يوميات من جحيم طوكيو : الأمن الياباني يصر على اعتقالي وخيبة الأمل تواصل مرافقتي

لم أكن أعتقد وأنا أطأ بلاد الساموراي، أن المطاف سينتهي بي محتجزا في حجرة صغيرة، لا تتعدى مساحتها 16 متر مربع، أنتظر مصيرا مجهولا، بعدما تأكد أنني خالطت الزميل يوسف بصور، صحافي جريدة الأحداث المغربية، حيث كنا نقيم في نفس الغرفة ونقتسم الأكل والشرب، وحتى التنقل، حيث كنا إلى جنب طيلة أيامنا الأولى بالعاصمة طوكيو، في أول مهمة رسمية لي خارج المغرب.
مرت على هذا الحال عدة أيام، أبحث فيها من معلومة ولو بسيطة، تشفي غليلي، وتريح أعصابي، التي توثرت إلى حد لم أعد فيه أطيق سماع كلمة «اصبر»، لأنني أصبحت أشفق على نفسي، رغم محاولات الزملاء الصحافيين، الذين ما فتئت اتصالاتهم تخفف عزلتي، وترفع معنوياتي.

نوال على الخط

في حدود الثانية بعد الزوال، نزلت إلى صاحبتنا بقسم الاستقبالات. سألتها إن كانت الغرفة التي سأنتقل إليها جاهزة. نظرت إلي وسلمتني مفتاحا. كم كانت فرحتي كبيرة عندما رأيت رقم الغرفة 903. يا إلهي إنها نفس الغرفة التي كان يقيم بها زميلي محمد صامت وأمين العمري! سأقضي ما تبقى لي من أيام في البر الياباني داخل غرفة أشتم فيها رائحة أحبائي. وأي أحباء، إنهم من طينة خيرة، محبة للخير، ومفعمة بالإنسانية.
عدت إلى غرفتي، وبدأت أنقل أغراضي. أخذت وقتي الكافي، لأن الغرفة الجديدة كانت تبتعد بحوالي أربعة أمتار فقط. وأنا في خضم عملية نقل الأغراض والعرق يتصبب مني، بسبب الحرارة الفرطة التي تجتاح اليابان خلال هذه الأيام. فجأة رهن هاتفي، كان الرقم غير معروف عندي، لأنني قبل السفر غيرت هاتفي، ففقدت بطبيعة الحال العديد من الأرقم، التي بقيت مسجلة في ذاكرة الهاتف القديم.
كان الصوت نسويا. سألتني المتصلة عن حالي، “كيف بقيتي” أجبتها في تلعثم، بخير، لأنني ضغطت على زر الإجابة وأنا أحمل المتاع. قالت لي “معك نوال المتوكل، لقد أخبرني الروحلي بأنك مازلت عالقا هنا باليابان وأنك مصاب بكرونا”.
قلت لها الحمد لله، لست مصابا بكورونا، ولكني خالطت مصابا بالمرض، ليقدر لي أن أعيش هذا الفصل من المعاناة، والذي لم يكن يخطر على بالي، حتى في الأحلام.
رحت أشرح لها كيف اضطررت إلى الخضوع للحجر، رغم أن تحاليلي الثلاثة كانت كلها سلبية، وكانت ترافق سردي لما وقع بكلمة واحدة، ظلت تكررها عدة مرات ” أواااه”.
أحست نوال المتوكل أني منشغل، فقالت لي “نخلليك دابا، نعيط ليك من بعد.” وتمنت لي الخير وأن أقضي هذه الأيام على في أفضل حال.
أنهيت عملية نقل الأغراض، وتوجهت إلى عاملة الاستقبال بالمفتاح القديم، لأعود بعدها إلى الغرفة، التي تتوفر على نافذة يمكن أن تفتح. فتحتها على الفور واستنشقت نفسا عميقا، وكان الأول لي منذ صباح الأحد الماضي.
بعدها مباشرة، نزلت إلى الطابق الثاني، وبحثت عن المسخن، الذي كان بغرفة وجدتها بمساعدة عاملة الاستقبال، سخنت بعض الأكل المجمد، الذي جلبه لي السيد عصام، موظف السفارة المغربية، تناولت غذائي واستلقيت على السرير، لأن المجهود الذي قمت به، وبسبب قلة الحركة خلال هذه الأيام أصابني ببعض التعب.
بعد حوالي ساعة ونصف سيرن هاتفي من جديد، وكان المتصل نجيب عارف، الموظف بوزارة الشباب والرياضة. أبدى هو الآخر تضامنا معي، وقال لي إن مدير الرياضات بالوزارة، السيد محمد حميمز، اتصل بي وأوصاني بك خيرا. ثم أضاف متسائلا هل أنت في حاجة إلى شيء، ” قول متحشمش”، أجبته بأني لا أحتاج أي شيء حاليا، وإن كنت في حاجة كبيرة وملحة لهواء بلدي، ولحضن أولادي ودفئهم. في حاجة إلى الخروج من هذه الإقامة الجبرية، … لكن ما باليد حيلة.
تشعب حديثنا وأخبرته بأنني ضحيت بثلاثة أمتار تقريبا من أجل نافذة تفتح، لأن الغرفة الجديدة أصغر قليلا من سابقتها. ضحكنا وأنهينا الاتصال على أمل معاودته.

