أزمة الجامعة من أزمة المجتمع

 

في السنين والعقود الأخيرة تزايد الاهتمام بموضوع ربط وظائف التعليم العالي والجامعي بمجالات التنمية لدرجة أن تقييم فعالية هذا النظام التعليمي أصبح يعتمد على مدى ملاءمة أهدافه لمتطلبات التنمية الشاملة ومدى قدرته على مواجهة التحديات التي تفرزها عمليات التنمية. فالتغيرات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والعلمية والتكنولوجية تستدعي حصول تحول كبير في رسالة التعليم العالي والجامعي بعد أن أصبح مطلوبا منه مواكبة هذه المستجدات ومواجهة كل التحديات والرهانات واستيعابها وبات مطلوبا من مؤسسات التعليم العالي المساهمة في حل المشكلات اليومية للمحيط والمجتمع في شتى المجالات بما تحتويه من مصادر الطاقة البشرية المميزة علميا والقادرة على التفاعل إيجابيا مع جميع التغيرات وأن العنصر البشري أصبح اليوم هو الأداة الفعالة للتغيير والتنمية الشاملة.
فهل استطاعت المشاريع”الإصلاحية” التي مست قطاع التعليم العالي والإجراءات التنظيمية الحديثة مواجهة التحديات الداخلية الكامنة في مؤسسات التعليم العالي ذاتها؟ وهل تمكنت من مواجهة التحديات الخارجية التي يواجهها مجتمعنا المعاصر؟ وهل استطاعت هذه المشاريع والإجراءات “الاستعجالية” المعتمدة لإصلاح هذا القطاع الفحص الشامل لأنظمتها التربوية بحثا عن مواقع الخلل والجمود؟ وهل قامت بمراجعة جذرية وشاملة في أفق دمج هذه الإصلاحات في سياق التحولات والتحديات المعاصرة؟
إنها تحديات متعددة ومتنوعة تتركز حول مجموعة من العوامل والمتغيرات،ومن بينها:
التحدي الأول: قدرة المؤسسات الجامعية على تقديم تعليم عصري متطور قادر على المواءمة مع متطلبات المجتمع والتنمية، وإحداث التوازن بين متطلبات الفرد ومتطلبات المجتمع، وكل هذه المهام من طبيعة الجامعة الحديثة فهي (تمثل مجتمعا علميا يهتم بالبحث عن الحقيقة، وأن وظائفها الأساسية تتمثل في التعليم والأبحاث وخدمة المجتمع) Epifania-Resposo.
التحدي الثاني: قدرة المؤسسات الجامعية على التكيف مع المتغيرات العلمية والتكنولوجية السريعة التطور من :- نشر الوعي العلمي والتكنولوجي البناء- التوسع في تدريس المسافات العلمية والتكنولوجية – المساهمة في وضع السياسات الوطنية ذات العلاقة بالعلوم والتكنولوجيا- تطوير البنى التحتية للبحث العلمي ..وهذا ما سيمكن الجامعات الوطنية من تطوير القدرات الذاتية التكنولوجية وتقليص حجم التبعية والاعتماد على المصادر الخارجية.
التحدي الثالث: قدرة المؤسسات الجامعية على تجاوز مشكلة التأطير أو القدرة على التوازن بين وظائف التدريس والبحث العلمي. فالبحث العلمي وتأطير الكوادر والطاقات البشرية يعدان من العوامل الهامة في عملية التنمية. وكما عهد إلى الجامعة بمهمة التكوين والتعليم التي تؤدي إلى انتشار المعرفة والحفاظ على الثقافة والإرث الرمزي للأمة، فقد انيطت بها أيضا مسؤولية الأبحاث التي تعد الأداة الرئيسية لإثراء المعرفة وتقدمها.
التحدي الرابع: قدرة المؤسسات الجامعية على تجاوز مشاكل التمويل ومحدودية الموارد المتاحة نظرا لأثرهما على التجهيزات والوسائل التعليمية الحديثة التي تعد اليوم الأداة الرئيسية لاكتساب المعارف واللحاق بالركب العلمي الحديث.
