مسارات أدبية : انتقالات الفكر وتفاعلاته

الفكر اعتبر واضحا، بالبداهة والاستدلال، وتلك طبيعته كما ظن الكثير من المفكرين الذين خاضوا صراعات مريرة ضد الغموض وطلاسم الأسطورة، وغيرها من الأفكار التي حرست قداستها بالالتباس المقصود، فتحولت المعرفة إلى امتيازات رمزية، فهل كان الفكر كما اعتقد؟

 

الفكر والأسطورة:

لم تكن الأفكار اتجاها واحدا، بل تعدد وكان وليد اختلافات معلنة ومضمرة، لكن طبيعته المتفاعلة، شددت على انتقال الفكر من منطقة إلى أخرى، في صيغ غريبة ومثيرة في الوقت نفسه، بحيث يقع تبادل الأفكار وتجديدها أو حتى إزاحتها وإلغاء ما لا يخدم الجماعة المهاجمة أو التي تعرضت للهجوم، وحدوث مثل هذه الصراعات يثبت حاجة الجماعة لما يرسخ وجودها ويحفظه في وجه كل أشكال الإبادة التي عرفها الوجود البشري، مما فرض البحث عن قيم مشتركة، داعمة للحمة الوحدة والاستمرار. وحتى لا تتعرض الفكرة للتشكيك والمساءلة، اعتبرها السحرة أفكارا للأسلاف السابقين، الذين أوكلت لهم كأرواح حراسة القبيلة والتجمعات العشائرية، بل صاروا قبسا من العالم الآخر، عالم الأرواح المتعالية، حتى بدا السلف مقدسا، إلها أو مقربا من الإله، وممثلا روحيا للقبيلة. ولكي يحافظ السحرة على حق احتكار الحديث باسم الأسلاف والتعبير عن رغباتهم، ابتدعوا لغة رمزية، لهم وحدهم حق فك طلاسمها المقدسة، هنا صارت اللغة تحتاج لمفسر، قبل أن يفرض الشعراء من خلال ملاحمهم وخيالاتهم ابتداع البطولات والتغني لتصير طقسا قبل أن تتحول إلى أحداث معجزة، لها سلطة التصديق والرغبة في استحضارها لتقوية الجماعة ومدها بما يقوي روح الوحدة فيها . ولأنها حكاية، شعر السحرة بحاجتهم للتنازل عن طقوس التكهن، فأقاموا تحالفا غريبا مع اللغة، فصارت لهم دندنة السر، كملكوت لضمان هيمنتهم، حيث بقيت اللغة في غموضها دليل صدقهم وعجز غيرهم عن فك الرموز والصور التي بها يحفظون وجودهم ويدعمونه بفكر، بدأ يتحول بما يكتشفونه في الجماعات التي يغزونها، فيحافظون على ما هو صالح لمد سلطتهم ويتخلصون مما ينازعهم تلك السلطة، لكن الفكر بقي تمثلات ورؤى ،انتقلت من خدمة الوحدة إلى لحظة تحقيق متعة الانتماء والتفاخر بما حققه في زمن الأسلاف، بل تأججت الرغبة في التشبه بهم، بل تجاوز ما حققوه فعليا.
لكن بعض الأساطير، تشابهت بفعل فعاليتها وتجاوبها مع الرهانات الإنسانية الوجودية، فوجدت لدى كل الشعوب مع بعض الاختلافات، فقد رسخت التجمعات القديمة، أصل أسلافها، وقربتهم من آلهتها، حتى صاروا استمرارا لها، ثم وجدت أساطير الأصل البشري، كنزعة اعترفت بوحدة الجنس البشري رغم اختلاف الحضارات والألوان والجغرافيات، إذ تم العثور على أساطير، أبطالها تحدوا الموت وذهبوا بحثا عن الخلود، في تحد سافر للآلهة وكل منتدبيها العلويين، لتفرض نزولهم إلى الأرض دفاعا عن وجودها وخلودها، وهنا وجدت اللغة نفسها، في رهانات أخرى، عليها أن تستسيغ عالما آخر، غير الذي اعتادته من قبل، واحتاجت إلى ممثلين جدد، يشككون في الأحداث لينزعوا عنها قداسة الفعل مع الاحتفاظ بقداسة القول، وكان هذا أول انفصال بين عالمين، المفهوم والمبهم، الملموس، والمجرد، المثبت والمشكوك فيه، فازداد التعدد تعددا، والتنافر تنافرا وتقاربا في الوقت نفسه.
كانت هذه المواجهات بين عالمين، علويين ولكن أيضا أرضيين، وجسدتها حروب بين تجمعات بشرية وحتى حضارات عتيقة، كمعركة اليونان القديمة والفرس، بما هي مواجهة بين نمطين سياسيين و فكريين في الوقت نفسه، فعندما انتصر العقل في اليونان وديمقراطية الحكم، وجد نفسه مضطرا للدفاع عن مشروعه الجديد في وجوه حراس الأساطير وما بقي منها في خيالات الشعوب القديمة، رغم انتصار اليونان، لم تنهزم الأسطورة، واحتاجت لتتخذ لنفسها مظاهر جديدة، وهو ما جعل الفكر اليوناني، ينتبه لخطورة والأشكال التي اتخذتها في الشعر، فتحامل العقل اليوناني على الشعر، لأنه يمتح من الخيال، الذي زعم أنه مرتبط بالحسي ومحاكي له، لكن المجردات لم تحافظ على طبيعتها، بل ظهرت الأسطورة من جديد متخذة شكلا آخر، له غرابته في الوجود والتشكل وحتى الرهانات.

