مسؤولون تربويون يفسرون اكراهات التدريس ورهان الاستمرارية في ظل الجائحة

ادريس الواحي (المدير الاقليمي لوزارة التربية الوطنية والتكوين المهني بإقليم كرسيف):
التعليم بالتناوب له الأثر البليغ في ضمان الاستمرارية البيداغوجية رغم الإكراهات التي صاحبت تنزيله

 

جائحة كورونا، كما لا يخفى على الجميع ،أثرت بشكل كبير على قطاع التربية والتعليم، وتفاوتت درجات الثأثير من دولة لأخرى .جعلت العديد منها يتخذ قرارات حاسمة، وصلت الى حد اغلاق المؤسسات التعليمية خوفا على صحة وسلامة المتمدرسين.واخرى لجأت الى الاعتماد على الاجراءات الاحترازية المتشددة، فقلصت من خلالها الزمن المدرسي .وقلصت من عدد تلاميذ الاقسام الدراسية .
المغرب من الدول التي قررت فتح مؤسساتها التعليمية، معتمدا على الاجراءات الاحترازية ،بانخراط الجميع خاصة المتدخلين في العملية التعليمية وشركاء المدرسة المغربية والفرقاء الاجتماعيين، مع الاعتماد على تقليص الزمن المدرسي ونهج التفويج .وذلك بعد الاستجابة الفورية لرغبات امهات واباء واولياء التلاميذ الذين عبروا على رغبتهم في الدراسة الحضورية لابنائهم عن طريق ملء استمارة خاصة .
جريدة الاتحاد الاشتراكي ،تابعت عن قرب اجواء الدخول المدرسي. وسلطت الضوء في مناسبات عديدة على اكراهاته.ونقلت اراء العديد من المتدخلين في العملية التعليمية . ( امهات،اباء وأولياء، اطر تربوية ، تلاميذ).
اليوم ،تعطي الجريدة الكلمة للمسؤولين المباشرين الساهرين على إنجاح هذه العملية وهذا الخيار، لشرح الصعوبات والاكراهات التي واجهت الدراسة هذا الموسم في ظل الجائحة والرهانات التي اتخذتها لضمان استمرارية العملية التعلمية.