هذه التحديات والأدوار الجديدة التي أنيطت بالتعليم العالي – وغيرها- تسائل مؤسساتنا الجامعية عن قدرتها على مواجهة هذه القائمة الطويلة من التحديات التي لها ارتباط مباشر بكفاءاتها الداخلية والخارجية وخصوصا ملاءمة أو مواءمة تعليمنا الجامعي مع متطلبات المجتمع والتنمية. وقاد الاعتقاد بأهمية التعليم الجامعي في التنمية الشاملة إلى إعادة النظر في واقع تعليمنا العالي خاصة في هذه المرحلة التي يشهد فيها العالم تحولات كبرى في مجالات العلم والمعرفة والاقتصاد والسياسة…
ولإصلاح مؤسساتنا الجامعية حتى تقوم بدورها التربوي والعلمي وفي التكوين والتأطير والبحث قدمت العديد من مشاريع “الإصلاح”، وأنجزت الكثير من التقارير والبحوث وعقدت مجموعة من اللقاءات التشاورية.. لكن مساحات التغيير والتجديد في القطاع لا تزال ضعيفة.
رأى الاستاذ محمد وقيدي ضرورة وضع استراتيجية واضحة للبحث العلمي وإدماجه ضمن مسار تنمية المجتمع، وهذا الشرط (هو الذي سيقود إلى تبين أهمية دور البحث العلمي في التقدم المنشود، وهو كذلك الشرط الذي سينبه إلى ضرورة تطوير المؤسسات التي تكون لها وظيفة البحث العلمي وأهمها الجامعة أو مراكز البحث العلمي ذات الصلة الوثيقة بها).
وثاني الشروط في نظر الكاتب هو( سن سياسة تكوينية مستمرة لتكوين ذوات عالمة قادرة على ممارسة البحث بدل الاقتصار على المهمة التربوية).
وثالث الشروط حسب نفس الكاتب هو(إمداد المؤسسات الجامعية والمؤسسات المختصة بالبحث العلمي بما هي في حاجة إليه من تجهير ووسائل ملائمة لصنف البحث الذي تختص فيه ومدها بالتمويل اللازم لسير البحث فيه).
هكذا وفي ظل ما تشهده عدد من مؤسساتنا الجامعية المغربية من انخفاض في مستوى الكفاءة والنوعية والازدياد المطرد لعدد الطلبة مقابل الانخفاض في عدد المؤطرين وضعف التمويل الحكومي ونقص في التجهيزات والوسائل وما صاحب ذلك من اختلالات عديدة ومتشعبة على المستوى البيداغوجي والعلمي .. قامت الوزارة الوصية بالقطاع بتقييم وفحص أنظمتها التربوية بحثا عن مواقع الخلل فتولدت لديها قناعة مؤداها أن الجامعة لم تعد قادرة على الاضطلاع بمسؤوليتها وأدوارها الجديدة التي أفرزتها المتغيرات العالمية، وهو ما استوجب مراجعة جذرية وشاملة للنظام الجامعي فاندفعت الإدارة المركزية إلى تقديم مشاريع تلو المشاريع لتكييف واقع هذه الجامعة المغربية مع المستجدات العالمية ودمجها في سياق هذه التحولات الجديدة.
ومن بين هذه الإصلاحات ما اصطلح عليه بنظام LMD (ليسانس – ماستر- دكتوراه)ومس هذا الإصلاح محتويات البرامج البيداغوجية وطرق التوجيه والتقويم والانتقال بين المستويات..لكن لم تساهم إجراءات هذا الإصلاح الجديد في الحد من مشكلات الجامعة المغربية:
فلاهي ساهمت في الحد من مشكلة تزايد أعداد المتدفقين على الجامعات، ولا هي ساهمت في خلق مبدأ تساوي فرص الالتحاق بمختلف مؤسسات التعليم العالي سواء ذات الاستقطاب المفتوح أو غيرها، ولا هي ساهمت في الحد من مشكلات التسرب والهدر مما أدى إلى تفاقم مشكلات أخرى أعاقت تطور التعليم العالي (زيادة الأعداد دون زيادة في التمويل والتجهيزات والوسائل– زيادة الأعداد لا يتناسب وعدد المؤطرين-..) وهو ما خلق عدة اختلالات وتحديات أضعفت التكوين والبحث العلمي وشكلت ضغطا على الطالب والأستاذ معا.