الفكر والديني:

بدأ الدين القديم حكميا، حتى لا ينهزم بالعقل كما هزمت الأسطورة، فاستجمع أنفاسه بالتحالف بين السماوي والأرضي، فظهر الحكيم مصرا على خلق الانسجام في الحياة المعاشة، ولم يعن ذلك تجاهل الخلاص، ولكن جعله حياتيا ومعاشا ومفهوما، بوذا، كونفوشيوس وحتى بعض الديانات الفرعونية العريقة، فأنتجت لغة غير طقوسية، بل حكمية، لكأنها صالحت مع الشعر لغة لتنبذه فكرة، لكن الشعر به بقي عالقا، تنشده وينشدها بدون اعتراف رسمي بهذا التفاعل الغريب والمثير في الوقت نفسه، لكن هذه اللحظة بقيت خالدة، لأن الشعراء لم يجرموا أو يطردوا خارج الحكمة في هذه الصيغة الدينية، ربما لأن هذه الصيغة في الفكر الديني، كانت متسامحة مع الطبيعة البشرية وغير عنيفة في البداية، لأنها استحضرت وحدة الأرواح وعدم تفاضل بعضها عن بعض كما سوف يحدث في ديانات أخرى، مع اليهودية كأول ديانة موحدة، جعلت الخلاص ابن الخطيئة الأولى، خطيئة البداية، التي فرضت استحضار الروح البشرية مع أرواح أخرى تستحق التوقير والتقدير الاعتباري. لكن التاريخ سوف يفرض العودة لقداسة الجماعة وبداية التمييز بناء على رسالة ربانية ينفذها البشري بناء على تجارب مريرة مع الديانات الموحدة، المسيحية ثم الإسلام، وقبل ذلك ينبغي التوقف عند الموقف من الأساطير ولغة المتعة الفنية كموقف اتخذته اليهودية من الشعر ،وهو الرفض باستثناء ما ورد في التوراة بكل صيغه، المشرعة والرافضة لكل ما عداها مهما كانت إعجازيته الفعلية أو اللغوية، لتبدو في نظرها كل الحكايات التي يكونون موضوعا لها فهي مرفوضة ومدانة، وكل قول ممتع لا يذكر بالخلاص فهو مرفوض، مما سوف يحصرها ويزيدها انغلاقا، وهو منحى سوف تعاكسه المسيحية في صيرورتها، إذ اعتبرت نفسها موجهة لكل الجماعات ومحترمة لكل قول شريطة ألا يكون ماسا بها وبحقائقها المطلقة، ولجأت دفاعا عن ذلك عندما اتخذ صيغة الدولة ، إلى كل أشكال العنف.ولم تستثن الكلام والكتابة سواء كانت شعرية أو خطابية، وفي الجهة الأخرى خلق الإسلام رهاناته وتقارباته مع القول الشعري، بحذر، لأن الشعر كان دليلا على حسن فهم إعجازية النص المقدس الذي هادنه في البداية ثم هاجمه حسب معتقدات الشعراء وميولاتهم، بل إن الأدب، حاول خدمة الدعوة الجديدة والتفاعل معها، فنشأت احتكاكات وتقاربات انتهت بوجود ما سمي المقامات والأدب الإسلامي، وظل الفكر في الصيغة الأدبية ملازما للكفر الإسلامي، بلاغة وحجية عقدية وإيمانية إلى مرحلة الانحطاط، فتراجع بتراجع الحضارة واستفاق بغيرها عندما ظهرت أشكال فنية أخرى أدبية عن طريق الترجمة التي نشط بها الفكر وحقق استقلاله النسبي في ظل رقابة الديني وحدوده، الملتبسة وغير المبالغة في المنع والتوقيف إلا في حالات.