الأمن الياباني يصر على اعتقالي

بعد فترة، وبمجرد إنهاء بطلة الكراطي، ابتسام صاديني، مبارياتها، وبالمناسبة كان أداؤها عاديا جدا، اتصلت بالسيد إسماعيل البوزكراوي علوي، الذي رافقها في مبارياتها، باعتباره معالجا طبيعيا، أخبرته بأن نتيجة التحليل الثالثة كانت سلبية، أبدى سعادة كبيرة بالنتيجة، لكنه كان يخفي عني شيئا ما، سألته عن الخطوة التالية، خاصة وأن رئيس الوفد كان قد أرسل إلي بعض إشارات التفاؤل، لكنه قال لي إن الوضع الحالي ليس في صالحي، لكنهم سيبذلون محاولات كبيرة، وعلى أعلى مستوى، كي أرافق الوفد الرسمي في رحلة العودة إلى المغرب. قبل أن يطلب مني الكف عن التفاؤل كي أصدم، فلربما تكون الأخبار عكس أماني وتطلعاتي. وانقطع الاتصال على هذا النحو المبهم.
بعدها سيكون الاتصال من عضو نافذ في البعثة المغربية، والذي سيخبرني بأنهم فعلوا كل ما وسعهم، لكن السلطات اليابانية، وعلى رأسها الأمن، رفضت كل المطالب، وأنها تصر على ضرورة إنهاء الحجر الصحي، لأن البروتوكول الصحي المعمول به يعتبر أن فترة حضانة الفيروس تبدأ من يوم واحد، ويمكن أن تستمر إلى اليوم الرابع عشر، وهذا ما يفرض علي البقاء معزولا، بخلاف زميلي المصاب، الذي تقررت عودته إلى المغرب مساء الاثنين، بعدما جاء فحصه الثاني سلبيا.
أحسست بخيلة أمل كبيرة داخلي، وشعرت بظلم لا يطاق، لأنه لا يعقل أن أعيش كل هذه المعاناة، فقط لأنني خالطت مصابا، هذا الأخير وضعه أحسن مني، فهو في فندق جيد، يوفر له حتى المتابعة النفسية، وسيعود بعدما جاءت تحاليله سلبية، في الوقت الذي فرض علي أنا هذا الاحتجاز وانتظار انصرام مدة الحجر. في هذه اللحظة بدأت أشعر أن الأيام تمر ببطء شديد، وأن الأسبوع المتبقي لي في هذا ” الأسر” سيمر بطول السنين.
لأول مرة سيكون اتصالي بزوجتي وأولادي باردا، لأن في داخلي كنت على وقع صدمة. لقد خسرت ذلك الخيط الرفيع من الأمل، رغم أنني كنت أعتقد أن حظوظ إطلاق السراح لم تكن تتعدى الواحد بالمائة، لكنني لم أكن أريد فقدان الأمل، وعشت على تفاؤل، ساعدني على التغلب على الأيام الأولى من الحجر بكثير من الإرادة والتجلد.

