أضواء على كتاب «على وَقْع خُطىَ كرِيسْتُوفر كُولُومبُوس إلى أمريكا الجنُوبيّة»

الفائز بجائزة ابن بطّوطة فى أدب الرّحلة واختراق الآفاق لعام 2025

 

مُغامرون نذرُوا أنفسَهم لإستكناه المَجهُولْ

خلّف لنا التاريخ سجلاًّ هائلاً وحافلاً بأسماء هؤلاء الذين نذرُوا أنفسَهم لإستكناه الغوامض، والغوْص وراء كلّ مجهول، والذين يُعتبرون بحقّ رُسلاً للإنسانية جمعاء لِمَا قدّموه لنا من خدماتٍ، وما بذلوه من جهودٍ بحثاً عن حقائق الحياة وألغازها التي ليس لها حدود، بل وللتعرّف على أسرارالكائنات التي تدبّ عليها على اختلافها، ولا ريبَ أنّ رحلة البحث الطويلة المُضنية التي بدأتها البشرية فى غياهب المجهولات سواء فيما يتعلق بالأماكن النائية، واكتشاف قارات جديدة، وسبر عوالم مجهولة، وجزر منعزلة، وأدغال مُوحشة، وأصقاع سحيقة، بل وتقديم معلومات ضافية حول سكّان وشعوب تلك المناطق، وعن عاداتهم، وتقاليدهم، وطبيعة عيشعم، وتراثهم، وآثارهم، وكلّ ما يصاحب ذلك من فضول علمي رائع، كلّ ذلك يتوازىَ مع رحلة البحث عن أغوار المعرفة، وأسرار الحكمة، وحقائق العلم المذهلة.
ويدخل فى هذا المجال الاكتشافات الكبرى التي توصّل إليها علماء أفذاذ على إمتداد التاريخ بما قدّموه بواسطتها من خدماتٍ لصالح البشرية، وما كشفوا عنه النقاب من غوامض ومجهولات. وعلى الرّغم من الأشواط التي قطعتها البشرية فى هذا الميدان، فإنّها فى الواقع لا تزال فى أوّل الطريق، تتابع رحلة البحث، والكشف، والاختراع، والإبداع، ولمّا تزلْ أمامها أشواط بعيدة المدى لبلوغ الغايات التي نتوق إليها جميعاً.
والرّحلة بمعناها الواسع لا تخرج عن هذا السّياق، إذا كانت تقدّم لنا معلوماتٍ جديدةً عن أماكن وقارات وأشخاص وعادات تلك البلدان، ولا شكّ أنّ رحلة المغامر كريستوفر كولومبوس للقارة الأمريكية تُعتبر درّةً فى جبين الرّحلات الاستكشافية على امتداد التاريخ. إنّ العصر الذي أصبحنا نعيش فيه، وما يوفّره لنا من وسائل الرّاحة وسرعة الحركة والتنقال والإتّصال يقدّم لنا الدّليل على مدى الشّجاعة التي كان يتحلّى بها هؤلاء الرحّالون ، ومدى قدرتهم على التحمّل والصّبر ومجابهة الصّعاب، وسبر المغامرات، والتعرّض للمخاطر، بل وللموت المُحقّق فى كثير من الأحيان فى وقتٍ لم يكن يتوفّر فيه أيّ تطعيم ضدّ أيّ وباء من الأوبئة الفتّاكة التي كانت تأتي على الأخضرواليابس فى تلك العصور السّحيقة إذا قيست بإمكانياتنا المعاصرة الهائلة، وفي وقت كانت وسائل السّفر ما تزال بدائية.

