ميدايز يختتم دورته ال17 بطنجة ويكرس موقع المغرب كمنصة دولية لإعادة تشكيل توازنات الجنوب .. قرار 2797 يفتح نقاشا داخل الاتحاد الإفريقي حول تصحيح «خطأ 1982» وإمكانية طرد البوليساريو من المنظمة

 

في ختام أربعة أيام من النقاشات المكثفة، أسدل منتدى ميدايز الدولي الستار على دورته السابعة عشرة بمدينة طنجة، بعد برنامج حافل شمل حوالي خمسين جلسة تناولت محاور جيوستراتيجية واقتصادية وإنسانية، تحت شعار يلخص توترات المرحلة: الانقسامات والاستقطابات وإعادة ابتكار المعادلة العالمية. وقد شكلت هذه الدورة مناسبة لإبراز موقع المغرب كفضاء آمن للنقاش وبلد قادر على جمع صناع القرار والخبراء ورؤساء الدول والحكومات حول طاولة واحدة، في ظل سياق دولي يتسم بتراجع اليقينيات واتساع دوائر المخاطر عبر القارات.
وفي سياق تقييم مخرجات هذا الموعد الدولي، برز تصريح وزير الشؤون الخارجية الأسبق لجمهورية الرأس الأخضر، لويس فيليبي لوبيس تافاريس، الذي اعتبر اعتماد القرار 2797 من طرف مجلس الأمن “منعطفا تاريخيا” في مسار قضية الصحراء المغربية، مؤكدا أن المغرب يعيش “لحظة حاسمة” بفضل العمل الدبلوماسي المتبصر لجلالة الملك محمد السادس. وأوضح تافاريس أن أهمية هذا القرار تكمن في كونه أول اعتراف صريح من المؤسسة الأممية بجدية ومصداقية مبادرة الحكم الذاتي التي قدمها المغرب سنة 2007 باعتبارها الإطار الواقعي الوحيد القادر على حل النزاع، وهو ما يمنح، حسب قوله، زخما جديدا للتحولات الجارية داخل القارة الإفريقية. واعتبر أن هذا التطور يضع الاتحاد الإفريقي أمام ضرورة مراجعة الموقف الذي تبنته المنظمة سنة 1982، مبرزا أن الاتساق مع الشرعية الدولية بات يقتضي تصحيح ذلك “الخطأ التاريخي”، وتعزيز الانسجام المؤسساتي داخل القارة بما يخدم الاستقرار الإقليمي ويقوي حضور إفريقيا في نظام دولي يعاد تشكيله على أسس جديدة.
وفي الجلسة الختامية، أكد إبراهيم الفاسي الفهري، رئيس معهد أماديوس، أن نجاح دورة هذه السنة يعكس قناعة راسخة بأن بلدان الجنوب باتت تملك القدرة على مخاطبة الشمال مباشرة وبثقة أكبر. وأضاف أن تموقع منتدى ميدايز كموعد دولي بارز يعود بالأساس إلى المكانة التي رسخها المغرب، بفضل رؤية تقوم على الحوار الهادئ وإنتاج المعرفة وتحليل اتجاهات العالم المتغير.
كما شكلت كلمات رؤساء الدول والمسؤولين الأفارقة خلال المنتدى مؤشرا إضافيا على موقع المغرب داخل محيطه الإفريقي والأطلسي. ففي كلمة قوية، شدد رئيس جزر القمر، غزالي عثماني، على أن العالم يدخل مرحلة تتآكل فيها الثوابت وتتسع فيها الفوارق، ما يجعل الدول الصغيرة أكثر هشاشة. واعتبر أن نقاشات طنجة أبرزت ترابط المصائر، موضحا أن الأمن الإقليمي يظل رهينا بنهج شامل يشمل جميع الدول، وأن الانتقال الرقمي والمناخي لن يتحققا إلا عبر إدماج منصف للجميع.
وجددت رئيسة كومنولث دومينيكا، سيلفاني بورتون، دعم بلدها الثابت للوحدة الترابية للمملكة، مؤكدة أن اعتماد مجلس الأمن للقرار 2797 يشكل محطة مفصلية تعزز المبادرة المغربية للحكم الذاتي باعتبارها الإطار الوحيد القابل للتطبيق لتسوية هذا النزاع. واعتبرت أن تزايد عدد الدول الداعمة لمغربية الصحراء يعكس قوة الدبلوماسية المغربية وتنامي الاقتناع الدولي بشرعية الموقف المغربي.
ولم يفت المتدخلين التوقف عند المبادرة المغربية الأطلسية، إذ أوضح وزير خارجية النيجر، بكاري ياو سنغاري، أن تمكين الدول غير الساحلية من الولوج إلى الفضاء الأطلسي عبر شراكات لوجستية واقتصادية متقدمة يجسد رؤية تقوم على التضامن وتوزيع الفرص بشكل أكثر عدلا، معتبرا أن بلاده تنظر إلى هذه المبادرة باعتبارها “طوق نجاة استراتيجيا” يفتح آفاقا للتنمية والاستقرار.
كما توقف رئيس وزراء أنتيغوا وباربودا، غاستون براون، عند ضرورة تعزيز التعاون جنوب-جنوب في مواجهة الأزمات المتعددة التي أضعفت العمل متعدد الأطراف، مشددا على أن المغرب يقدم نموذجا متفردا في تعزيز التماسك الإقليمي عبر مقاربات تقوم على الاستثمار والشراكة. وسجل رئيس الوزراء الصومالي، حمزة عبدي بري، أن القارة الإفريقية تتوفر على الموارد الكفيلة بإطلاق تنمية عادلة، مؤكدا أن ما نوقش في طنجة يجب أن يتحول إلى برامج تنفيذية لأن الحاجة اليوم هي إلى مبادرات ملموسة أكثر من الخطابات.
وعلى مستوى السياسات الاقتصادية، أكد الوزيران يونس السكوري ورياض مزور أن إفريقيا مطالبة اليوم بإعادة التفكير في نموذجها التنموي من الداخل، وبناء قدراتها الذاتية بدل انتظار وصفات جاهزة. وأشارا إلى أن التحولات الجارية في الاقتصاد العالمي توفر فرصا غير مسبوقة لدول القارة لابتكار مساراتها الخاصة ورفع قدرتها على خلق القيمة المضافة.
وبإجماع المتابعين، أكد منتدى ميدايز في دورته الحالية مكانته كمنصة جنوبية رائدة لإنتاج الأفكار وصياغة تصورات بديلة لعالم مضطرب، وأعاد تثبيت موقع المغرب كفاعل محوري في هندسة النقاشات الدولية، سواء تعلق الأمر بالأمن الإقليمي أو التعاون الأطلسي أو مستقبل الشراكات في الجنوب العالمي.


الكاتب :   طنجة :عماد عادل

  

بتاريخ : 01/12/2025