محارب النسيان، عبد الرفيع جواهري : يوقظ فينا همة الحب والأمل.. والمهدي لن يقتلوه من جديد بالنسيان

“كفى…. باسطا “، عنوان قصيدة جديدة للشاعر المناضل عبد الرفيع جواهري.. شاعر يبدع بشكل كبير حين يستحضر رجالات طبعوا الوطن بالنضال الى حد الاستشهاد.. وشاعر يتأمل بعين المبدع .. يصرخ بصوت المناضل.. ينظر بحكمة المفكر.. يرافع بقوة المدافع.. وليسمح لي أن أطلق عليه اسم “محارب النسيان” .. لأنه يتدخل كلما تبين له أن البعض ينسج ستائر النسيان من أجل أن يخفي حقائق أو يغيب من ذاكرة الوطن رجالات علمونا كيف نحب الوطن..
فمن “الوردة العاشرة” واحدة من أجمل القصائد الشعرية التي تغنت بشهيد الصحافة الاتحادية عمر بن جلون الذي كان صديقا لعبد الرفيع، وهي قصيدة تمجد الحب والوفاء وقد رصعت ديوان ” شيء كالظل” بالكثير من الأحاسيس الإنسانية الممزوجة بالوفاء..
عبد الرفيع جواهري المعروف بالرقة والجمال والفرح يوظف انتصاره للحياة ليقدم لنا شعرا سياسيا مطرزا أيضا بالحب والجمال وفي نفس الآن يوقد في دواخلنا همة النضال والصمود ومحاربة اليأس، ويدفعنا لنغني معه ونحن في قافلة النضال سيرة الجمال لرجال ما خفضوا يوما طُهر جباههم إلا لإله السماء..
ففي الذكرى الثلاثين لاستشهاد عريس الشهداء المهدي بن بركة أتحفنا سنة 1995 في قصر المؤتمرات بمراكش بقصيدته المُعنونة ب:” هل تكفي للنسيان ثلاثون سنة” فكانت بالفعل حدثا متميزا إبداعا ونضالا.. تم صمت شاعرنا لسنوات قبل أن يصرخ مرة أخرى في حدث شعري أسال الكثير من المداد بين النقاد والصحافيين والساسة، وخلق نقاشا كبيرا في صفوف نخبة كبيرة من المثقفين امتد صداها إلى الكثير من أصقاع الكرة الأرضية..وهي قصيدة ” ما طوينا الكتاب”
ولأنه ألف أن يفاجئنا دائما بما هو أروع وأجمل وأمتع، ولأنه حين يصمت طويلا تم يقول كلاما فإنه يقول إبداعا.. فقد إبدع سياسيا من نافذة الشعر.. فكثيرون اعتقدوا أن جواهري طلق السياسة، غير أن مساره الإبداعي يمتزج دائما بالنضال وها هو اليوم وبمناسبة الذكرى الخامسة والخمسون يطل علينا من نافذته الشعرية ليقول لنا جميعا:
كفى.. باسطا
فيطارد الموت بشراسة ليؤكد ان” لا قبر لا تابوت” .ويدخلنا الى حلمه الجميل ويطرح جوابا :
“لأنه الحلم هل الحلم يموت؟”
المهدي ما يزال بيننا هكذا يقول جواهري بان اسمه يخلد في كل الشوارع وكل العواصم العالمية:
“في هافانا وفي باريز
في القاهرة…
في الرباط في دمشق أو بيروت
الذكريات لا تموت
الذكريات لا تموت..”
ولأن الشهداء لا يموتون، والعظماء لا يفنون، فإن عبد الرفيع بلمسته الشعرية يبلغنا أن عريس الشهداء يجدد الحضور في المكان وهو ما يجعلنا نقاوم النسيان..
قصيدة “كفى باسطا” أراد من خلالها عبد الرفيع ان يعطينا شحنة للمقاومة، مقاومة النسيان، مقاومة الذين أرادوا نشر ثقافة الخدلان بهدف إنزال الستار على واحد من الملفات السياسية الشائكة وطي ملف المهدي حتى يفلت الجناة من العقاب .
“في سانجرمان
نقاوم النسيان
المهدي حاضر هنا والآن
كأننا نراه يقتني الجريدة
ويحتسي قهوته في مقهى “ليب”
الشاعر وهو ينقل لنا بصوره الشعرية حضور المهدي بيننا يؤكد على أنه لم يغادرنا رغم مرور خمس وخمسين سنة من الغياب.
“لكنه يسكن في العقول
يسكن في الوجدان
لن تقتلوه من جديد
لن تقتلوه بالنسيان”
سلاح النسيان هذا الذي يستعملونه لطي ملف الشهيد ستتصدى له الشاعر بمضادات مدعمة بإيمان قوي، وأن الحقيقية مهما حاول البعض إخفاءها ستنجلي.
“يا أيها الجناة بيننا وبينكم
كتاب دم
لن نطويه
حتى تجيء ساعة الحقيقة
وتنجلي ملامح الشيطان”
ويرفع الشاعر من إيقاع المواجهة والتحدي حين يقول :
“يا أيها الجناة
لا فكاك بيننا وبينكم
آن الأوان
فلتعلموا آن الأوان
سنبقى في حلوقكم
شوكا
وغصة مدى الزمان.”
القصيدة توقد حرارة إيمانها بقضية المهدي حيث نستشف أن المهدي ليس وحده، فهو فارس إن غاب سيأتي بعده فرسان.. وأنه من خلال قضيته سيجدد الحضور في المكان، وأنه يستعصي على النسيان..
الشاعر وقد نقل لنا الرواية والفيلم المصيدة “باسطا” أخبرنا بصيغة إيقاظ هممنا أن الأسيد لم يفلح في محو اسم المهدي وصورته، وأن نظرته الشزراء تطارد إلى اليوم الجناة..
“لم يفلح الأسيد في محو اسمه أو صورته
النظرة الشزراء ما تزال
تطارد السفاح والقسيس والحزان..”
القصيدة تُطمئننا أننا سنرى المهدي في تعاقب الفصول وفي الورد وفي الجبال وفي كل ما هو جميل عبر خريطة الوطن وكل الكون..
وعبَّر لنا الشاعر باليقين موجها خطابه للذين أرادوا محو قضية المهدي إلى الأبد أن بن بركة لن يقتل من جديد بالنسيان.
” لن تقتلوه من جديد
لن تقتلوه بالنسيان”
هكذا إذن أطل علينا الشاعر عبد الرفيع جواهري وهو يحمل قضية عريس الشهداء المهدي بن بركة كأي أفق نبيل للحلم والأمل ليجدد فينا طاقة الحياة. وجعل من قصيدته “كفى…. باسطا” طاقة مستحيلة تضمنا جميعا نحو دفء المحبة لننتصر للحياة وكمال الفرح وغبطة الوجود متحمسين لمحاربة النسيان ومنتصرين للقضية في أفق الأجمل والأروع والأمتع.


الكاتب : المبارك البومسهولي

  

بتاريخ : 29/10/2020

أخبار مرتبطة

حين التقينا، قبل أسبوعين من رحيله عن هذه الدنيا، وقد مضى على تلك الفاجعة حوالي شهر، كان مطمئنا إلى قدرته

  في قضية الصحراء، من المرجح أن تستمر أمريكا في دعم المغرب على مستوى مجلس الأمن مثل فرنسا، يمكن للرئيس

من نشيد حركة الحقوق المدنية الأمريكية “فريدوم سونغ” إلى أغنية “بيلا تشاو” الإيطالية الثورية، لطالما تميزت الحركات الثورية عبر التاريخ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

//