لقد كان لتفشي وباء كورونا-19 المستجد الوقع الكبير على أداء كل القطاعات الحيوية للدول على الصعيد العالمي والوطني، حيث انخفض نشاطها إلى معدلات مخيفة لتصل إلى التوقف في الكثير من الاحيان، مما تسبب في إحداث خسائر فادحة اقتصاديا واجتماعيا.
وقطاع التعليم كان ولازال من بين القطاعات الاجتماعية التي تأثرت بتداعيات ظهور وانتشار هذا الوباء ،حيث توقف أزيد من 60% من الطلاب عبر العالم عن التمدرس حسب تقرير لليونيسكو في الموضوع. وسعيا إلى الحد من تفشي هذا الوباء، عمدت مجموعة من الدول عبر العالم إلى إغلاق أبواب المؤسسات التعليمية مؤقتا واعتماد مجموعة من التدابير الاحترازية والوقائية لضمان صحة وسلامة مواطنيها من جهة، ولضمان استمرارية التحصيل الدراسي من جهة أخرى.
وقطاع التعليم في بلادنا كباقي القطاعات لم ينج من تداعيات هذا الوباء الخبيث الذي شل حركة كل المؤسسات التعليمية العمومية منها والخصوصية بشكل تام لمدة تزيد عن ثلاثة أشهر ابتداء من شهر مارس المنصرم تماشيا مع إعلان الحكومة عن بداية الحجر الصحي التام منذ نهاية شهر مارس الماضي، الشيء الذي تسبب في توقف الدراسة الحضورية واعتماد التعلم عن بعد وانطلاق أولى الدروس المصورة والمقدمة عن بعد. وضعية أبدع فيها نساء ورجال التعليم ومختلف مكونات المنظومة التربوية وشركائها معبرين عن حس وطني كبير وعلى قدر كبير من المسؤولية بهدف ضمان الاستمرارية البيداغوجية للتلميذات والتلاميذ وتجنب الانقطاع التام عن الدراسة.
وقد عملت وزارة التربية الوطنية والتعليم العالي والبحث العلمي منذ الوهلة الأولى على اعتماد استراتيجية مندمجة ورزنامة من التدابير والإجراءات المستعجلة والمسترسلة لاحتواء هذا الوضع المستجد وللتقليل من الخسائر والأضرار المترتبة عنه بهدف تأمين الاستفادة من فرص التعلم والتكوين في إطار الاستمرارية البيداغوجية لكل التلاميذ بمختلف المستويات والأسلاك بما يضمن تكافؤ الفرص بين الجميع، وبما يضمن أيضا السلامة والأمن لكل المتدخلين في الحقل التربوي من أطر إدارية وتربوية وأساتذة وتلاميذ وأسر ومرتفقين.
ولهذه الغاية، وباعتماد مقاربة استباقية وتشاركية، تم الاشتغال على مستويين مهمين: المستوى المرجعي-التأطيري، والمستوى العملي-الاجرائي.
على المستوى الأول: كان لزاما على الوزارة الوصية أن تعد العدة القانونية والتأطيرية لتوحيد الرؤية لدى الفاعلين التربويين وتحدد الاجراءات والاليات التي ينبغي على مختلف مستويات التدبير والتسيير التي تشكل أجهزة الحكامة بالمنظومة التربوية الالتزام والتقيد بمضامينها لتيسير تقديم خدمات هذا المرفق العمومي الحيوي. حيث باشرت الوزارة اصدار مجموعة من النصوص التنظيمية من مقررات ومذكرات منذ نهاية الموسم الدراسي المنصرم استهدفت تأمين الحق الاساسي في التعليم للجميع باعتباره حق كوني ومحمي دستوريا وكذالك تأمين الحق في الصحة والسلامة.
ومن بين هذه النصوص التنظيمية: مقرر تنظيم السنة الدراسية رقم 029\20 الصادر بتأريخ 5 غشت 2020، المذكرة 39\20 في شأن تنظيم السنة الدراسية 2020-2021 في ظل جائحة كوفيد-19 الصادرة بتاريخ 28 غشت 2020، المذكرة 41\20 في شأن تنظيم حصص الدعم والتثبيت في بداية الموسم الدراسي 2020-2021 الصادرة بتاريخ 1 شتنبر 2020، المذكرة 46\20 الصادرة بتاريخ 15 شتنبر 2020 في شأن تدبير حالات الإصابة بفيروس كوفيد-19 بالوسط المدرسي والمذكرة 47\20 الصادرة بتاريخ 18 شتنبر 2020 في شأن تفعيل أحكام القانون الإطار 51-17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي.
وعلى المستوى العملي والاجرائي: ومع انطلاق الموسم الدراسي الحالي واستمرار تفشي جائحة كوفيد 19، تم اعتماد مجموعة من الأنماط التربوية لاشتغال المؤسسات التعليمية حتى تستجيب لمبدأ ضمان التعليم والتعلم للجميع بمختلف المؤسسات التعليمية وبمختلف ربوع المملكة. نمط التعليم الحضوري، نمط التعليم عن بعد، ثم نمط التعليم بالتناوب. هذه الانماط الثلاثة صاحبتها عملية مواكبة وموسعة همت توفير الموارد الرقمية اللازمة وتسجيل الدروس وتوفير الكراسات لفئات مهمة من التلاميذ المتواجدين بالمناطق النائية وكذا ربط المؤسسات التعليمية بشبكات الإتصال.
