ماري لوبان تستعمل جميع الأسلحة من أجل الفوز بالانتخابات الرئاسية القادمة : اليمين المتطرف في فرنسا يغازل الكل لهزيمة «الاشتراكية» و«الإسلام»

وكالات

 

تجتهد زعيمة اليمين الفرنسي المتطرّف، مارين لوبان، من أجل الوصول إلى سدة الرئاسة الفرنسية في الانتخابات المقبلة.
وإذا كان وصول والدها جان ماري لوبان إلى الدور الثاني من انتخابات 2002 في مواجهة جاك شيراك قد شكل صدمة للطبقة السياسية الفرنسية آنذاك، ودفع لتشكيل «جبهة جمهورية» لمجابهة اليمين المتطرّف، فإن الحال الآن يختلف عما كان عليه منذ عشرين سنة، ففي 2002 لم يتجاوز مؤسس الحزب، لوبان، عتبة الخُمُس، وحصل على أقل من 18% مقابل شيراك، في حين حصلت وريثته، ابنته، على أكثر من ثلث أصوات الناخبين سنة 2017، ومنذئذ وهي تتطلع إلى رئاسة الجمهورية، وتعول على تحسين صورتها كي تصبح مقبولة لدى المجتمع الفرنسي الذي يجنح سياسيا في اتجاه مواقف أكثر يمينيّة وتطرّفا.

حتى زمن قريب، كان الذين يصوتون لليمين المتطرّف يخجلون من إعلان اختيارهم خشية اتهامهم بالعنصرية ومعاداة السامية والقرب من الأوساط النازية والفاشية، وكانوا يتكلمون من وراء حجاب ويبرّرون مواقفهم، وفي التبرير نوع من الإقرار بالذنب. أما حاضرا، فقد نأى حزب التجمع الوطني بنفسه عن الخوض في المواضيع المثيرة، وتجنّبَ الحديث في المواضيع الشائكة، ومنها مسألة معاداة اليهود التي تسببت في إقصائه وتهميشه سابقا، حيث ما زال وصف جان ماري لوبان محرقة اليهود وغرف الغاز في الحرب العالمية الثانية مجرد «تفصيل على هامش التاريخ» في أذهان السياسيين.
وعلى الرغم من محاكمته وتغريمه بثلاثين ألف يورو، فإن الإعلام لم يغفر له زلته، فأقصته ابنته، وتجنّب الحزب «معاداة السامية»، واستغل وقوع أحداث إرهابية وإجرامية، ليركز حملاته على الإسلام والمسلمين.
ويتفق أغلب الفرنسيين على أن فرنسا مهددة بثالوث خراب، كل عنصر فيه مرتبط بالآخر، ولا يمكنه فصله عنه، مشكل من «الهجرة، انعدام الأمن، والإسلاموية أو التطرف الإسلامي». ولكن إذ يُلاحظ تجذّر الأفكار اليمينية المتطرّفة داخل أوساط المجتمع، يُلاحظ ضعف شعبية مارين لوبان، لأسباب تتعلق بشخصيتها أكثر مما تتعلق بالأفكار التي تعبر عنها، فيمكن الاستنتاج أن اليمين المتطرّف استطاع ترويج أفكاره وجلب الناس إليها، ما اضطر الأحزاب الفرنسية إلى الجنوح يمينا في مواقفها، خصوصا من الثالوث المذكور. ويكفي التذكير بمواقف الوزير الأول السابق، الاشتراكي مانويل فالس، إبّان حكمه من المهاجرين السوريين ومن الإسلام، بَلْهَ (بإثبات الهاء) بمواقف عديدين من كبار زعماء اليمين التقليدي، خصوصا من حزب الجمهوريين الذي انضم عديدون منه إلى حزب التجمع الوطني الذي يهدف إلى طمأنة الفرنسيين من جهة قدرته على حكم البلاد، والقطع مع النظام الحالي الذي طال أمده في تبادل لدورات الحكم وللأدوار بين اليمين التقليدي واليسار. كما يروم توسيع قاعدته الحزبية التي لا تتجاوز 35% من الفرنسيين، وهو عدَدُ من سبق لهم التصويت للحزب المتطرّف. ولا سيما أنه، بعد التدقيق في الغاية من هذا الاختيار، يُقر ثلثا المصوّتين بأن تصويتهم احتجاجي ضد الأحزاب الأخرى، وليس دعما لأفكار الحزب المتطرّف. ومن ثمة، واستحضارا لهذا كله، تخلى الحزب عن عديد من مواقفه التقليدية التي تضعفه أمام الجمهور، ومنها المطالبة بالخروج من الاتحاد الأوروبي ومن منطقة اليورو، أو رفضه سداد ديون الدولة الفرنسية، لكنه أبقى وعوده الشعبوية الموجّهة، خصوصا، إلى قاعدته الانتخابية الصلبة، المؤلفة أساسا من فئة العمال والمسنين، مثل رفض تقشّف الميزانية والزيادة في الضرائب.
بناء على ذلك، لا يتصوّر وصول الحزب إلى سدة الرئاسة، ولو يمشي بخطط حثيثة نحو الحكم، ما لم يغير قيادته ويختار زعيما له من خارج عائلة لوبان، لما يرمز إليه تاريخها من عنصرية وتطرف وفساد. بيد أنه لا مجازفة في القول إن الحزب نجح في ما هو أخطر، حيث استطاع تضخيم تيار العنصريين وتسويق أفكاره المتطرّفة، وحُلَّت عقد ألسنةٍ كانت لا تجرؤ على التفوه بسريرتها الخبيثة والحاقدة. وأضحى التهجّم على الإسلام بحجة حرية التعبير أمرا عاديا لا يستنكر، وأعطى هذا انطباعا لدى غالبية الفرنسيين بأن فرنسا مهدّدة، ويجب صونها وحمايتها. وعليه وكي لا يصبح هذا التيار الوحيد داخل المشهد الحزبي الذي يدَّعي الحفاظ على الهوية المسيحية للبلاد، وعلى أمنها في شتى المجالات، فقد دفع منافسيه إلى مزاحمته في طروحاته، بل وتبني بعضها. وقد ظهر هذا في القوانين الفرنسية أخيرا، وتصريحات وزراء كانت تعتبر ذات يوم انزلاقات خطيرة وتواطؤا غير مقبول.

هل تستطيع لوبان كسب أصوات اليهود؟

نشرت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية تقريرا تحدثت فيه عن مدى قدرة مارين لوبان على كسب تأييد يهود فرنسا والفوز بأصواتهم خلال الانتخابات الرئاسية المقبلة سنة 2022.
وقالت الصحيفة إن مارين لوبان أصبحت في الوقت الحالي أقرب من أي وقت مضى للفوز بمنصب الرئيس استنادًا إلى أحدث استطلاعات الرأي، حيث تتقدم بثلاث نقاط مئوية على الرئيس الحالي إيمانويل ماكرون.
وقد تغلب ماكرون على لوبان عندما تنافسا في الانتخابات الرئاسية سنة 2017، بعد تعهده بإجراء إصلاحات عميقة في البلاد والانخراط بشكل أقوى في الاتحاد الأوروبي، لكن تعامله مع جائحة فيروس كورونا وسلسلة الهجمات التي شهدتها البلاد خلال السنوات الماضية قد ترجح كفة لوبان في الانتخابات القادمة.
قانون مكافحة التطرف

وتعتقد لوبان أن محاولات ماكرون الظهور بصورة الزعيم اليميني وتبني مشروع قانون مكافحة الانفصالية تخدم مصالح حزبها. وتقول لوبان في حوار مع هآرتس: «تحدث ماكرون عن الأصولية الإسلامية لأنه لم يعد يستطيع تجاهلها. ولكن منذ فترة طويلة، كنا الطرف الوحيد الذي يدينها، وكانت لدينا الشجاعة لمحاربتها».
وأضافت الصحيفة أنه على الرغم من أن مشروع القانون يحظى بتأييد واسع في البرلمان (أقرته الجمعية الوطنية الشهر الماضي وتجري مناقشته حاليًا في مجلس الشيوخ)، تحاول لوبان الدفع نحو مشروع قانونها الخاص بـ»مكافحة التطرف».
ويجادل منتقدو مشروع لوبان بأن تعريف «الإيديولوجيات الإسلامية» ضمن القانون المقترح غامض للغاية ويمكن أن يمهد الطريق نحو حملة مناهضة لمسلمي فرنسا الذين يقدر عددهم بنحو 5.7 ملايين شخص.
وعندما سُئلت عما إذا كان قانونها يتعارض بشكل مباشر مع أحد الحقوق الأساسية في فرنسا -حرية الدين- وجهت لوبان أصابع الاتهام إلى مشروع قانون ماكرون الذي رأت أنه يتعارض بشدة مع قانون 1905.
وينص مشروع القانون الذي تتبناه لوبان على منع الموظفين العموميين من ارتداء الملابس ذات الطابع الديني في أماكن العمل لتجنب «الإخلال بالنظام العام»، ويمنع أي شخص يتبنى أيديولوجيات إسلامية من الترشح لأي منصب أو وظيفة عمومية.
في سنة 2017، دعت لوبان يهود فرنسا إلى التخلي عن ارتداء الكيباه في الأماكن العامة لمساعدتها في هزيمة ما تصفه بـ «الإسلام المتطرف»، مما أثار انتقادات واسعة النطاق داخل المجتمع اليهودي. وفي الوقت الحالي، تقول لوبان إن «مشروع القانون لا يستهدف اليهود الذين يرتدون الكيباه، بل يحارب عدوا واضحا، وهو الإسلام السياسي» على حد وصفها.

تغيير إرث لوبان الأب
لسنوات عديدة، لم يفكر معظم اليهود الفرنسيين في التصويت لحزب اليمين المتطرف، خاصة عندما قاده والد مارين، جان ماري لوبان.
وكان جان ماري لوبان يُنكر مقتل ستة ملايين يهودي في الهولوكوست، وهو ما جعله بعيدا عن كسب تأييد يهود فرنسا. وبعد أن انتزعت ابنته مارين لوبان زعامة الحزب سنة 2011، اعتمدت استراتيجية مغايرة، لدرجة أن عددا كبيرا من اليهود اليوم لم يعد لديهم أي مشكلة في التصويت لصالحها في الانتخابات.
تعدّ فرنسا موطنا لأكبر جالية يهودية في أوروبا، ويقدر عددهم بنحو 500 ألف نسمة، ومعظمهم يهود سفارديون. ووفقا لمسح أجرته المؤسسة الفرنسية للرأي العام، فقد صوّت حوالي 14 بالمئة من اليهود لفائدة لوبان سنة 2012. ويقول بول سيبي، محلل البيانات البارز في المؤسسة، إنه من غير المستبعد أن يبقى هذا المعدل على حاله السنة المقبلة أو يرتفع.
ويضيف سيبي: «لاحظنا أن اليهود الفرنسيين الذين تعرضوا للهجوم بسبب دينهم يميلون إلى التحول إلى اليمين. هذا ما حدث بين فترة الثمانينات وسنة 2012، عندما نأى يهود فرنسا بأنفسهم عن اليسار للتصويت لمرشحي اليمين على غرار حزب الجبهة الوطنية».
وحسب المراقبين، لا يزال من السابق لأوانه معرفة ما إذا كانت الهجمات التي وقعت في شهر أكتوبر الماضي، فضلا عن تعامل ماكرون مع الجائحة، هي العوامل التي ترجح إلى حد الآن كفة لوبان في استطلاعات الرأي.
وتفيد تقارير أن عدد الأعمال والتهديدات المعادية للسامية بلغ 687 في سنة 2019، بزيادة قدرها 27 بالمئة مقارنة بالسنة السابقة. ويعكس عدد اليهود الفرنسيين الذين هاجروا إلى «إسرائيل» هذه المخاوف، حيث هاجر حوالي 38 ألف يهودي إلى إسرائيل خلال العقد الماضي.
وفي أعقاب الهجمات على صحيفة «شارلي إبدو» الهزلية ومتجر كوشير في باريس سنة 2015، أرسل بنيامين نتنياهو رسالة واضحة إلى اليهود الفرنسيين مفادها أن «دولة إسرائيل هي وطنهم».
أما لوبان، فإنها لا تشاطر نتنياهو الرأي بأنه ينبغي على اليهود الذين يشعرون بالتهديد في فرنسا، الهجرة إلى «إسرائيل». وتقول في هذا الشأن: «هجرة المواطنين اليهود من فرنسا لأنهم يخشون على حياتهم من شأنه أن يُضعف الدولة. أريد أن أقول لنتنياهو، ولليهود بشكل عام، إن صعود الإسلام الأصولي ليس أمرا حتميا. علينا أن نحارب هذه الأيديولوجية الإسلامية، والتي من الواضح أنها سبب تنامي معاداة السامية في بلدنا» على حد زعمها.
وفيما يمكن اعتباره محاولة أخرى للنأي بنفسها عن ماضي والدها المعادي للسامية، وعدت لوبان بضمان حماية الجالية اليهودية في حال انتخابها.

