كيف تصبح كاتبًا؟ :  جوليا كريستيفا: الكتابة تجعل من الطاقة حركة(5)

من يعتني بكم؟
المرضى.  أساهم في سرد بؤسهم، فيردد صدى بؤسي. أفسر لهم، ثم أستنير جراء ذلك. أخلِّصهم، فيشعرني السياق بالسكينة. نفس الشأن يحدث مع فيليب ودافيد. تقريبا بذات الكيفية. إنهما أفضل معالجيْن لي، الأصعب لأنهما المحبوبين جدا لنفسي.
عندما أتابع مختلف منجزكم، سواء ماتعلق بالثقافة، أو تلك الجوانب المتصلة بمعارككم، وأقاربكم، أتساءل إن كان التعب يتسرب إليكم في لحظة من اللحظات.
بالتأكيد، لكن ليس التعب تحديدا. فقط أحس نتيجة تقدم سنوات العمر، بضغط على مستوى عمودي الفقري، مما جعل حركتي بطيئة (إنها تعويذتي) ! لذلك، أقوم ببعض التمارين على عارضة مثبتة فوق باب مكتبي، وفوق الكرة السويسرية ذات الاستعمالات المتعددة، قليلا من تمارين البيلاتس، إنها أدويتي المنبهة. بعد وجبة العشاء، أو حينما أستيقظ ليلا، أهتم بفحص محتويات بريدي الاليكتروني، فأجيب على رسائل مثلما أبادر إلى تدبيج أخرى. قبل سنوات، كان بوسعي الاشتغال غاية الصباح، لكن في الوقت الحالي أسترخي بأن أتابع قليلا البرامج التلفيزيونية الأمريكية، التي تمثل منوِّما جيدا. بعد الظُّهر، أتسلى بالاستماع إلى الموسيقى بين حصتي جلستين للعلاج النفسي. أو أكتب: مادامت الكتابة تجعل من الطاقة حركة، بحيث تنظمها وتهدئها،  ولا أشعر معها بالتعب.

