يوميات من جحيم طوكيو تحقق حلمي وانتصرت في سباق أولمبي من نوع خاص

 

لم أكن أعتقد وأنا أطأ بلاد الساموراي، أن المطاف سينتهي بي محتجزا في حجرة صغيرة، لا تتعدى مساحتها 16 متر مربع، أنتظر مصيرا مجهولا، بعدما تأكد أنني خالطت الزميل يوسف بصور، صحافي جريدة الأحداث المغربية، حيث كنا نقيم في نفس الغرفة ونقتسم الأكل والشرب، وحتى التنقل، حيث كنا إلى جنب طيلة أيامنا الأولى بالعاصمة طوكيو، في أول مهمة رسمية لي خارج المغرب.
مرت على هذا الحال عدة أيام، أبحث فيها من معلومة ولو بسيطة، تشفي غليلي، وتريح أعصابي، التي توثرت إلى حد لم أعد فيه أطيق سماع كلمة «اصبر»، لأنني أصبحت أشفق على نفسي، رغم محاولات الزملاء الصحافيين، الذين ما فتئت اتصالاتهم تخفف عزلتي، وترفع معنوياتي.

جاء الفرج

انتظرت نتيجة التحليلة بفارغ الصبر، وكنت كل نصف ساعة أدخل إلى الموقع الإلكتروني الخاص بهذا الغرض، لكن دون جدوى. بقيت على هذه الحال حتى منتصف الليل بالضبط، حيث يكون تحديث المعطيات، فجاءت النتيجة سلبية والحمد لله.
أخبرت إسماعيل على الفور بالنتيجة، ثم أرسلتها على عجل إلى زوجتي وأبنائي، فكانت فرحتنا كبيرة، لأن العودة إلى المغرب أصبحت أمرا محتوما. ودعتهم بسرعة، لأنني كنت في حالة عياء شديد بسبب طول الانتظار.
برمجت المنبه على الساعة الثامنة صباحا، لأني كنت قد اتفقت مع الزميل بصور على تنظيم جولة صباحية، نقضي خلالها بعض الأغراض، على أن نعود في الزوال إلى الفندق، قصد إخلاء الغرفة عند تمام الساعة الثانية بعد الزوال. لكني وجدتني قد استيقظت على الساعة الخامسة والنصف صباحا من شدة الفرحة بقرب انتهاء العزل الصحي، الذي تحول إلى حالة أشبه بالاعتقال، وسأعانق الحرية من جديد.
جمعت أغراضي، ونزلت إلى المطعم لتناول وجبة الفطور. كانت المرة الأولى التي أتناول فيها طعامي خارج الغرفة منذ عشرة أيام. وجدت أن شهيتي غير مفتوحة للأكل، تناولت القليل وأخدت قهوة شربتها على عجل، ثم قصدت عاملة الاستقبال، التي سألتها عن إمكانية مغادرة الفندق لقضاء بعض الأمور الخاصة، طبعا بعدما شرحت لها الحيثيات وأدق التفاصيل. وافقت دون أن تبدي أي اعتراض أو تحفظ، لكن المسؤول الطبي بالبعثة المغربية طلب الحصول منها على وثيقة مكتوبة تؤكد أن إدارة الفندق رخصت لي بالخروج، لكنها رفضت، بعدما أوضحت أنهم لا يسلمون مثل هذه الوثائق، وأن علي تدبر أمري في حال حصول أي طارئ.
بعد استشارة السيد إسماعيل، قررت البقاء في الفندق وعدم المغامرة، تفاديا لأي طارئ يمكن أن يقلب الأمور رأسا على عقب، فتضيع فرصتي في العودة إلى أرض الوطن، ويهدر المجهود الكبير الذي تم القيام به على مستوى اللجنة الوطنية الأولمبية، التي واصلت الضغط على السلطات اليابانية، رغم أن الحظوظ كانت شبه معدومة، إلى أن انتزعت قرار عودتي.
عدت إلى الغرفة، منتظرا موعد الخروج النهائي، الذي تم تقديمه إلى الواحدة والنصف بعد الزوال. التقيت الزميل يوسف بالبهو وجلسنا ننتظر سيارة السفارة، التي أقلتنا من الفندق إلى المطار.
في الخامسة والربع، كانت سيارة دبلوماسية بالباب، دخل إلينا السيد نجيب عارف، الذي رافقنا في رحلة العودة ولحقناه إلى السيارة. أحسست ببعض الراحة، وتخلصت من ضغط نفسي رهيب رافقني لمدة عشرة أيام، كانت بحجم السنين بالنسبة لي.
كانت السيارة تطوي المسافات في حالة انسياب، كما أن الطريق كان سالكا للغاية، وليس به أي اختناق مروري، وكأن هذه المدينة لا تضم ثلاثين مليون نسمة.
شعرت كما لو أنني فزت في سباق ضد الظلم والتعسف. انتصرت إرادتي وصمودي على تحجر وتصلب المسؤولين اليابانيين، الذين يغيب اجتهادهم ومبادرتهم أمام القرارات الفوقية. لقد انتصرت في هذا السباق الأولمبي، الذي كان من نوع خاص.