أنواع الرّحلات

من المعروف أنّ هناك أنواعاً متعدّدة من الرّحلات، فمنها رحلات المغامرات، والاكتشافات، والبحث عن المعادن الثمينة، والتنقيب عن الآثار النادرة، وعن منابع الأنهار الكبرى، وإجراء دراسات علمية، وكذا عن الرّحلات الخيالية، والدينية، والوقوف على الأماكن المقدّسة لمختلف الديانات، فضلاً عن الرّحلات الاستطلاعيّة،والفضائية،والجغرافية، والتعليميّة، والسياسية، والدبلوماسية وغيرها من أنواع الرّحلات الأخرى، وقد تكون الرّحلة لأغراضٍ شخصية فتغدو رحلة شاملة ممتعة ومفيدة، وأشهر مثالٍ لهذا النوع رحلة إبن بطوطة الشهيرة، الذي خرج من مدينة طنجة قصد زيارة البيت الحرام فى مكّة المكرّمة، فإذا به يطوف الدنيا طولاً وعرضاً، وتستغرق رحلته زهاء 28 سنة، وهي تعتبر لذلك من أشهر الرّحلات فى هذا المجال، وفاقت رحلة ماركو بولو الإيطالي الشهير بثلاثة أضعاف حسب “ناشيونال جيوغرافيك” ، ولقد تُرجمت رحلة ابن بطوطة إلى مختلف لغات الأرض، ونوّه بها غيرُ قليل من الباحثين على امتداد العصور، كان آخرهم المفكّر الفرنسي روجيه غارودي فى كتابه “حوار الحضارات”، حيث فضّل ابنَ بطّوطة على ماركو بولو وسواه، ونوّه بهذه الرحلة كذلك المستشرقان الإسبانيان الصديقان سيرافين فانخول، وفيديريكو أربُوس اللذان نقلا هذه الرحلة إلى اللغة الإسبانية وغيرهما من الباحثين.