خوف من إعادة العداد إلى نقطة الصفر

بعدما جاءت تحليلتي الثانية سلبية صباح الثلاثاء الماضي، سألت الزميل أحمد نعيم، إن كان بإمكاني الخروج إلى الفضاءات التجارية المتاخمة للفندق لأشتري حاجياتي، أجابني برفض قاطع وجازم، طبعا بناء على نصائح اللجنة الطبية باللجنة الوطنية الأولمبية، وقال إنه غير مسموح لي. وإن فعلت ذلك يمكن أن يعود عداد الأربعة عشر يوما إلى نقطة البداية.
كان أمام باب الفندق رجل أبيض الشعر، أقرب شكلا إلى الزميل مصطفى أبو عباد الله، الصحافي الرياضي المتألق، الذي أشرف على قيادة القسم الرياضي بيومية “لو متان” الناطقة بالفرنسية قبل أن يحال على التقاعد. هذا الرجل الياباني، كان أول من وقعت عليه عيوننا عندما دلفنا فندق “بيست ويسترن طوكيو نيشيكاساي”، أول مرة، كان يراقب أدق التفاصيل بالبهو، يتابع الخارجين والداخلين، دون أن يكلم أحدا، أو يتزحزح عن مكتبه الخشبي الصغير. يضع أمامه بعض الأوراق ووسائل التعقيم. لم نشهد أنه غادر مكانه إلا في فترات محدودة جدا، ومنها يوم الأحد، الذي صادف فحصي الأول، وبينما كنت أجلس في البهو أنتظر نقلي إلى غرفة جديدة، تقدم نحوي وسألني عن بعض الأكواب البلاستيكية، التي تركت عند المدخل، حيث كان يشرب رفاقي القهوة في الساعات الأولى من يوم الصدمة، لقد ارتبكوا هم أيضا، لأن خطر الإصابة بكورونا لم يكن حاضر في أذهاننا، بالنظر إلى درجة الاحتياط التي كنا عليها، وكذا توفر أدوات التعقيم بشكل كبير. لقد تركوا هذه الأكواب بمكان جلوسهم المفضل، فانتبه إليها رجل الأمن الخاص وسألني إن كانت لي، فأجبته بالنفي، قبل أن أنهض من مكاني وأضعها في كيس النفايات الذي كان بمدخل الباب.
يتناوب هذا الحارس الأمني مع سيدتين على مدار الأربعة والعشرين ساعة. بدأت تتكون بيننا بعض الألفة، ولو عن بعد، لأن علاقتنا لا تتعدى حدود التحية وردها، والتي يكون من طقوسها انحناءة الرأس المتأصلة في العادات اليابانية.
هؤلاء الحراس الأمنيون لا يتعدى دورهم حدود المراقبة، وتدوين المعلومات، عكسنا نحن بالمغرب. لقد أصبح رجل الأمن الخاص يقوم بكل شيء، دون أن يقوم بدوره، حيث بات ينوب عن الطبيب والشرطي، والقاضي والمحافظ وغيرهم من الموظفين والمسؤولين، حتى أصبح هو الكل في الكل، تجد عنده المعلومة، وطريقة الحصول الوثائق وأحيانا يتكلف هو بالمهام، يكفي فقط أن تملأ جيبه ببعض النقود.
أتذكر هنا أنني عندما أصبت بوباء كورونا في المغرب خلال شهر نونبر من سنة 2020، قصدت المستشفى العمومي، وكان آنذاك قد تعرض لنكسة، بعدما أصيب المدير ونائبه وعدد من العاملين به بالفيروس التاجي. استقبلني رجل أمن خاص وتابع معي الإجراءات، قبل أن يسلمني كيسا به بعض الأدوية اللازمة للعلاج.
وفي المستشفى الذي كانت ترقد به زوجتي حكت لي أن رجل أمن خاص، يحصل على 50 درهما في اليوم الواحد، كان يقوم بتنظيف غرف المرضى، ويقدم إليهم المأكولات، ويجلب إليهم الحاجيات التي كان يحملها إليهم أفراد عائلاتهم ويتركونها بالباب، ويربط الاتصال مع ذويهم في حالة حدوث طارئ، وينقل جثت الأموات بشكل يومي، معرضا حياته للخطر، لأنه كان مرافقا يوميا بفيروس كورونا.

خيبة أمل أخرى

بعد يوم عشت فيه إحباطا كبيرا، ومر علي بشكل بطيء جدا، ربطت في المساء اتصالا بإسماعيل علوي البوزكراوي، لم يكن عندي أي سبب كي أتصل به، لكني أردت أن أتكلم معه، علي أجد في حديثه بصيص أمل جديد، لكنه عاد ليكرر نفس الأمر، حيث قال إنه لا يتوقف عن الرسائل الإلكترونية إلى المسؤولين، وأنه لم يترك حجة إلا وقدمها لهم، لكنهم ظلوا متشبثين بموقفهم الرافض. وبعدها نصحني بأن أجرب مع إدارة الفندق، رغم أنه على يقين مسبق بأن المحاولة لن تؤتي بأي جديد.
أغلقت الهاتف، وتوجهت رأسا إلى مصلحة الاستقبالات، وكانت في المداومة فتاة في الثلاثينات من العمر. قلت لها أريد مسؤولا أتحدث معه، فقالت إن بإمكاني الحديث إليها، أخرجت هاتفي ووضعت خيار الترجمة من العربية إلى اليابانية وبدأت أتواصل معها، وهي أيضا اعتمدت نفس الطريقة.
كتبت لها بأنني كنت مخالطا لزميل لي أصيب بكورونا، وأجريت ثلاثة فحوصات طبية، كانت كلها سلبية، وأنا جاهز كي أخضع لأي فحص أو اختبار تفضلونه، حتى أتمكن من العودة إلى بلدي. كان ردها جافا وباردا، رغم أنها أثناء عملية القراءة أبدت بعض التعاطف. قالت لي إنه لا يمكنها فعل أي شيء، وما علي سوى اتباع التعليمات. حاولت إقناعها بشتى الطرق، لكن اليابانيين حينما يتعلق الأمر بالقوانين يتحولون إلى جماد، يتحولون إلى آلات تنفيذ فقط، لا يجتهدون ولا يخرجون عن الإطار الذي رسم لهم.فالقوانين ينبغي الانضباط إليها مهما كلف الأمر، وقد لاحظت كيف أنهم يحترمون قانون السير بشكل كبير، فهم لا يعبرون الشوارع والأزقة إلا عندما يكون ذلك مسموحا، فعند اشتعال الضوء الأحمر يتوقف الكل راجلون وركابا، عكسنا نحن، حيث يكثر الاستهتار واللااحترام، بالشكل الذي يتسبب في حوادث قاتلة.
طيلة مقامنا هنا لم نشاهد حادثة سير واحدة، رغم أن العاصمة طوكيو يقطن بها حوالي 30 مليون نسمة. لم نشاهد أي خرق لقانون السير، منبه الصوت لا يستعمل، والكل يمر في سلاسة وهدوء منقطعي النظير.
بعدها سألت الموظفة إن كان بإمكاني مغادرة الفندق والمشي لدقائق معدودة، لأنني مللت وسئمت هذا الاحتجاز، لكنها أجابتني بأنه لا يمكنها تحمل المسؤولية، وعلي انتظار الغد للحديث في هذا الموضوع مع مسؤول أعلى منها.
عدت إلى غرفتي أجر ذيول الخيبة، وأقول مع نفسي أي نحس هذا الذي رافقني إلى اليابان، أي لعنة هذه التي سلطت علي، وفرضت علي غربة إجبارية. لكني عدت بالذاكرة قليلا إلى الوراء. قبل أيام من موعد السفر، كان لي حديث مع الزميل عبد الحميد جماهري، مدير النشر والتحرير، بمكتبه بالطابق الخامس، وكان إلى جانبنا الزميل لحسن العسيبي، وقلت لهما إنني أريد أن أقف خلال هذا السفر إلى البر الياباني على طريقة تدبيرهم وتعاملهم مع جائحة كورونا، وأعتقد أن باب السماء كان مفتوحا على مصراعيه.


الكاتب : طوكيو: إبراهيم العماري

  

بتاريخ : 09/08/2021

//