أحلام تكسرت

شعرت خلال هذه المهمة التي قادتني إلى طوكيو كما لو أنني عشت كابوسا كبيرا، وأي كابوس، إنه الحرمان من أبسط الحقوق. لقد اضطربت أحوالي بشكل عظيم، وافتقدت كل وسائل العيش المريح. حتى الأكل لم يعد كما كان، وأصبحت أجاري الوضع كي أخرج بأخف الأضرار.
لقد مرت هذه الرحلة عكس ما كنت أخطط له، كانت لدي برامج وأهداف رسمتها مسبقا وحرصت على تنفيذها في أول مهمة لي خارج أرض الوطن. كنت أريد القيام ببعض الربورتاجات عن معالم هذه البلاد ومميزاتها وخصائصها وبعض تفاصيل الحياة فيها، لكن كل هذه الأهداف تحطمت على صخرة واقع كوروني، حاصرني إلى حد الاختناق. واقع جعلني أخرج من اليابان مثلما دخلتها، فلا عين رأت ولا أذن سمعت، لأن نصف المدة قضيتها بين أربع جدران.
لقد كانت فرحتي الكبيرة هي أني تمكنت من العودة إلى بلدي، وأهلي الذين افتقدتهم وافتقدوني كثيرا. وهذا جعلني أتعجب كيف أن بعض الناس يبحثون عن أقل الفرص لمغادرة الوطن، وتفضيل خيار الغربة، مع ما يمكن أن تحمله من معاناة وحرمان.
بالمطار كان لقائي بالسيد عبد اللطيف إيدمحما حميميا، تبادلنا أطراف حديث شيق، في حضور السيد نجيب عارف والزميل يوسف بصور، كما كان لي أيضا لقاء عابر بالسيدة نوال المتوكل، التي خصتني بكلمات عاطفية، وقدمتني إلى أحد الأشخاص الذين كانت تجري معهم اتصالا مرئيا، حيث قالت إنه صحافي مغربي عاش ظروفا صعبة باليابان بسبب فيروس كورونا.
لقد تركت ورائي بهذا البلد الآسيوي، الذي لم أكن أتصور قط أنه بهذه القسوة، ذكريات سيئة للغاية، مليئة بالمعاناة وخيبة الأمل، لكني رغم ذلك وقفت على كثير من مزايا هذا الشعب العظيم.

الأمانة والإخلاص

طيلة مقامي بالعاصمة اليابانية لاحظت مدى صدق وأمانة المواطن الياباني. فهو خارج إطار القانون شعب طيب للغاية، خلوق ومؤدب كثيرا، لكن عندما يدخل القانون على الخط ينقلب إلى جهة لا مكان فيها لأي عاطفة أو تسامح. فالقانون فوق كل اعتبار، وبعده تأتي كل الأشياء الأخرى.
في هذا البلد تحضر الأمانة على رأس القيم المجتمعية، فالمواطن الياباني لا يسرق، ولا يأخذ حقا ليس له. يقف في الطابور إلى حين دوره ولا يتكلم جهرا. خلال جولاتي القصيرة، لاحظت أن اليابانيين لا يعقلون دراجاتهم العادية عندما ينزلون منها، ويتركونها مفتوحة، دون أن تمتد إليها يد الطيش. وحتى عندما تنسى شيئا في محل ما، فإنك تجده عندما تعود، ويقدمونه لك مع ابتسامة. وفي المحلات التجارية لا يتم استقبالك إلا مع التحية والتقدير والاحترام التام، تأخذ وقتك الكافي من دون ضغط أو تأفف، ولاسيما إذا كنت أجنبيا، وعند المغادرة يتم توديعك معززا.
يبادر المواطن الياباني إلى خدمة غيره بكل طواعية، وقد حدث هذا معي ذات مرة. ففي أيامي الأخيرة من الحجر، نزلت إلى الفندق من أجل أخذ فطوري، وبينما أنا أحمل بكلتا يدي صحن الأكل، فاجأتني حارسة الأمن الخاص وهي تسبقني إلى المصعد. فتحته لي وضغطت على زر الطابق الذي أريد وودعتني بابتسامة.
في هذه البلاد لا مكان للفضول، فلم أشاهد قط تجمع الأفراد في أطراف الحي، ولا أن يمد البعض عنقه من نافذة منزله أو شرفته، مثلما يقف عندنا البعض لساعات يراقب حركات المارة، ويقتفي أخبار الجيران. لم نشاهد ذاك الصخب الذي اعتدنا عليه في المغرب، الكل يعيش هنا في طمأنينة كبيرة للغاية، لا وجود لأي مظهر من مظاهر العنف المعتادة عندنا، لا فوضى ولا انحراف ولا إجرام بالمرة.
قد يعتقد البعض أن السبب في هذا كله هو كاميرات المراقبة، المنتشرة في كل الأماكن، لكن وحسب ما استقيناه من أفواه بعض اليابانيين او من عاشروهم لفترة، فإن السبب راجع بالأساس إلى التربية، والتنشئة الحسنة.
الشعب الياباني دائم الحركة، وبالكاد تشاهد شخصا على قارعة الطريق واقفا، إنهم مثل خلايا النحل، حركتهم لا تتوقف، تراهم إما راكبون أو مشاة، وحتى هؤلاء إما يسيرون بخطى حثيثة أو يهرولون. فالجري هناك ليس عيبا. لكن العيب هو الوصول إلى الموعد أو الغرض متأخرا.
ومن المظاهر التي رصدتها في هذه الزيارة، التي ستبقى خالدة في ذهني، هي قلة المقاهي بالبر الياباني، لأن هذا الشعب ليس له وقت يضيعه في الجلوس لساعات فوق كرسي ورصد الحركات والتحركات. هذا الشعب ليس له الوقت حتى لطهي الأكل فأحرى إضاعته في أشياء أخرى.
وإذا كانت المقاهي قليلة، فإن هناك انتشار كبير للمطاعم، التي باتت وجهة فئة عظمى من اليابانيين للأكل، حيث يصطفون في طوابير أمام محلات بيع المأكولات الجاهزة، والتي تحرص بشكل كبير على ضمان القدر المطلوب من النظافة.