مواقف يهودية مناوئة
رغم كل تلك الجهود لكسب تأييد اليهود، فإن المجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية في فرنسا (كريف) لا يبدي أي تأييد لمارين لوبان، حتى أن الرئيس السابق روجر كوكيرمان حذّر قبل انتخابات 2017 من أن اليهود سيغادرون فرنسا في حال فازت لوبان، ولا تزال تلك المعركة محتدمة حتى يومنا هذا.
وتقول لوبان ردا على المجلس: «لا أعتقد أنهم يمثلون يهود فرنسا أو ما يجول بخاطرهم. أتساءل عما إذا كانوا يحاولون طلب الصفح بسبب دفاعهم عن الهجرة الجماعية وإدانة أولئك الذين كانوا يشجبون الإسلام المتطرف، ويصفونهم بكراهية الإسلام والعنصرية وكراهية الأجانب. يجب عليهم الاعتذار، وأعتقد بشكل موضوعي أن المجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية قد سهّل ظهور المشاكل التي نواجهها اليوم».
ورفض جيل طيب نائب رئيس المجلس انتقادات لوبان، وقال لصحيفة هآرتس إن المجلس ينصح اليهود الفرنسيين «بعدم التصويت لأي من المتطرفين، سواء كانوا من اليسار أو اليمين. إذا انتهى الأمر بماكرون ضد لوبان، فإننا ننصح اليهود بالتصويت لماكرون. ولمجرد أننا روجنا للهجرة إلى فرنسا، فهذا لا يعني أننا مسؤولون بأي شكل من الأشكال عن تعزيز وجود الإسلاميين الراديكاليين، مثلما تتهمنا لوبان».
ويوضح طيب أن الإشكال ليس في اسم «لوبان» في حد ذاته بل «يتعلّق الأمر بحقيقة أن مارين تتبع نفس الأيديولوجية العنصرية والمعادية للسامية التي كان يتّبعها والدها».
وفي هذا الشأن، يقول شيمون صامويلز، مدير العلاقات الدولية في مركز سيمون فيزنتال: «لا أعتقد أن اليهود الفرنسيين سوف ينسون بسهولة تصريحات والدها المعادية للسامية، لذا أعتقد أن الاسم ما زال ملوثا».
وحسب الصحيفة، فإن هناك في مقابل تلك الآراء المناوئة لمارين لوبان، أصواتا يهودية تدعمها، خاصة من جيل الشباب. ويرى جان ريتشارد سولزر، وهو يهودي وعضو قديم في حزب الجبهة الوطنية، أن هناك اختلافا بين جان ماري لوبان وابنته مارين لوبان، ويقول في هذا السياق: «كنت أعرف جان ماري لوبان شخصيا، لكن الحزب اليوم مختلف عما كان عليه في ذلك الوقت، وما بقي على حاله هو حرب مارين لوبان ضد الإسلاميين الراديكاليين. الجالية اليهودية في فرنسا ممزقة سياسيا، ولهذا السبب فإن المجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية في فرنسا (كريف) لا يمثل الجالية بأكملها».
وأشارت الصحيفة إلى أن أحد أكبر مخاوف اليهود الفرنسيين هو وعد لوبان بمنع ازدواج الجنسية، الأمر الذي سيجبر الكثيرين على الاختيار بين جنسيتهم الفرنسية أو الإسرائيلية. لكن لوبان تقول إن الهجرة من إسرائيل ليست جزءًا من «المشكلة» في فرنسا، لذلك فإن الأمور ستكون أكثر مرونة بالنسبة لليهود.
وتوضح لوبان في هذا الشأن: «أنا أتفهّم أن الجنسية الإسرائيلية لها معنى خاص، وهذا هو سبب انفتاحي على إمكانيّة مناقشة فكرة إبقاء هذا الخيار لليهود الفرنسيين».

علاقة معقّدة مع إسرائيل
وترى الصحيفة من جهة أخرى أن علاقة لوبان مع «إسرائيل» معقدة بعض الشيء مثلما هو الحال مع يهود فرنسا. وتقول لوبان في هذا السياق: «نعم، لقد كان من الصعب عليّ الحديث مع السلطات الإسرائيلية، ولن أخفي ذلك».
كان هذا العداء بارزا بوضوح عام 2011، عندما حضر سفير إسرائيل السابق في الأمم المتحدة، رون بروسور، إحدى المناسبات التي أشرفت عليها لوبان، وأكد لاحقا أنه حضر عن طريق الخطأ وغادر بمجرد أن أدرك أن لوبان هي من تستضيف الحدث..
تضيف لوبان: «لا أعتقد أنني فعلت أي شيء يستحق هذه المعاملة. أعتقد أن هناك علاقة خاصة تجمع بين إسرائيل وفرنسا، ويجب تعميقها في جميع القطاعات».
وحسب الصحيفة الإسرائيلية، فإن ما تقوم به لوبان حوّلها في نظر كثيرين من زعيمة يمينية متطرفة متهمة بالعنصرية، إلى شخصية سياسية مؤثرة تقترب شيئا فشيئا من رئاسة فرنسا. لكن ذلك يدل أساسا على تغيّر المواقف والميول المجتمعية في فرنسا، وليس تغيُّر سياسات لوبان، فهي ما زالت تريد إيقاف الهجرة وحظر ارتداء الحجاب وتجريم «الأيديولوجيات الإسلامية».
التفريق بين اليهود والمسلمين؟

