مستقبل صناعة الأفلام بالمغرب: بين التسيير والتدبير

 

ما انفك الماضي يحدثنا، لكنه لم يعد ماضيا، بسيطا، مصنوعا من حقائق، حيث أن علاقتنا به، مثل علاقة الطفل بالأم، تأتي دائما بالفعل “بعد القطيعة معها” فهذه العلاقة تبنى دائما من خلال الذاكرة، والخيال، والسرد الروائي، والأسطورة، و الهويات الثقافية هي نقاط التعرف، أو الارتباطات التي تنشأ عبر خطابات التاريخ، والثقافة.»
ستيورات هول –

إن صناعة الأفلام ليست مجرد وسيلة للتسلية، أو المتعة، أو تحقيق الربح المادي، بل القضية أعميق من ذلك، لو كان هذا الأمر هو الهدف من صناعة الأفلام، لكانت وسائل التواصل والإعلام الاخرى، التي تضع كل مشاهد الدنيا أمام أعيننا في لحظة زمن، هي من تخلد أسمائها في تاريخ السينما، إنما الأفلام هي قوة مؤثرة، تستمد ماهيتها من قوة موضوع السيناريو، الذي يترجم في عقول الناس إلى صورة سينمائية حركية فعالة، تخاطب لاوعي الأمم والشعوب..
إن السينما قوة هائلة صنعت مجد الأمم ثقافيا، و سياسيا، و اقتصاديا، و اجتماعيا، وهي لا تصنع هذه الحياة في نطاق الحاضر فحسب، بل تصنعه كذلك على أساس من الماضي والتاريخ، وفي نظرة عميقة إلى المستقبل، الذي تنشده الأمة في حياتها، وتطمح أن تبلغها في غدها، و هذا هو مظهر قوة الأفلام في حياتنا المعاصرة، إنها قوة تصنع المجد لا يمكن أن تستغني عنها أي أمة عاقلة على وجه الأرض.
في الحرب العالمية الأولى، انشغلت أوروبا بالحروب فاستغلت أمريكا هذه النقطة، لتتميز بصناعة الكثير من الأفلام في هوليوود، ونشرها في جميع أنحاء العالم، فقد أعطت هذه الحرب دفعة قوية لصناعة السينما الأمريكية، بعدما توقفت الاستوديوهات الأوروبية عن إنتاج الأفلام، و هذه المدة بالضبط، ارتفع الطلب على مشاهدة الأفلام السينمائية مما جعل الولايات المتحدة الأمريكية تعمل لوحدها بتركيز محكم في تسويق وتصدير الأفلام، و لكن من أجل ماذا و الحرب قائمة ؟
ركزت أمريكا على صناعة الأفلام إبان الحرب، من أجل ايصال صوت طبيعة الأحداث السياسية الأمريكية، فأفلام “الويستيرن” التي روجت لحملات المستوطنين البيض، في أمريكا ضد الهنود الحمر، التي تبين أن الهنود الحمر متوحشين و قتلة و تفوق المستوطنين البيض على السكان الأصليين ، ثم أفلام الدعاية للنموذج السياسي، والاقتصادي، و تيار الرأسمالية، ليس هذا فحسب بل عبرت الأفلام التي أنتجت انداك عن التوجهات التي سلكتها أمريكا للنيل من بعض القوميات، كألمانيا واليابان وإيطالية، والذي استعرضت فيه أمريكا قوتها العسكرية.
أثناء النصف الأول من القرن العشرين، عبرت السينما الإيطالية، عن الأحداث السياسية من خلال الأفلام الدعائية، التي روجت للأوضاع اللبية، التي عاشتها بسبب الأحزاب، التي تولت السلطة، والدور الذي لعبته إيطالية خلال الحرب العالمية الثانية، وفي السينما الألمانية، لعبت الأفلام دورا هاما، في إبراز ألمانية قبل الحزب النازي، ثم أفلام روجت لوصول هتلر للسلطة، والمعارك التي خادها خلا الحروب…
