نصوص «أرخبيل الفزع» لأنيس الرافعي قراءة ملتبسة بلايقين اللحظة الكوفيدية

في عزلة الحجر، وتحت غيمة كوفيد القاتمة، تغدو الكتابة عند القاص المغربي أنيس الرافعي فعلًا تأويليًا مُضاعفًا، كما يتجلّى عبر اليوميات التي دأب على كتابتها منذ بداية الحجر، فكانت أن تحوّلت في مجموعها إلى كتاب يحمل عنوانًا موحيًا “أرخبيل الفزع” (دار سطور، بغداد 2020).
وإذا تأمّلنا جيدًا سيرورة فعل الكتابة عبر هذه اليوميات الكوفيدية، أدركنا العلاقة الوطيدة بينها وبين ممارسة التأويل؛ أي، تأويل علامات الفزع الماثلة في وجه عالم بدأت دعائمه تتداعى، وتزداد كثافة التأويل عند الرافعي، عندما تتحول الكتابة، في مستوى آخر، إلى تفكيك للغة الصورة: لوحة تشكيلية، صورة فوتوغرافية، ملصقة إشهارية، رسم كاريكاتوري… إلخ، وهي صور انخرطت بعضها في تأويل اللحظة الكوفيدية، وبعضها الآخر لامس اللحظة ضمن سياقات تاريخية مُختلفة؛ فهذه الصور هي الأخرى انخرطت في اللعبة التأويلية، لأنّها جسّدت كل وأسلوبها وأفقها الفني والرؤيوي، الصورة المتعددة لهذا الموت المتربّص بنا.
ما كتبه الرافعي في “أرخبيل الفزع” ليس محاولة متسرعة لفك شفرات الفزع العالمي، ولو أنّ الخوفَ كان دائمًا أحد مُحرّكات العملية الإبداعية، بل هو تدريب عسير على السير فوق حبل التأويل المضاعف: طرفه الأول موثوق إلى عالم مريض، وطرفه الثاني موثوق إلى الفن، في تجلياته التعبيرية المُختلفة.
إنّ الكتابة عن الفن هو إخراج العمل الفني من حالة الصمت، لأنه لا بد أن تخفي هذه الصور الفنية كلامًا ما. سيعير الرافعي صوتَه، لتتكلم هذه اللوحات الفنية. فنحن إزاء لغتين؛ لغة الكتابة ولغة الصورة؛ هذه الأخيرة تشيد معمارًا هائلًا من المعنى، ولولا الكتابة سيظل ذلك المعمار صامتًا مثل وثن قديم.
نصوص الرافعي صغيرة في حجمها، ولا بد أن نشير إلى أنه كتبها بشكل يومي، ونشرها على صفحته الشخصية في الفيسبوك، كتجربة مختلفة عن سابقاتها، وأتصوّر بأنّ الفيسبوك قد منحَ لتلك النصوص راهنيتها، فكانت تُنشر في نفس يوم كتابتها، في شكل يوميات مُريبة عن تجربة الحجر والعزل.
هل كان الرافعي يتدرب على ضرب من مقاومة الفزع؟ هل تحول العالم فجأة، بسبب سياسة العزل، إلى أرخبيلات معزولة عن بعضها البعض؟
يقول الرافعي في مدخل من مداخل نصوصه: “اكتشفتُ أنه يُمكن بيسر تفتيت وتفكيك وثوقية وصموتات العزل والعزلة بالعيش داخل لوحة. اللجوء إلى تخومها، ثم التجول بمرح غامر بين مساربها وأعطافها مثل نزهة قصيرة” (ص 54).
اقتباس كهذا، يصلح كمدخل يكشف عن استراتيجية القراءة عند صاحب “مصحة الدمى”، حيث تغدو القراءة مواجهة جسورة للعزل وللعزلة التي فرضها الكوفيد اللعين، كما لا تخلو هذه القراءة من سمة ما سماه الرافعي بتعبير رشيق “مرح التجوّل” بين عوالم الفن التشكيلي، ليتحول التأويل إلى ضرب من مرح تفكيك العلامات الصامتة للوحة، أو بالأحرى يغدو المرح لعبا داخل المساحات اللانهائية لهذه الأخيرة. ويبقى السؤال الثابت في سياق تأويلي كهذا: هل هناك منهجية لقراءة لوحة فنية؟