نظافة وأناقة

في اليابان لا مكان للأزبال والأوساخ، كل شيء نقي وراقي، فالشوارع والأزقة خالية من النفايات، والسيارات نظيفة جدا، حيث لن تجد هناك أي عربة متسخة أو متهالكة أو عليها آثار الاصطدام بفعل حوادث السير، مثل سياراتنا نحن. سياراتهم تبدو كما لو أنها خارجة للتو من المصنع. وسيارات الأجرة عندهم مريحة وجميلة، وسائقوها بلباس عصري ونظيف، حيث يبدون مثل ممثلي السينما. عندما تركب معهم يشغلون «الجي بي آس» حتى يعلم الزبون الطريق التي سيم سلكها، وبالتالي يتفادى مشاكل العداد، على غرار ما يحدث عندنا.
ويحرص المواطن الياباني على الاهتمام بهندامه كثيرا، حيث لن تجد شخصا هناك بملابس بالية أو رثة، يخرجون في أبهى مظهر، بأحذية لامعة وشعر مصفف وهيأة حسنة، في احترام تام للحريات الشخصية والخصوصيات الفردية، فلا يسجل عنف ولا تحرش واعتداءات، مما يعطي للحياة هناك طابع هادئ إلى حد البساطة.
إن الوصول إلى هذه الصفات لا يأتي من العبث، بل يتم غرسه وحفره في العقول منذ الصغر، وهنا يكون للمدرسة والنادي والبيت دورا كبيرا في بناء شخصية بمثل هذه المثل والقيم. شخصية تحضر فيها أسمى معاني النبل والأدب.
قد يعاب على الإنسان الياباني أنه أقرب إلى الآلة منه إلى البشر، لأنه يحترم الضوابط والحدود ولا يتعداها، لكنه يبقى مواطنا متميزا في حدود اختصاصه، لأنه يقوم بالمهمة التي أوكلت إليه من دون غش أو خداع أو تدليس. وحينما يتعلق الأمر بقرار حاسم أو مصيري، فإنه لا يتحمل المسؤولية، وينتظر تدخل الأعلى رتبة منه، وهذا حدث معي في أكثر من مرة، ولاسيما أثناء الحجر الصحي.
وهكذا طويت هذه الصفحات السوداء، التي لم أكن أتخيل يوما أنني سأجد نفسي في دوامة بلا بداية ولا نهاية، محروما من أبسط شروط العيش الكريم، بعدما تحولت رغما عني إلى شخص منبوذ، يشكل خطرا على محيطه، ذنبه الوحيد أنه وجد نفسه مخالطا لشخص مصاب بكورونا، وفي بلد لا يتساهل ضد مصلحته، ويفرض قوانينه على الوافدين عليه بصرامة كبيرة.


الكاتب : طوكيو: إبراهيم العماري

  

بتاريخ : 12/08/2021

أخبار مرتبطة

ينطلق فريق الوداد الرياضي، يومه الثلاثاء، في تداريبه بمركب محمد بن جلون، استعدادا للموسم الكروي القادم. وحسب مصادر قريبة من

نظم نادي نجوم حودران زعير لألعاب القوى نهاية الأسبوع الأخير، تحت إشراف الجامعة الملكية المغربية لألعاب القوى،  وبتنسيق مع عصبة

ماذا تحقق أو ماذا لم يتحقق؟   في شهر أكتوبر القادم،تكون قد مرت 14 سنة على تنظيم المناظرة الوطنية حول

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *