يكون، فقال لي إنه السلطان مولاي عبد العزيز (…) ساعتها عرفت أن البلاد تعاقب على حكمها ملوك وسلاطين آخرون غير الذي كان يحكمها في ذلك الوقت وهو السلطان سيدي محمد بن يوسف.
اكتشفتُ من خلال ما سمعته من «السي زنيبر» بعض جوانب حياة هذا السلطان، الذي اعتلى عرش المغرب صغيرا وهو في الرابعة عشرة من العمر، وكان يفتقد إلى التجربة، ويقضي وقتا كبيرا في اللهو والترف، تحت وصاية الصدر الأعظم الوزير القوي «ابا احماد»، مما جعله يفقد زمام الأمور في البلاد، الشيء الذي أدى إلى إقصائه من الحكم».
هذه صورة عن مغرب طفولته، الموزعة بين آقا، التي يذكرها باعتزاز بين، ويقول في الحديث معه «إن انطلاقي من الحديث عن مسقط رأسي ومنبتي أقا ليس صدفة أو عادة أدبية، تعزز السير الذاتية، بل إنها رسالة ودليل على مغربية الصحراء».
نفس الشيء سيقوله عند الحديث عن المؤتمر العالمي للشباب الديموقراطي في «موسكو الاتحاد السوفياتي» ، وهو يظهر بدراعية صحراوية يتقدم الوفد الشباب المغربي حاملا العلم الوطني:
«في نهاية الخمسينيات كذلك، سأشارك ضمن وفد مغربي ضم على الخصوص السيدة فاطمة حصار والعربي حصار، وعبد الرحمان القادري، رئيس اتحاد الطلبة، وعبد الحق مزور ومحمد برادة مدير جريدة «لوبنيون» في ما بعد، في مهرجان الشباب العالمي الذي نُظم في موسكو، وكنت أتقدم زملائي في الاستعراض حاملا العلم ومرتديا الزي التقليدي الصحراوي (الدراعية الصحراوية)، وهو ما لا تخفى دلالته بخصوص مغربية الصحراء».


الكاتب : عبد الحميد جماهري

  

بتاريخ : 25/10/2021

//