يبدو أن الرافعي يفكك العالم بالفن، بعين غير كسولة، لا تكتفي بالفرجة، بل تدخل في حوار صاخب مع التشكيلات الفنية، مع لغة العلامات الصامتة لخط ما أو للون ما أو لضوء أو لظل ما، أو لحركة فرشاة… إلخ ينظر الرافعي إلى العالم من داخل تلك التشكيلات الصورية الفنية ليفكر داخل نطاقها.
إنّ قراءة لوحة تشكيلية هي تدرب على النظر إلى العالم لأجل رؤيته على نحو مُختلف؛ فنحن هنا إزاء نظرة الفنان التشكيلي للعالم، وفي نفس الوقت إزاء نظرة القاص إلى اللوحة.
إنّ التأويل، أقصد تأويل اللوحة التي موضوعها تمثيلات لانهائية لعالم الكوفيد، هو اقتحام لصمتها، وإحراج لعزلة كائناتها، أو بتعبير أم الزين بنشيخة المسكيني “إنّ عين المؤول التي تهمنا هي عين ساحرة تقتحم فضاء اللوحة وتداهمها بأسئلة مُغايرة من أجل دفعها إلى نصوص مجهولة لم يكن الرسام نفسه ليقصدها أو ليتنبأ بها” (تحرير المحسوس: ص141 -142) إذ هناك نص خفي يتوارى خلف غابة الأشكال والرموز والألوان داخل أي لوحة، وليس أي شخص قادرا على الإمساك بتلابيب ذلك النص الصامت والثاوي داخل غابة الرموز والأشكال.
يقول الرافعي إنّ الكتابة عن هذه الصور لا تروم “استنباط محتوى الحقيقة في العمل التشكيلي، بقدر ما تطمح إلى استخلاص واستقطار ظلال التخييل منه” (ص 25).
هنا أتساءل: هل تحتفظ اللوحة بهويتها بمجرد أن تتحول إلى نص يصوغه كاتب بارع وضليع بفن السرد؟ لا أتصور أن عين الرافعي التي كان يرى بها هذه اللوحات هي عين فيلسوف، بل بالأحرى هي عين ساردة، تلتقط القصص في تلك اللوحات، قصص الكوفيد تحديدًا، وبين الفلسفة والسرد فرق بين من يصنع المفاهيم وبين من ينسج القصص. فوراء كل لوحة قصة ما، قصة اللوحة نفسها، والقصة النائمة بين ظلالها الملونة.
لا تغدو اللوحة التشكيلية إذن إلا إطارًا لأجل العبور نحو فكرة الموت الذي يتربص بالعالم. لا يؤول الرافعي اللوحة إلا لأجل منح المعنى لكل هذا الفزع الذي ينعق مثل سرب من الغربان.
ثمة انزلاق لعملية القراءة من الداخل (عالم التشكيل/ عالم الرمز) إلى الخارج (عالم الفزع/ عالم الحجر/ عالم الكوفيد) فيستعير أدوات الفن التشكيلي لأجل إعادة تشكيل العالم كفكرة مهددة، أو كعالم يوشك على النهاية.

ناقد وأكاديمي جزائري


الكاتب : لونيس بن علي

  

بتاريخ : 18/09/2020

أخبار مرتبطة

أصدر الأديب عبد اللطيف سندباد كتابا جديدا بعنوان « التجربة والرؤيا عبد الكريم الطبال نموذجا « عن مؤسسة آفاق للدراسات

صدر عن دار أمل الجديدة في دمشق – سوريا (بالإشتراك مع مؤسسة المثقف العربي/ أستراليا)، كتاب جديد لماجد الغرباوي بعنوان:

لم يكن البحر غافلا عما اقترفه الغرق ولا النار نائمة حين الرصيف احترق. هي إشاعات ينشرها الهواء في أزقة المدينة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

//