نشرت مجلة «ذا أتلانتك» مقالا للكاتب إيثان كاتز، حول زعيمة حزب الجبهة الوطنية، مارين لوبان، ومواقفها من المسلمين واليهود، ومحاولتها تأليب كل من المجتمعين ضد الآخر.
ويشير الكاتب إلى أن لوبان أثارت ضجة كبيرة هذا الشهر، عندما أصرت على أن فرنسا غير مسؤولة عن 13 ألف يهودي تم اعتقالهم من الشرطة الفرنسية في يوليوز 1942، وإرسالهم إلى أوشويتز، حيث صدمت تصريحاتها تلك الكثير من الناس، فلم يكن ذلك مناقضا لاتفاق المؤرخين فقط، لكنه يتعارض أيضا مع محاولاتها للحصول على أصوات المصوتين اليهود.
ويستدرك كاتز قائلا: «إن الغريب هو في الواقع ذكرها اليهود دون قرنهم بالمسلمين، فلطالما أوحت هي ومن سبقها في الحزب بأن اليهود والمسلمين مصدر خطر يعيش على هامش الشعب الفرنسي، وفي الوقت ذاته محاولة تأليب كل منهما ضد الآخر».
ويلفت الكاتب إلى أن «لوبان سعت منذ تسلمها قيادة الحزب عام 2011، إلى إعطاء الحزب صورة أفضل، محاولة تحرير الحزب من ظلال والدها، مؤسس الحزب ورئيسه لمدة 40 عاما، بالإضافة إلى أنها حاولت لعب موازنة صعبة، وهي أن تجعل حزبها، الذي طالما ارتبط بالتوجهات الفاشية، وكأنه واحد من الأحزاب الرئيسية التي تؤمن بالقيم الديمقراطية وقيم الجمهورية الفرنسية، والحفاظ في الوقت ذاته على قاعدة الحزب اليمينية المتطرفة».
ويبين كاتز أن «من الأشياء التي تقع في إطار الجهد الأول، هو إصرار لوبان على أنها تتبنى اليهود الفرنسيين، وترفض معاداة السامية، حيث قالت في يونيو 2014: «لا أتوقف عن القول لليهود الفرنسيين.. ليس فقط إن الجبهة الوطنية ليست عدوكم، لكنها دون شك أفضل درع لحمايتكم، إنها تقف إلى جانبكم للدفاع عن حريتنا في الفكر والدين ضد العدو الحقيقي الوحيد المتمثل في الأصولية الإسلامية».
ويقول الكاتب: «لكن الشكليات لا يمكن أن توصل الشخص بعيدا، فعندما اقترحت لوبان حظر (شعارات التفاخر الدينية) في شهر أكتوبر 2016، ثم في فبراير 2017، فإنها لم تكن تقصد فقط الحجاب الإسلامي، بل أيضا القبعة اليهودية، وعندما سئلت عن القبعة اليهودية ردت بالقول إنها متأكدة بأن اليهود الفرنسيين مستعدون لمثل هذه التضحية الصغيرة للصالح الأكبر، وهو هزيمة الإسلاموية».
ويضيف كاتز: «حديثا اقترحت لوبان أن على المواطنين الفرنسيين الذين يحملون جنسية أخرى غير أوروبية أن يتنازلوا عن واحدة منهما، وهذا بالتأكيد يستهدف المسلمين في فرنسا، حيث يحمل الكثير منهم جنسية دول شمال إفريقية بالإضافة إلى الجنسية الفرنسية، لكن عندما سئلت في المقابلات عن إسرائيل، فإنها قالت إن إسرائيل بالتأكيد ليست دولة أوروبية، أي إنها لن تقبل بفرنسي يحمل الجنسية الإسرائيلية».
ويستدرك الكاتب بأن «نظرة عابرة للتاريخ تبين أن نظرة لوبان الجديدة في الواقع ليست جديدة أبدا، فكما أوضحت في كتابي (ذي بيردنز أوف برذرهود)، فإن اليمين المتطرف في فرنسا منذ ثلاثينيات القرن الماضي كان يذكر المسلمين واليهود في السياق ذاته، ويبين أنهما يختلفان عن بقية المجتمع، ويسعى في الوقت ذاته للإيقاع بينهما لاعتبارات استراتيجية».