ألاحظ مع عملكم، الأهمية التي يحظى بها ابنكم دافيد بالنسبة لحياتكم، من خلال إشارات تلميحية، إحالات حاذقة وضمنية، أحيانا مجازية وغير مباشرة لايدركها الجمهور بالتأكيد. ولم تتحدثوا بكيفية واضحة عن طبيعة علاقكتم بدافيد، سوى بين صفحات روايتكم الأخيرة ساعة الحائط المغتبطة. نحس أنه يمثل صديقا حميما بالنسبة إليكم، سندا، يتقاسم معكم تأملاتكم ومغامراتكم الأدبية.
صحيح، لكن دافيد شخصية تواترت ضمن فقرات أغلب نصوصي الروائية، ثم صار مركزيا في رواية ساعة الحائط المغتبطة، بحيث نتحقق بسهولة من هويته مع شخصية” ستان”(Stan)، عاشق الأتمتة و الإنسان الآلي، ثم فيرساي والكواكب.  مثلما تعكسه شخصية ”أليكس” في رواية الساموراي، وشخصية”جيري” بالنسبة لروايتي ممتلكات وكذا موت في بيزنطة، ثم ”بول” في تيريز عشقي؛ فالساردة التي يتداخل حضورها مع القديسة تتحدث عنه كالتالي:”أعرف شخصا يؤلف قصائد رغم أنه ليس شاعرا، ثم روايات بمثابة قصائد، مع شيء إضافي، حركات زائدة”. صحيح، لم يدرك نقاد الأدب ذلك. لأنهم لايقرأون غالبا سوى الملخص الوارد على ظهر الغلاف !في المقابل، يتقاسم معي قراء مهتمون وقارئات تجاربهم فيما يتعلق بالاضطرابات الحركية والنفسية، ثم علاقات متوترة بين الأمهات وكذا مهنيي قطاع الصحة، أو اكتشافهم للمكابدة أو ممتلكات أمومية، قليلا ماتتناول روائيا. وانتباههم المتزايد،  بفضل نصوص رواياتي، إلى الشخصيات الهشة المحيطة بهم. فيما يتعلق بدافيد،  ولنتخلى عن الخيال،  تكشف أذنه المثالية نبرتي الأجنبية،  بالتالي لاتخطئني دعابته قط.  هكذا يخاطبني مبتسما:”مثير للانتباه ذلك،  لكنه لايفي بالمطلوب”، ويصحح أخطائي في الفرنسية،  أمر لايجرؤ أبوه على فعله معي. حينما أسافر إلى الخارج(باستمرار !)، يمازحني بقوله:”أبعث معك سلامي إلى باراك أوباما،  أتمنى أن تكون معكما أنجيلا ميركيل،  عفوا،  معنا”. يعتبرني صحبة أبيه، مدمنة على الأخبار السياسية:”ليس فقط منتج الحليب الفرنسي لايربح شيئا، بل يخسر خمسة وثلاثين أورو بالنسبة لألف ليتر من الحليب…هل تعلمين بأن الأجر الشهري في روسيا يقارب مائة وعشرين أورو !” أشعر بالانزعاج. “سترشد السيدة المبتهجة المالية”، يسخر دافيد ثم يغلق القناة التلفزية(قناة ب.  إف.  إم)، “القناة الفرنسية الأخيرة”.  لو تقمصتُ حياله فعلا شخصية المعالج النفساني، الموقف الذي ينعدم لدي حينئذ،  سيجدر بي الصمود أكثر أمام أشكال الاعتراض، التمرد، التقلبات،   السخرية… أنا لست قط تلك الأم البلهاء التي تقبل كل شيء من أجل الإرضاء. بل أرسم  حدودا لتحملي، وأعرف كيفية التصدي !أعرف فعل ذلك مع الطفل والمراهق. حاليا، تتم المضايقات،  والسخرية بين الكبار.
قال فرويد للأمهات: «مهما حاولتن القيام به، فإنكن تثرن الغضب»! هكذا استبق دون إدراك تلك الأم «الصالحة بما يكفي» التي تصورها دونالد وينيكات. فلا يمكنكن التحلي»مطلقا» بخاصية الكمال،  وهذا أفضل !لنعد إلى ورش الاهتمام بحياة ذوي الإعاقة، الذي أعطى انطلاقته الرئيس شيراك. بحيث كتبتم رسالة مفتوحة إلى رئيس الجمهورية بخصوص المواطنين الذين يعيشون وضعية إعاقة، مخصصة للمعاقين ولغيرهم(2003)، والتي تحافظ دائما بعد مرور ثلاثة عشر سنة، على راهنية قوية وتظل مصدرا يلهم جميع من يصاحب أشخاصا يعانون حالات إعاقة. استضفتم سنة 2005، في مقر اليونسكو الصندوق الاجتماعي اليهودي الموحد، والمسجد الكبير، ثم جان فانيي، مؤسس الطائفة الكاثوليكية لمنظمة لارش.
وكذلك نجوم الإعلام: باتريك بوافر دارفور، كلير شازال، سيرج مواتي والعديد من الشخصيات الأخرى…، حضرت سيمون فاي خلال الاختتام، ومثَّل جون لوي بورلو الرئيس شيراك. إذن كيف ”نغير نظرتنا” حول الشخصية التي تعاني إعاقة، إذا لم نسترع انتباه السلطة الإعلامية إلى جانب السياسيين؟أردنا،  ونريد دائما:”إثارة الانتباه، الإخبار، التكوين” في مجالات عدة:التمدرس، الإدماج المهني، سهولة الولوج، وسائل الترفيه، الأسرة، الحياة العاطفية والجنسية.  لقد اشتغلت كثيرا على هذا الجانب صحبة جان فانيي،  منظمة لارش، والصحفية كلاير شازال التي لعبت دور عرَّابة. لقد أثبت قانون سنة 2005حول التساوي في الفرص تقدما دالا على جميع المستويات. لكني، أدركت منذ البداية، بأن الأكثر صعوبة يتمثل في تنظيم الحياة الغرامية لشخصيات تعاني الإعاقة. غالبا، ينحصر الآباء القلقين ضمن نطاق خوفهم و لايأبهون بالحاجيات  الوجدانية والجنسية لأطفالهم،  ثم فترة مراهقتهم وخلال شبابهم. فالدولة غير منخرطة كفاية بخصوص خلق فضاءات حياتية لأزواج أو جماعات من البالغين ذات أعداد صغيرة، تحترم درجة استقلالية كل واحد من هؤلاء. يعبر الآباء عن خشيتهم، كيف سيصنع هؤلاء الأبناء بعد رحيلنا؟إنه السؤال الموجع المفتقد لجواب، يتجاوز مدى صعوبات الاندماج المدرسي والمهني، ولم تتم غاية الآن معالجته.


الكاتب : ترجمة: سعيد بوخليط

  

بتاريخ : 11/08/2020

أخبار مرتبطة

سيبحر معنا القارئ من خلال هاته الحلقات في ملفات تتسم بالرعب جراء أفعال إجرامية قام بها متهمون أدانهم القضاء نهائيا

ليس لي أَيُّ دورٍ بما كنتُ كانت مصادفةً أَن أكونْ ذَكَراً … ومصادفةً أَن أَرى قمراً شاحباً مثلَ ليمونة يَتحرَّشُ

يتحصل مما أسلفناه أنه بتثميننا لهذا التوجه إنما نؤشر إلى محاولات لتنشيط المخيال تعمل على زحزحة الحدث التاريخي بناء للحدث

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

//