«مجرات وحرائق» للمصطفى مفتاح

السكن في شجون بلا باب ولا غيم ولا ثلج

فاجأنا شاعرا، كنسمة انسلت من غمام، انتظرنا بوحه المشتهى في سرد لواعج أيامه على وقع صيغ الرواة والحكي المستقيم ، فارتضى فتح عوالم صراطه على إيقاع الغزل بالكلمات، استوى الوطن في مجاري دمه فأينعت العبارة، دافقة كشلال رذاذ مثقل بدوائر أشجان.
هو المصطفى المراكشي مفتاح الأسرار، تأبط شغفه الواثق ليكشف سرائر وطن ، كما امتد سهولا وجبالا وتدفق أنهارا، خبايا شغب حوصر بسراديب وعنف مستباح. هي انفلاتات في ليل الجوار، ذكرى غريب على ضفاف أم الربيع، وحديث العين وظلال قبرة تتلى في قصيدة تحتاج لترتيب ما. هكذا يصفف مجرات وحرائق كما تجلت في عنفوان شبابه، وتكدست على ضفاف سنوات عمره . يتلو البدايات على سبيل السؤال ” ألأمر ما، أسكن في شجون بلا باب ولا غيم ولا ثلج ؟ ” في ثناياه يناجي وطنا حمله هما منذ تفجرت شرارة العناد في مسالك روحه، لحظة استقام خطوه على سطح ساخن، وامتد حلمه لربيع تتفتق في رحابه ألف زهرة، خبر الصد الأليم والجزر الدميم واكتوى من لهيب جفاء اغتصب سنوات من زكي أحلامه. يواصل الكفاح عن العزة شامخا لا يأبه لحزن غزا لحظة جوانحه.
” سيبتدئ الربيع من الربيع
ومن حياتي وقافلة الوفاء للشمس والشعر والصدق والحب البسيط كالرغيف سيبتدئ الربيع من الخطأ
ومن الخطايا
ومن الخريف
وصعوبات الطريق
سأنتهي هناك في بركان
في بستان يحفني بالعشق والألم
وكل الهزائم
منذ القبس
منذئذ يا رفاقي
أنام على وعدكم
والسؤال
أبحر في الوميض ”
تلك آياته التي تحكم خطاه، تحضه على جزيل العطاء، يرتب معانيها ويفتح في الأفق آفاقا ندية بهية الألوان. سمات مسار حياة يعفره الوفاء وسمو المشاعر، ليتغنى بالثناء على منابع الرأفة وشرايين المودة ومروج الحنان.

” أماه بوصلة الحياة
جذر سفينتي
جذع عودتي
أماه
لؤلؤة الجسور التي تحملني بلا كلل ولا ملل
إلى حيث الحياة اصطبار وخبز بسيط واشتياق
وصدمة والسقوط النهوض والمستحيل من الأمل،
أماه الصرخة الأولى
والدمعة الأعلى
والضمة
القبلات التي ننسى
وتسمينا
أماه
لا عقوقي جدير بثديك
لا وفائي بعض بعض
أنا منك الكبد
وأنت مني كبد السماء
تماثل الآن في جبين المستحيل من المدى
ومن جبيني
أماه حبان وقهوة وبعض شعر »
تراتيل مسبوكة على وتر الحنين واللوعة، تلوح نسائم الطفولة فتعيد للروح بهجتها وللأيام عزتها. هي رحلة سنوات تغالب النسيان، يطوي الأمل ندوب الآلام، وتنجلي تفاصيل لهيب فراق وصخب ترانيم لقاء .
كنت دائما أتحسس رنين عباراته، أستشف نفسه الشعري كلما طفت بيننا لحظة تتسع للبهجة والبوح الصادق المفعم بالمودة، وما ظل يدنينا من حلمنا الجميل. واليوم قرر أن يعلن في الناس ما ظل يسكن دروب روحه ويلف حلما اجتباه. ” مجرات وحرائق” أكثر من عنوان لديوان شعري، هو تكثيف لتفاصيل أيام غيرت كل معالم مجرى حياة شاب اختار أن يسبح ضد التيار، وأن يقارع الجحود بالعناد. فتحية تقدير وإعجاب لرفيقي المصطفى مناضلا وشاعرا شاسع الابتسام .


الكاتب : أحمد حبشي

  

بتاريخ : 17/05/2021

أخبار مرتبطة

  1 – اَلْجَمَالُ الشَّرِسُ (صَلَاةٌ) إِلَى صَلِيبِي : أُمِّ إِلْيَاس وَأَيْمَن .. Quelle beauté féroce ! يَا لَلْجَمَالِ الشَّرِسْ !

منذ الساعات الأولى من فلق الصبح إذا يتنفَّسُ أفتحُ عينِيَّ بُعَيْدَ هجودٍ لا أبصر ما حولي أو حتى إن أبصرتُ

  لعلها تمطر في مكان بعيد، أو تنثر ندف الثلج فوق قمم جبال أقل بعدا، لذلك يصلك هذا القر الشديد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

//