وينوه كاتز إلى أنه «في منتصف الثلاثينيات من القرن الماضي، ووسط أزمات اقتصادية وسياسية وثقافية، عادت معاداة السامية التي كانت سائدة في القرن التاسع عشر إلى الواجهة، أما المسلمون فكانوا من المهاجرين الفقراء من الجزائر بشكل رئيسي، وكان لهم أيضا تصنيفهم الخاص بالأجانب الذين يشكلون خطرا على البلد، بالإضافة إلى أن قيادات اليمين المتطرف ظلوا متأثرين بالفكرة التي راجت بين المفكرين العنصريين في أوروبا لعقود، وهي أن هناك قرابة بين المسلمين واليهود، وأنهم كلهم (ساميون)».
ويجد الكاتب أنه «في هذا السياق، فإن التجمع اليميني (كرويكس دي فيو) صاغ نشرة في منتصف الثلاثينيات تشبه كثيرا ما قالته لوبان لليهود في 2014، لكن هنا قال التجمع للمسلمين إن عدوهم ليس الفرنسي بل اليهودي، وبالطريقة ذاتها التي زعمت فيها لوبان بأنها وحزبها غير معادين للمسلمين، فإن قائد التجمع اليميني الكولونيل فرانسوا دي لاروكيو، أصر أمام جمهور يهودي بأنه موجة لاسامية ستكون كارثية بالنسبة لفرنسا، وتم نقد هذين الموقفين المتناقضين في رسم كاريكاتوري عام 1936 شبه فيه لاروكيو بالإله الإغريقي ياونس ذي الوجهين، ويمكن إعادة منتجة الرسم ذاته ليمثل لوبان».
ويذكر كاتز أنه «في مرحلة نظام فيشي بقيادة الديكتاتور المارشال فيليبي بيتين، فرض اليمين المتطرف رؤيته لما يجب أن تكون عليه البلد، ولم يكن فقط الضغط النازي، بل بمبادرة من فيشي تم تصوير اليهود على أنهم هم (الآخر)، وتبع ذلك إبعاد لحوالي ربع اليهود وتم قتلهم، وتنافست حكومة فيشي والنازيون على خطب ود المسلمين، من خلال دعاية معادية للسامية، لكن لم يحقق نجاحا يذكر».
ويورد الكاتب أنه «في السنوات التي تبعت الحرب العالمية الثانية تمت إعادة خلط الأوراق، خاصة أن معاداة السامية هزمت وبدأت التساؤلات حول الاستعمار، وخاضت فرنسا حربا دامت 8 سنوات في منتصف الخمسينيات في الجزائر، هذه الحرب والحرب التي خاضتها إسرائيل جعلتا الكثير من اليمينيين المتطرفين يشعرون بتعاطف مع دولة إسرائيل الناشئة، وزاد هذا الشعور بعد حرب عام 1967، وشعر ما يزيد على المليون من مستوطني الجزائر بالخذلان من قرار الجنرال دي غول مغادرة الجزائر، ورأوا في إسرائيل مثالا على الدفاع عن المدنية ضد العرب الكفار الذين يسعون لغزوها».
ويفيد كاتز بأن «جان-ماري لوبان، الذي أسس الحزب (الجبهة الوطنية) عام 1972، من حزبيي الاستعمار الفرنسي في الجزائر، وحصل حزبه على دعم الكثير من مؤيدي نظام فيشي، كان تركيزه حول المخاطر الناجمة عن الهجرة، خاصة المهاجرين المسلمين، وتصوير موقفه هذا على أنه دفاع عن الغرب».
ويقول الكاتب: «وحتى لا نظن أن الجبهة الوطنية في 2017 تحولت عن (المسألة اليهودية) إلى مسألة المسلمين، فإن لوبان تذكرنا دائما أن على الحزب أن يبقي المجتمعين في الهدف».
ويخلص كاتز إلى القول إن «تكرار لوبان لذكر اليهود في الوقت الذي تذكر فيه المسلمين، يحقق لها ثلاثة أهداف: الأول هو أنها تطمئن جمهورها التقليدي، الذي يتميز بمعاداة السامية، بأنه لم يتغير شيء، وثانيا بتضمين اليهود فإنها تقول إن المسألة ليست عداء للمسلمين، وأخيرا فهي تطالب بالتضحية من الجميع لمنع وقوع ما تتنبأ به من غزو الإسلاميين لفرنسا الأوروبية المسيحية».