إذن فصناعة السينما العالمية، قد روجت لإيديولوجيات الأنظمة ،والحكومات، مبرزة الظروف الدولية التي عاشها العالم خلال الحرب العالمية الأولى، والثانية، من صراعات سياسية و أزمات اقتصادية،، فكانت معظم الأفلام التي أنتجت خلال الحرب، قد وظفها الدول و دعمتها لصالح سياستها، كانت أفلام تجارية بامتياز، لهذا قد أدرك الحكام والسياسيين أهمية السينما في فترة متقدمة سابقة عن أوانها، حيث وظفوها في عملهم السياسي ناهيك عن الدعائي سواء في ألمانيا، أو روسيا، أو ايطاليا، أو أمريكا، حققت السينما أهداف سياسية مهمة باعتبارها أهم وسيلة اتصال جماهيري فعال، ولكن ماذا عن السينما المغربية ؟
” إذا أردتم المجد و العظمة للمغرب فاهتموا بالفيلم المغربي ”
لم تظهر السينما المغربية، في بدايتها كسينما مستقلة، تعبر عن هويتها الثقافية، والاجتماعية، بل ظهرت بتوب المستعمر، أفلام (فرونكومغربية) تأثرت بالثقافة الفرنسية، وقد عبر عن هذا “رافاييل ميييه ” بقوله : الأمر لا يتعلق بسياسة تقديم معونة فرنسية لخدمة سينمات الجنوب، بقدر ما هو استغلال فرنسا لتلك السينمات لمعاونة السياسة الثقافية الفرنسية.” و هنا تبقى تلك الأفلام فرنكوفونية الأصل حتى لو كانت ناطقة بلغة أخرى، مادامت ناقلة للثقافة الفرنسية فهي تساهم في تقييم انتشار هذه الثقافة في المغرب.
ولكن السينما الفرنسية في بدايتها تاريخيا وبالضبط سنة 1914 كانت هي الأولى على الصعيد العالمي، وفي بداية الستينيات، أنتج الناقد و المخرج الفرنسي” جون لوك غودار” أفلام درامية كلاسيكية بسيطة، وغيرمكلفة، ولكن تابته الهوية، وتعبر عن نفسها، كما أن المنتجين الفرنسيين “باثي و غومون” انداك كانوا يمتلكون أكبر شركات إنتاج ، وصلت إلى حوالي 20 فرع عالمي، ولكن السينما المغربية تبنت بوعي أو بدون وعي، سياسة الاستعمار وأنتجت أفلام لا تعبر عنها بل عن غيرها…مع العلم أن تاريخ المغرب و ثقافته شبه مفقودة إلى اليوم.
إن السينما التي لا تنطلق من هويتها الثقافية، والحضارية المحلية، ثم الوطنية ثم الدولية، هي سينما تجريبية كونها تفتقر إلى النوع والتصنيف، وإلى الفصيلة التي تنتمي إليها، هي أفلام في تجلياتها، دون مرجعية تاريخية تذكر، وحتى القاعات السينمائية في الستينات، والسبعينات، والتسعينات من القرن الماضي، لم يكن الفيلم المغربي سبب إقبال الجمهور على القاعات ، بل كانت الأفلام المصرية،والأمريكية، والهندية، هي من شكلت الثقافة السينمائية للمجهور المغربي، وهذا مؤسف حقا لأن هذا الثقافة، ناتجة عن تعبير الشعوب، والجماعات، ذات الموقع الاجتماعي، والتاريخي وعن تصوراتها الذاتية، وخبرتها التاريخية، فتلقى بذلك الجمهور المغربي ثقافة لا تعبر عن ثقافته و تبنى هوية غير هويته..
إن السياسة المغربية لم تكن تهتم بالفيلم المغربي بالجملة لا ثقافيا، ولا سياسيا، ولا فنيا و العلاقة الوحيدة التي كانت تربط السياسة بالسينما هي الرقابة على الأفلام، و طرق جباية الضرائب، في حين يجب تنظيم صناعة سينمائية مغربية تؤدي إلى نهضة في الانتاج الوطني و نمو الصناعة بصفة عامة بحيث تقوم بدورها في إغناء وجدان الشعب بهويتنا و ثقافتنا من جهة و مشاركتها مع العالم الاخر من جهة أخرى، يقول “فريد بوغدير” : إن الفلسفة الحالية لمخرجي السينما هي أن الدولة يجب أن تستمر في تمويل الانتاج السينمائي و تمويل الأفلام و توزيعها، ولكنها يجب أن تفعل ذلك بضبط السوق، يجب أن تحمي الدولة السينما لا أن تقبض على جميع مقدراتها.


الكاتب : عبدالرحيم الشافعي

  

بتاريخ : 24/10/2020

//