لا لعلاج العرض دون علاج المرض

يعرف عالم اليوم بالتطورات السريعة والابتكارات العلمية الدقيقة التي يعجز الإنسان عن ملاحقتها، لذا وقع على طلبتنا الذين يلتحقون بأعداد هائلة بالجامعات والمعاهد والمدارس العليا أمر ملاحقة هذا العصر المتطور، ووقع على أطرنا وكوادرنا الجامعية مسؤولية إعدادهم وتأطيرهم للمشاركة في مسايرة هذا العصر مما يعني أننا بحاجة إلى أطر أكاديمية وأساتذة جامعيين وخبراء وعلماء من كل التخصصات وبأعداد كافية ويمتلكون الكفايات والمؤهلات الفكرية والعلمية والبيداغوجية حتى يكونوا باحثين ودارسين في نفس الآن.
ما يلاحظ اليوم في جامعاتنا هو النقص الكبير في عدد الأساتذة المؤطرين بالمقارنة مع عدد الطلاب مما يسبب خللا في ميدان تأطير البحوث العلمية، وهذا المشكل يرهن البحث العلمي الذي يعد الوظيفة الأساسية للجامعة بعد التكوين وهو ما يجعلنا نواجه تحديا مخيفا فإضافة إلى التوسع العددي الكبير للملتحقين بالتعليم العالي نجد نقصا في التأهيل العلمي والبيداغوجي، وضعفا في برامج التكوين المستمر للأساتذة الجامعيين، وسوءا للظروف المادية والمعنوية للأستاذ الجامعي، وغيابا للحوافز، وضبابية سياسات التوظيف في القطاع، وتراجع الإمكانات البحثية بفعل سياسة الحد من الإنفاق.
وكانت النتيجة أن طغت وظيفة التدريس على وظيفتي البحث والتأطير حتى أنه لم يعد لدى الأساتذة الجامعيين الوقت الكافي للتفرغ للمكتبات أو للتأليف أو الإبداع، كما أنه لم يعد لديهم الوقت الكافي لتأطير ورعاية الطلبة الباحثين بل إن معدل الاطلاع لدى الباحث أصبح منخفضا جدا وأكثر منه أن معدل النشر العلمي صار أكثر انخفاضا إلى درجة أنه رغم الطاقة البحثية الكبيرة المتاحة ورغم ما يتوفر لدينا من العلماء والباحثين المتميزين فلا تجد جامعة مغربية أومركزا بحثيا ضمن قائمة الأوائل في البحوث العلمية في العالم.
وأمام هذا الخصاص المهول في مجال الابداع العلمي تلجأ بعض المؤسسات الجامعية الخاصة، وبعض مراكز البحث إلى “الاستنجاد” أو الاستعاضة بالخبرات والكوادر الأجنبية فتحولت الأبحاث عند هذه المؤسسات إلى منطق سلعي تستورد الابحاث وتستورد الكوادر الاجنبية كما تستورد السلع وكأن بلدنا خالية من الكفاءات العلمية المؤهلة،فيأتي اولئك “الخبراء” وهم على عجلة من امرهم لكسب الاموال التي توضع تحت تصرفهم، وفي معظم الحالات تخلص ابحاثهم الى نتائج غير دقيقة وتوصيات سطحية لان الهدف من وراء اجرائها مادي بحث ومن شان ذلك اذا استمر وازدادت وتيرته ان يحول بلدنا الى سوق استهلاكية لأبحاث اجنبية تستورد اليه الابحاث كسلعة بغض النظر عن جودتها وملاءمتها للمجتمع.