شروط الرحّالة

ونظراً لما يتعرّض له الرحّالة من مخاطر، ومفاجآت، وأهوال فإنّه ينبغي أن تتوفّر فيه عدّة شروط يوجزها مَثلٌ إنجليزي طريف، تحفل به معظمُ كتب الرّحلات، وهو يقول: “ينبغي أن يكون للرحّالة عينا صقرٍ ليرىَ كلَّ شيء، أن يكون له أذنا حمارٍ ليسمعَ كلَّ شيء، أن يكون له فمَ خنزيرٍ ليأكلَ كلّ شيء، أن يكون له ظهرَ جملٍ ليتحمّلَ كلَّ شيء، أن تكون له ساقا معزةٍ لا تتعبان من المشي، أن يكون له، وهذا هو الأهمّ، حقيبتان امتلأت إحداهما بالمال، والثانية بالصّبر!.”
وليس بخافٍ أن فنّ الرّحلات من الفنون التي تتوق إليها النفس لما تتضمّنه من عناصر التشويق والمفاجأة والأخبار المثيرة، خاصّة إذا كانت خالية من التصنّع والافتعال، حتى إذا قرأنا ما خلّفه لنا هؤلاء الرحّالون عشنا ما عاشوا، ووقفنا على كلّ ما حدث لهم أثناء رحلاتهم، وكأننا كنّا مرافقين لهم جنباً إلى جنب.
يقول الرحّالة الشّريف الإدريسي، المولود عام 1100 م فى مدينة سبتة المغربية المحتلّة، فى كتابه الشّهير ” نزهة المشتاق فى إختراق الآفاق” :
ليت شعري أين قبري / ضاع فى الغربة عمرِِي
لم أدع للعيش ما / يشتاق فى برٍّ أو بحرِِ
بالإضافة إلى إبن بطوطة الطنجي والإدريسي السّبتي الشهيرين، سجّل لنا التاريخ أسماءَ رحّالة آخرين عالميين عظام؛ مثل ماركو بولو، وكوك، وماجلان، وكولومبوس، ونونييس دي بالبوا، وإيرنان كورتيس، وفرانسيسكو بيثارّو، وفاسكو دي غاما، وأبو الريحان البيروني، والقزويني، وابن سعيد المغربي، والزيّاني، وابن جبير، وابن عثمان، والموصلي، والورداني، والشدياق، وسواهم.
يزخر الأدب العربي والعالمي على حدّ سواء بفنّ الرّحلات منذ أقدم العصور، ولقد عرف المغاربة على وجه الخصوص هذا النّوع من الفنّ منذ زمن بعيد، ويذكر لنا ابن بطوطة فى رحلته قصّة تدلّ على شغف المغاربة بالرّحلات والأسفار والمغامرات، فهو يحكي لنا في كتابه ذائع الصّيت “تحفة النظّار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار” أنه عندما كان في بلاد الصّين إلتقى بمغربيٍ آخر وهو السيّد قوام الدين السّبتي البِشْري الذي كان قد سبقه إلى هذه الديار، وأقام مدّة طويلة في الهند كذلك، وفي بلدان أسيويّة أخرى نائية.
أبواب “على وقع خُطىَ كولومبُوس”
يقول صاحب هذا الكتاب د. مُحمّد مَحمد خطّّابي : لقد اقتفينا نعلاً بنعلٍ، وحافراً بحافرٍ خطوات الرّحلة الأولى للمغامر الإيطالي كولومبُوس إلى القارة الأمريكية في 12أكتوبر من عام 1492 ، وللرّحلات الثلاث التي تلتها فيما بعد ( **) ،خلال هذه الرّحلات المثيرة يلقي الكتاب الأضواء على أحداث، ووقائع، هذا الحدث التاريخي الكبير، ويُدرج العديد من الأفكار، والآراء، والدراسات، والتحاليل لصفوةٍ من الكتّاب من أمريكا اللاّتينية واسبانيا ، فضلاً عن نخبة من المثقفين والباحثين العالميّين من جنسياتٍ مختلفة عن هذه الرّحلات التي غيّرت مسار التاريخ ،وقلبت موازين الجغرافية التي كانت معروفةً حتى ذلك التاريخ ،كما يتعرّض الكتاب لما حدث فيها، وخلالها، وبعدها من مآسٍ،ومظالم ،وتجاوزات، وتقتيل ، وتعذيب، وتنكيل ،وسلب ونهب.
(أ) فى الباب الأوّل من هذا الكتاب الذي يحمل عنوان (قصص وحكايات من وحي الاكتشاف) من المواضيع التي سوف تستأثر باهتمامنا ،وسوف نعالجها بإفاضة: -الوجه الآخر لهذا الإكتشاف، – الادب ومتعة الاكتشاف (يوميات كولومبوس) ،-لقاء الثقافات الثلاث ( الإسبانية والعربية والهندية الأصليّة).- الفينيقيّون: هل وصلوا الى القارة الأمريكية قبل كولومبوس ؟ وسوف نصاحبهم في رحلتهم المثيرة الى هذا العالم الجديد حيث يؤكّد غير قليل من الباحثين أنهم أوّل من وصل الى أمريكا قبل كولومبوس بقرون.-إشكالية الهويّة والجذور لدى هنود القارة الأمريكية ،- الهنود الحُمر : شعب له تاريخ بُترت جغرافيته ،-الأقنعة وسائل تعبيرية ورمزية لدى السكّان الأصلييّن الهنود .وسواها من المواضيع الأخرى التي لها صلة مباشرة وغير مباشره بهذه المغامرة الاستكشافية الكبرى حيث أضيفت قارة جديدة إلى خريطة العالم التي كانت معروفةً في ذلك الإبّان .
(ب) وفى الباب الثاني سنلقي الضّوءعلى ( المِكسيك أرض المَايَا والأزْتِيك) ، وهما من أبرزوأشهر الحضارات التي ظهرت على ثرى أديم هذا البلد الأسطوري فى القارة الأمريكية ثمّ سادت وتألقت ثمّ بادت واندثرت.
(ج) وفى الباب الثالث : (البِيرُو أرض الإنْكَا والمُوشِيك) سنرى كيف عرفت ( البيرُو) في التاريخ بأنّها أرض الذهب ، ومثلها مثل المكسيك ظهرت حضارة متألقة في هذه الأرض الأندينية ذات التضاريس الوعرة،والجبال الشّاهقة، والسّهُوب الفسيحة،والصّحارى الواسعة، والأدغال الكثيفة . وتزخر البيرُو بمآثرٍ ومعالم عمرانية تاريخية كبرى ما فتئت تُبهرالزائرين لها والتي ظلّت في طيّ الكتمان والنسيان على إمتداد قرون طويلة كما أراد لها أصحابُها وأربابُها ،ولم تُكتشف بعض معالمها الفريدة ذات الصّيت الواسع اليوم سوى في تاريخ قريب حيث فاجأت العالمَ بعظمتها ، وشمُوخها ، لدرجة أنها تكاد أن تُضاف عن جدارة إلى أعاجيب الدنيا السّبع المعروفة .