الفكري في الفلسفة

الفكر مع الفلسفة، يحقق ذاته ويحققها، لكن ليس كليا، إذ منه انبثت دعوات تحرض باسم العلم على المجردات والكليات غير الملموسة، محتمية بالعلم التجريبي وما حققه من إنجازات مبهرة أو نافعة عمليا، وهي الدعوات التي اعتبرت حتى الشعر ولغة الجمال اللغوي بكل تجلياته غير مطلوبة، أو انتهت صلاحيتها الحضارية البشرية. تنكرت هذه الدعوات للفلسفة نفسها وامتد رفضها للشعر باعتباره الممثل الأسمى لجمال القول والكتابة. إنها مصادفات من الصعب تحديد منطق لها، بل من الصعوبة فهمها في سياق الفكر البشري، بعيدا عن التقسيمات الممرحلة للوجود البشري، طبيعة وفكرا وفنا، لكن مكر الوجود بكل آليات اشتغاله، جعل الفكر يتحصن بالفلسفة لتكشف عن تناقضات العلوم نفسها، بناء على منطق التطور نفسه، معرية كل ادعاء علمي، بالميل نحو الإطلاقية التي لم تعد غاية سهلة المنال، بذلك استعادت الفلسفة مبادرتها، لتلتحم بالأدبي والشعري نفسه، لأنه فرض نفسه على الفلاسفة أنفسهم، فعادوا للتفكير في ما ذهب إليه الشعراء وما ظل خفيا ومكتوما، فكشفوا عن عمقه، وخصوبته الفكرية، وأثبتوا أن اختلاف قوله، كان مجرد إخفاء للمعاني وبعثرة لها حتى تظل حية بعيدة عن المعارك المهددة لها، لأنها تخاف المحو، والتحامل عليها لتطرد خارج المدينة كما فعلوا بها يوما ما.

خلاصات ممهدة

ربما اتضح نسبيا المقصود بهذه الجولة المختصرة في انتقالات الفكر وتفاعله مع بعضه، وهو بتعدده، يطرح صعوبات أمام إمكانية الإمساك بمنطقه، لكن المحاولات مازالت قائمة من طرف الفكر نفسه، بمختلف التوجهات والأنماط، لأجل رسم مسار متفق حوله، الكل يجمع على كونه تطوريا، ويشير البعض، إلى كونه دائريا بشكل أزلي، بل يتخيل أنه يوما سوف يعود إلى البدايات المعتبرة بدائية، ويقدمون مؤشرات على ذلك من قبيل عودة النزعات العقدية والعرقية للظهور من جديد في مجتمعات اعتقدت أنها تخلصت من ماضيها الأسطوري الغابر، بل هناك من تصور هذه العودة، جيولوجيا، أي بانقراض يشمل الجنس البشري، وبداية آخر من البداية، لأن الخبرات الحالية سوف يتم تدميرها.


الكاتب : حميد المصباحي

  

بتاريخ : 25/09/2020

//