لا جدال في ان العلاقة قوية و التأثير متبادل بين العلم والوضع السياسي والاجتماعي والثقافي لان الابداع الثقافي والعلمي هو نتاج للواقع الاجتماعي بأبعاده السياسية والاجتماعية والثقافية وانه انعكاس لمجمل القيم والمفاهيم والعلاقات التي يفرزها هذا الواقع او ذاك. وما نراه اليوم من استمرار تراجع دور البحث العلمي والتفكير العلمي هو ترجمة لتأثير هذه الاوضاع عليه
اذا كانت المؤسسة الجامعية او المراكز البحثية هي ذاكرة المجتمع وعقل الامة فان هذه الذاكرة وهذا العقل ما يلبث ان ينمحي ويزول ما لم تتوافر الظروف الموضوعية لبقائه ثم نمائه و تقدمه والتي ترتبط بطبيعة النظام السياسي والاجتماعي وبعلاقات القوى بين الشرائح الاجتماعية المختلفة، ودور كل منها في انتاج الثروة المادية والرمزية ونصيبه منها، وفي مجمل البنيان الاجتماعي الذي يشكل نسقا من العلاقات التي تعكس توجهات هذا النظام او ذاك.( د. نبيل سليم)
هذا ينقلنا الى القول ان انحسار دور الجامعة وتدهور التعليم بشكل عام يرتبط اشد الارتباط بطبيعة النظام الاجتماعي الذي نعيشه، ذلك انه عندما تنحسر قيمة العمل وتسود قيم الربح السريع، وعندما يتم الحصول على الثروة عبر وسائل الغش، وعندما تعلو مصالح فئات محدودة على حساب مصلحة الوطن، وعندما تهبط قيمة العلم ويضعف الانتماء الاجتماعي وتتراجع قوى الابداع والتقدم فان المؤسسة الجامعة ستتحول الى قبور ولحود لأبناء المجتمع العلمي وهو حال مقت يتطلب الخلاص منه تطوير الحرية السياسية والمدنية داخل المجتمع.
ليس من باب المبالغة إذا قلنا إن الأزمة التي تعيشها جامعتنا هي أزمة اختيار سياسي واجتماعي واضح للدولة، مما أدى الى ازمة افتقار الى تصور اصلاح شمولي واضح للجامعة، فالجامعات وجدت لتكون محركات عبقرية لكفاءة المجتمع البشري الحر، تقوم بدور اساسي مؤثر في صنع تقدم المجتمع تلبية لأسباب اجتماعية ورغبات اقتصادية ، ثمتجمع وتمد الجسور بينها وبين المجتمع فهي خادمة محيطها الطبيعي والتاريخي والجغرافي والثقافي.. إذن فالتأثير بين الجامعة أو بالأحرى بين العلم والوضع السياسي والاجتماعي والثقافي قوي وحاضر، وما نراه اليوم من استمرار تراجع دور الجامعة والبحث العلمي هو ترجمة لتأثير هذه الأوضاع على المؤسسة الجامعية والمراكز البحثية.
إن أزمة الجامعة هي جزء من أزمة المجتمع ككل وإن إعادة تشكيل المجتمع على أساس من تقديس قيمة العلم والعمل وتكريس مبدأ الحقوق الاجتماعية، وتأكيد الديموقراطية بين الجميع كفيل بأن يغير من طبيعة البنيان الاجتماعي وأن يخلق الظروف الموضوعية اللازمة لتقدم العلم وازدهاره والرفع من دور الجامعة.
فلا علاج لأزمة الجامعة دون علاج الأوضاع السياسية والاجتماعية.


الكاتب : محمد بادرة

  

بتاريخ : 07/07/2022