نوستالجيا سينمائية : معشوقة اسمها السينما

بدايات عشق لايزال مستمرا

ليس من الهين في شيء العودة بالذاكرة عن طريقة الفلاش باك لاستحضار ما بقي راسخا فيها منذ الصبا من صور ونتافات بعض الأشرطة السينمائية، ما لم تترك هذه الأشرطة بصمة شديدة في الوجدان، لأن ذلك تصريف حقيقي لما يعكس خلد بعضا منه في ثنايا اللاوعي لسحر تأثيرها عليه وعلى السلوك.
إن استحضار تطور العلاقة بالسينما هو انعكاسا لاستحضار مراحل النمو الجسدي والتطور النفسي للفرد، ومدى التفاعل بين كل مرحلة من مراحل نموه وقدرة السينما على أجوبة الراهن فيها بما يلبي حاجاته السيكولوجية، ورغباتها الدفينة.

مرحلة التشرد

قفزت أخيرا عن المرحلة الابتدائية، مما سمح لي باقتطاع جزء من زمن للحرية بعيدا عن رقابة وصرامة التربية التي كان ترى في الصورة جزءا من عمل الشيطان حتى التلفزيونية منها، وكانت تصنف السينما وطقوسها كمنزلق نحو الصعلكة والخروج عن استقامة الطريق، لأغامر رغم العواقب المحتملة لاكتشاف هذا العالم المظلم، لم يكن الدخول هينا كما كنت أعتقد نظرا لازدحام قل نظيره على الشباك وأمام باب القاعة، كان علي ونزولا عند الرغية المتأججة بداخلي اللجوء للسوق السوداء لاقتناء بطاقة الدخول والتي لم تشفع لي من تجنب دقات هراوة عمال القاعة أمام الباب لفرض النظام، كانت لحظة اللقاء الأولى مع أول شريط سينمائي في حياتي بالغة التأثير، خصوصا وأن العرض كان يتعلق بالشريط الهندي (الصداقة)، كان هذا الشريط بمثابة وخزة إبرة هيروين بصرية ستحولنني مدمنا للشاشة، ضدا على كل العقوبات اللاحقة من الضرب حتى الحرمان من مصروف الجيب، فلا أحدا أصبح قادرا على فك هذا الحب العذري مع معشوقة إسمها السينما، لأصبح متشردا سينمائيا– بالمعنى الرمزي– ما بين التسكع أما ملصقات الأفلام المعلقة على بعض حيطان المدينة، وبين تسول ثمن التذكرة من إحدى الشقيقات الأكبر مني الكاتمات للسر، ولما لا بيع حتى بعض المقررات من أجل ارتياد أحدى القاعات الشعبية بالمدينة العتيقة، فلا شئ يضاهي متعة مشاهدة أبطال الويسترن من مثل (جون واين)، (كلينت اسيتود) و(ليفان كليف) و…… ولاشيء يعزي ضعف الجسد أكثر من أفلام (هركيل)، (لي تيتان)….. ولا عزاء في التضحية بمتعة استاذ الأدب وهو يحلل ويفسر قصائد الحب سوى في الأفلام الهندية وبعض الأفلام المصرية الغنائية منها على الخصوص، لقد زرعت في نفسيتي هذه الأفلام الرومانسية وانا في سن المراهقة والبحث عن الذات من خلال البحث عن الحب، القناعة بأن الطريق لقلب معشوقة ما لا يمر أل عبر الغناء كما في أشرطة (لحن الوفاء)، (رصاصة في القلب)، (الخطايا) أو (يحيا الحب)….. كما كنت واثقا بأن الحب الحقيقي مقرونا بالعذاب خصوصا دون قبلات كما في الأفلام الهندية، حتى ذلك اليوم المشهود الذي سيخبرني صديقي عن ملصق ليس ككل الملصقات بأفخاذ عارية و عنوان مثير (ماذا تفعل النساء بعد غياب أزواجهن)، كان علي ان أضحي ببعض الأعداد من مجلة العربي، وبعض الكتب العزيزة إلى قلبي من مؤلفات سلامة موسى لتأمين التذكرة، لاحظت أن الجلوس في المقاعد الخلفية يتطلب أتاوة خاصة، و أن أغلب دافعي هذه الأتاوة يلبسون جلاليب رغم الجو القائض، فهمت بعد توالي اللقطات الأيرويتيكية الدافع والسبب، لكن الأهم هو تفضيلي للحب بهذه الطريقة عن الحب في الأفلام الهندية والمصرية، وكان الفيلم بحق مدخلا لاكتشاف الرغبة والجسد.

مرحلة الوعي بالسينما كثقافة

لم يكن تشردي السينمائي ليؤثر سلبا على نتائجي الدراسية، إن لم يكن ساعد مخيلتي في تحسن المستوى في بعض المواد كمادة الإنشاء، وهو ما حول رفض الوالد (رحمه لله) لعلاقتي بالسينما إلى رفض مشروط بطبيعة القاعة وموقعها، ليصاحبني بنفسه لقاعة سينمائية خارج أسوار المدينة القديمة بحي عصري حديث، وهبني ما يفوق ثمن التذكرة بكثير، أحسست بنشوة انتصار الحداثة على التقليد، وهو حدس تمظهر لي ميدانيا حيث لا وجود للسوق السوداء، ونظام بديع أمام الشباك وداخل القاعة التي ترافقك فيها سيدة بوزرنها البيضاء (مولات البيل)، حتى مقعدك المرقم لتتمنى لك فرجة ممتعة، وما إن يعم الظلام حتى يسود صمت مميت، لا دخان سجائر ولا رائحة المأكولات تعلو الفضاء ولا تعليقات هامشية تكسر التركيز حتى كدت أغفو من النوم، هي نخبة من المشاهدين مختلفة تماما عن المألوف، بألبستها وعطرها بل وطريقة حواراتها الثنائية التي تغلب عليها لغة مووليير، ما إن عم الظلام حتى ظهر العنوان (حالة حصار) للمخرج اليوناني الأصل (كوستا غافراس)، وهو ثاني شريط من ثلاثية المخرج السياسية بعد شريط (زد)، لا بطولة مطلقة تشاركها نفسيا انتصاراتها، ولا وجوه نسائية توقظ استيهاماتك الليلية من قبيل (مريم فخر الدين وشويكار و….) أو بعض نجمات بوليوود الفاتنات على شاكلة هبما مليني– ممتاز …عوضت الحوارات المسجوعة برتابة يصعب إدراك فحواها ومعناها، ومشاهد داخلية مغلقة تعم أغلبها إنارة قاتمة تلك الأغاني والفضاءات المفتوحة التي ألفتها، أحسست باختناق بصري مريع، ووجع دماغي من فرط صدمتي بهذا الأسلوب السينمائي الجديد عكس قاطبة المشاهدين التي يبدو أنهم انصهروا مع النص الفيلمي وذابوا فيه بل و تفاعلوا معه تارة بهمسات خفيفة، وتارة أخرى بضحكة جماعية لا أعرف مصدرها لا في السمع ولا في المشاهدة، حتى شعلت أضواء القاعة من جديد معلنة فترة الاستراحة، فكرت في بيع تذكرة الاستراحة – لانطراكط – كما اعتدت، لكن من يقبل على مشاهدة نصف فيلم مادامت القاعة لا تعرض إلا فيلما واحدا، فهمت سبب الفائض المالي بجيبي، الناس زرف وجماعات يرتشف بعضها مشروبات غازية، وبعضها الآخر يتناول المعلبات وهم في حوارات حول الفيلم، وهي المرة الأولى التي يتسرب فيها إلى مسمعي بعض المفاهيم كالسيناريو، اللقطات ، الفيلم السياسي……
إنتهى الفيلم دون أن تنتهي الرجة والفضول التي خلفهما في نفسيتي، ومجمل التساؤلات التي رافقتني لأيام كثيرة، ليأتيني التفسير من طرف أحد زملائي بالقسم المنخرطين في حركة الأندية السينمائية موضحا أن افلام القاعات التجارية تخديرية، تحيد اللب عن الواقع، مقترحا علي بطاقة العضوية بـ 20 درهما فقط طيلة السنة، حركتني الانتهازية المادية كدافع أساسي للانخراط ، لتنتفي بعد أول صدمة لأول عرض بالتادي السينمائي، نفس أجواء عرض شريط (الحصار)، في الباب مثقفون من مختلف الأطياف والتخصصات، طلبة، سياسيون ونقابيون…. وأيادي ناعمة توزع أوراقا (البطائق التقنية) تدخلك في عوالم الفيلم قبل مشاهدته، إنظباط في الدخول دون الحاجة لصاحبة الوزرة البيضاء، وصمت مطبق حتى ما بعد الجينيريك الذي تتلوه التصفيقات ودون أن يبرح أحد مكانه، لينهض من بين الجموع شاب تميل سحنته إلى السمرة متحدثا عن بعض محطات الشريط ولتتوالى بعده التدخلات المختلفة ما بين نقاش التقنية أو المضمون أو ارتباطهما معا، مما ساعدني على الفهم بل و أقنعني أن السينما هي خطاب نوعي لا يميل فقط إلى الترفيه، بل إلى التغيير أيضا، هذا ما فهمت على الأقل لحظتها، وبرر لي مدخل البطاقة التقنية بمقولة «لينين» (السينما أهم الفنون عندنا)، كانت لحظة هذا العرض السوفيااتي فارقة في مسار عشقي للسينما، دعمتها فيما بعد تجارب فيلمية من الصين، البرازيلـ ـ إيطاليا بواقعية بعض أشرطتها، وفرنسا بموجتها الجديدة وتجارب أخرى، وكانت كل تجربة واكتشاف سينمائي جديد بمثابة لبنة في بناء صرح عشق السينما والذي لازال مستمرا.


الكاتب : عبد الجليل البويري

  

بتاريخ : 23/10/2021

//