إن اعتماد أحد هذه الأنماط التعليمية يأخذ بعين الاعتبار الوضعية الوبائية التي يعيشها محيط المؤسسة. حيث يتم اعتماد التعليم الحضوري باحترام قواعد الحماية الصحية والتدابير الاحترازية التي تم تضمينها في البروتوكولات الصحية لوزارة التربية الوطنية ووزارة الصحة، أو باعتماد التعليم عن بعد بالمؤسسات التعليمية المتواجدة في المناطق والمجالات التي تعرف تفشيا كبيرا وواسعا لفيروس كوفيد-19 المستجد. كما يتم اعتماد نمط ثالث وهو التعلم بالتناوب الذي يزاوج بين التعليم الحضوري والتعلم الذاتي. وينبغي الإشارة في هذا الباب المتعلق بإقرار اعتماد أحد الأنماط التربوية الثلاث، إلى أنه تم إرساء مجموعة من الهياكل المؤسساتية التي تسهر على تتبع تنزيل النمط التربوي المناسب وضمان الانتقال من نمط تربوي إلى آخر حسب تطور الوضعية الوبائية للوسط الذي تتواجد به المؤسسة التعليمية.
هذه الهياكل تشتغل بتنسيق تام فيما بينها وتتألف من مختلف الفاعلين المحليين والإقليميين والجهويين والمركزيين لوزارة التربية الوطنية ووزارة الصحة ومختلف السلطات الامنية والترابية. وتتركز نتائج أشغال لجن اليقظة في تتبع الوضعية بمختلف المؤسسات التعليمية وإصدار قرارات وبلاغات وتتبع تنفيذها وتقييم تنزيل مقتضياتها.
ويبقى اعتماد نمط التعليم بالتناوب الذي يزاوج بين التعليم الحضوري والتعلم الذاتي أحد الأنماط التربوية الأكثر تنزيلا بالمؤسسات التعليمية وخاصة بالوسط الحضري وبمراكز الحواضر. وذلك راجع لبنية المؤسسات التعليمية المحتضنة لأعداد مهمة من التلاميذ.
لقد كان لأجرأة هذا النمط خلال انطلاق الموسم الدراسي الحالي الأثر البليغ على ضمان الاستمرارية البيداغوجية رغم الإكراهات الأولية التي صاحبت تنزيله والتخوف الذي صاحب الممارسين من مدى فعالية ونجاعة هذا التدبير على مستوى التحصيل الدراسي من الناحية الكمية والكيفية. تخوف كان مشروعا لدى الأطر الادارية والتربوية وخصوصا وأن نظامنا التعليمي لم يسبق له أن عاش تجربة مماثلة. غير أن تظافر الجهود المبذولة من مختلف الفاعلين التربويين (ادارة تربوية، هيئة التدريس، هيئة التأطير والمراقبة، شركاء اجتماعيين، جمعيات وفيديراليات جمعيات الآباء وغيرهم…) من خلال الاقتراحات العملية والمبادرات الفاعلة والتجارب الناجحة، سمح لهذا النمط التربوي أن يجد سبيله الى النضج وإلى الفعالية المنشودة بتمكين المتعلمات والمتعلمين من حصص دراسية كاملة وفق ما تنص عليه المقررات والمناهج الدراسية المعتمدة. حيث اشتغل الفاعلون التربويون كل حسب اختصاصه على مجموعة من المتغيرات التي همت بالأساس ترتيب الاولويات في تقديم الدروس، وتعديل الحصص الزمنية لبعض المواد، وتفيئ الأنشطة التي يجب بناء مفاهيمها وتقديمها حضوريا والأنشطة التي يمكن الاشتغال عليها ذاتيا أو عن بعد بتوجيه وتأطير من الأستاذات والأساتذة.
وفي هذا السياق، يتم الحرص كل الحرص على تمكين المتعلمات والمتعلمين من الكفايات الواجب تحصيلها خلال الموسم الدراسي حسب كل مستوى وحسب كل سلك.
وتعد عملية المواكبة والمساهمة والتتبع والتنسيق الذي تحظى بها المؤسسات التعليمية في ظل هذه الظروف الاستثنائية من طرف الآباء والأمهات وأولياء الأمور رافدا أساسيًا لإنجاح هذا التحدي المستمر.
لقد عبر الآباء في عدة مناسبات عن تخوفهم وقلقهم حول مدى استعداد المؤسسات التعليمية لاستقبال أبنائهم وبناتهم في ظروف أمنة تضمن سلامتهم وصحتهم من جهة، وكذلك حول امكانية تحصيل ابنائهم لمجمل المقرر الدراسي السنوي في ظل استفادة التلميذ من نصف الحصة الزمنية المخصصة للتمدرس باعتماد هذا النمط القائم على التناوب.
تخوف وقلق مشروعين من الناحية المبدئية والأولية، غير أن الامكانيات المهمة التي تم تسخيرها من طرف الادارة المركزية والجهوية والاقليمية والمحلية لضمان سلامة كل مرتادي المؤسسات التعليمية جعلت هذا الشعور يتبدد شيئًا فشيئا. وهنا لابد من التأكيد على الموارد المالية المهمة التي تم تسخيرها لتنزيل البروتوكول الصحي ولتوفير لوازم التطهير والتعقيم والتحسيس بالكميات اللازمة بكل المؤسسات التعليمية ضمانا لسلامة وصحة الجميع. كما أن العمل الذي تقوم به الاطر التربوية عموما وأطر هيئة التدريس وأطر هيئة التأطير والمراقبة خصوصا في مجال تقديم وتتبع الدروس ستمكن المتعلم من حقه في التمدرس كما وكيفا. غير أن هذا النسق لايمكن ان يحقق الاهداف المرجوة منه بدون استحضار للدور المحوري للأسر في تتبع تمدرس أبنائها وتشجيعهم وتعويدهم على التعلم الذاتي الذي من خلاله يقوم التلميذ باكتساب المعلومات، والمهارات، والخبرات بصورة ذاتيّة ومُستقلة بالاعتماد على نفسه وعلى التوجيهات التي يتلقاها من اساتذته.


الكاتب : اعداد: محمد تامر

  

بتاريخ : 26/11/2020

//