 

تقرير: 84% من الفرنسيين يعتقدون أن مارين لوبان لا تصلح للرئاسة

خلص تقرير نشرته صحيفة «لوجورنال دو ديمانش» الفرنسية، يوم 28 مارس الماضي، إلى أنه: يعتقد حوالي 77% من الفرنسيين أن بلدهم بلد ذو ثقافة مسيحية، ويظن أكثر من 85% منهم أن العلمانية مهددة. كما يعتقد 47% من الفرنسيين بإمكانية التوافق بين قيم الجمهورية والدين الإسلامي، وتنزل النسبة إلى 32% عند المتعاطفين مع الحزب المتطرّف. بينما يعتقد 67% من الفرنسيين أن الهجرة تكلف فرنسا أكثر مما تجلب لها من منفعة، وترتفع النسبة إلى 81% عند المتعاطفين مع الحزب. إلى جانب ذلك، يشعر 62% من الفرنسيين و81% من المتعاطفين مع الحزب بانعدام الأمان. فيما يعتقد 75% أن فرنسا في حالة انتكاس وانحدار، وتصل النسبة إلى 91% عند هذا التيار. ويعتقد حوالي 60% أن حزب التجمع الوطني عنصري، ويشكل تهديدا للديمقراطية الفرنسية. بينما يعتقد 74% من المشمولين بالاستقصاء أن الحزب ينتمي لليمين المتطرف، ويظن 84% أن رئيسته مارين لوبان لا تصلح للرئاسة.


بتاريخ : 06/04/2021

أخبار مرتبطة

بعد وفاة بيير بورديو، نعتْه الأخبار اللبنانية – من بين منابر أخرى في العالم، أكثرها عددا من أمريكا اللاتينية والشرق

سعينا في حوارنا مع الفيلسوف التّونسيّ فتحي المسكيني إلى محاولة قراءة نتائج وارتدادات وباء كورونا من وجهة نظر فلسفيّة، وقد

«مراسلة مفتوحة» هي سلسلة رسائل كتبت ما بين دجنبر 1995 و أكتوبر 1999، بين غيثة الخياط، هي في ذات الوقت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

//