هل يساهم خروج بريطانيا في تعزيز التكامل الأوروبي؟

تغادر بريطانيا القوة الاقتصادية والعسكرية الاتحاد الأوروبي لكن خروج هذا الشريك المشكك والصعب، قد يستحيل ورقة رابحة على صعيد تحقيق تكامل أوروبي أكبر على ما يرى خبراء.
وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لايين عند الإعلان عن اتفاق التبادل الحر مع لندن الذي من شأنه تخفيف تبعات هذا الانفصال “يمكننا أن نترك البريكست وراءنا وأن نتطلع إلى المستقبل”.
اعتبارا من الأول من يناير ستكون العلاقات أكثر تعقيدا مع عمليات تدقيق جمركية والمزيد من المعاملات في المبادلات واضطرابات تطال سلاسل الانتاج في قطاعات متشابكة مثل صناعة السيارات أو الكيمياء.
ويرى المؤرخ روبرت فرانك الذي له كتاب عن العلاقات بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي “ستكون هناك تبعات إلا انها أقل من تلك التي كانت لتسجل لو لم يتم التوصل إلى اتفاق. على الصعيد السياسي من الواضح ان التقدم سيكون أقل صعوبة والبريكست هو نقطة إيجابية على صعيد تعزيز التكامل (الاوروبي). ثمة تحفظات هنا وهناك لكنها لن تكون مدعومة ببلد قوي مثل المملكة المتحدة”.
فالتوصل إلى اتفاق غير مسبوق حول خطة واسعة لتحفيز الاقتصاد المتضرر بكوفيد-19 ستسفر عن استدانة مشتركة وتستفيد منها أكثر الدول تضررا، كان ليكون معضلة كبيرة لو كانت لندن لا تزال عضوا في الاتحاد الأوروبي.
ويؤكد روبرت فرانك “ما كانت الخطة لتطرح مع وجود البريطانيين فهم كانوا ليرفضوها فورا”.
وكانت لندن تنظر إلى الاتحاد الأوروبي على أنه سوق كبيرة وبقي البريطانيون أوروبيين من طراز آخر بعدم انضمامهم ألى سياسات تكامل عدة منها معاهدة شنغن لحرية التنقل أو العملة الواحدة.
وهي كانت تسعى إلى بناء أوروبا ليبيرالية.
لكن مع الأزمة الصحية الراهنة وتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية عادت الدول للتدخل بقوة. ويشير المؤرخ “إلى أن النزعة الليبرالية البريطانية لا تنفع كثيرا في الأوقات الراهنة”.
وللمفارقة وبعد نصف قرن من زواج مضطرب بين الدول الأوروبية وبريطانيا الوحيدة التي تملك السلاح النووي إلى جانب فرنسا، قد بساهم البريكست في دفع سياسة الدفاع المشترك إلى الأمام ضمن الاتحاد الأوروبي.
ويقول بيار فيمون الباحث المشارك في مؤسسة “كارنيغي” في أوروبا “لم تكن بريطانيا تؤيد يوما بروز سياسة أمنية أوروبية مستقلة. لطالما دافعت عن دور حلف شمال الأطلسي الرئيسي”.
ويضيف “لكن بعد الاستفتاء على البريكست بدأ الدفاع المشترك يبرز فعلا في أوروبا”.
على صعيد السياسة الخارجية، يأسف خبراء لخسارة المؤهلات والخبرات التي تتميز بها الدبلوماسية البريطانية لكنهم يتوقعون ألا تبتعد لندن كثيرا عن المواقف الأوروبية حول المسائل الرئيسية مثل الملف النووي الإيراني وروسيا والشرق الأوسط.
وفي مثال على ذلك شكلت باريس وبرلين ولندن جبهة واحدة لمعارضة إعادة فرض عقوبات على طهران من قبل الأمم المتحدة كما طالبت واشنطن في سبتمبر الماضي.
ويقول بيار فيمون مندوب فرنسا السابق لدى الاتحاد الأوروبي “ستستمر لندن بإقامة علاقة مميزة مع فرنسا وألمانيا ولا يريد الثنائي الالماني-الفرنسي قطع هذه العلاقة. وتأمل لندن أن تدخل إلى اجتماعات الدبلوماسيين الأوروبيين من النافذة”.
ويوضح “سيقترب البريطانيون من الاتحاد الأوروبي لإقامة إما علاقات ثنائية أو روابط مع مجموعات من الدول” مثل فيشغراد (المجر وبولندا وتشيكيا وسلوفاكيا).
ويشكل وصول الرئيس الأميركي الجديد جو بايدن إلى البيت الأبيض عاملا إيجابيا أيضا. ويرى إريك موريس من مؤسسة شومان “سيكون أقل ميلا من ترامب لإحداث انقسامات في صفوف الأوروبيين”.
لكن بعد انتهاء الأزمة الصحية هل ستكون دول أخرى ميالة لكي تحذو حذو بريطانيا؟
يتوقع النائب الأوروبي السابق أندرو داف (ليبرالي ديموقراطي) “توترات مع دول أوروبا الشرقية خصوصا إذا أبلت المملكة المتحدة بلاء حسنا” بعد خروجها من الاتحاد.
لكن حتى الساعة امتنعت وارسو وبودابست اللتان تستفيدان كثيرا من الأموال الأوروبية، عن التهديد بالانسحاب خصوصا وأن الراي العام فيهما مؤيد للاتحاد الأوروبي.
ويفتح الانفصال فصلا جديدا في علاقة بريطانيا المضطربة مع القارة الأوروبية لكنه لن يكون الأخير على الأرجح.
ويختم روبرت فرانك قائلا “يشعر البريطانيون بضيق داخل أوروبا لكنه يخشون أن يتم تهميشهم في حال غيابهم عنها. وهم يقومون بعملية كر وفر متواصلة. ولا تستبعد عودتهم إلى الاتحاد الأوروبي بعد عشر سنوات أو عشرين أو ثلاثين. لكن المشكلة الأكبر عندها هي أن أوروبا قد تشعر بأنها في وضع أفضل بكثير من دونهم”.


بتاريخ : 05/01/2021

//