إنطلاق الرّحلة

بتاريخ 10 من شهر أبريل من عام 2024 في رحلة شيّقة إنطلقت من مدينة “أجدير” الحصين التي لا تبعد سوى سبع كيلومترات عن مدينة “الحسيمة” شماليّ المغرب إلى مدينة Torre Molinos ” بُرج الطواحين ” ثمّ إلى Madrid ” مجريط” بإسبانيا حيث إمتطينا الطائرة العملاقة في اتّجاه مدينة ( ليما) عاصمة البيرُو، وبعد رحلة إستغرقت حواليّ 13 ساعة وصلنا الى هذه المدينة المترامية الأطراف التي أصبح عدد سكانها اليوم ما ينيف على 12مليون نسمة.
أوّل ما يواجه الزائر فى هذا البلد الانديني الجميل التأثيرات الإسلامية التي وصلت إليه، وإلى بلدان أخرى مع المستكشفين الاسبان الأوائل بعد وصول كولومبوس اليها وصحبُه اليها عام 1492 ، هذا البلد قيّض الله لي أن أعيش فيه ثلاث سنواتٍ فى التسعينيّات من القرن الفارط ، وشاءت الأقدار أن أعود إليه وأستحضر العديد من الذكريات التي ما فتئت عالقة في هذه الذاكرة الوهنة عنه التي أصبحت تلوح لي اليوم كما كانت تلوح للشّاعر طرفة ابن العبد أطلالُ خليلته خولة ببرقة ثمهد كباقي الوشم في ظاهر اليد !
عدتُ إلى هاذين البلديْن (المكسيك والبيرُو) بعد أن سبق لي أن عشتُ وعملتُ فيهما أوائل التسعينيات من القرن المنصرم لسنواتٍ طويلةً ،عدتُ إليهما وأقمتُ في كلٍّ منهما مدّة شهريْن من الزّمان بهدف مراجعة غير قليل من المصادر، والمراجع ،والمظانّ ،والكتب، والمخطوطات القديمة لإعداد مواد هذا الكتاب وإعادة اقتفاء،وتتبّع، وإكتشاف العديد من مظاهر الإشعاع الحضاري فيهما عن قرب ، والوقوف في عين المكان على العديد من الآثار العُمرانية، والمآثر المعمارية، والحصُون المنيعة، والبنايات الشاهقة المُحيّرة المتخفيّة في عمق الأدغال المترامية الأطراف ، والتماثيل العملاقة ، والمُجسّمات المذهلة التي تنتشر في مختلف مدنهما وقراهما ، والتعرّف على طقوسهما الغرائبية، وعلى عاداتهما وتقاليدهما الأسطورية الضاربة في القدم، والإستماع والإستمتاع بفنونهما وفولكلورها ،وموسيقاهما، عملاً بنصيحة الشاعروالمؤرّخ الإغريقي “هوميروس” الذي كان يقول : ” إذا أردتَ أن تتعرّفَ على عظمةِ شعبٍ فاستمعْ إلى موسيقاه”! .

رحلة مثيرة

يُعتبر هذا الكتاب رحلة مثيرة سنتعرّف من خلالها على العديد من مظاهرالإشعاع الحضاري والثقافي في بلدان أمريكا-اللاتينية بواسطة مشاهدات عينيّة يوميّة ، ودراسات رصينة، ومعايشات ميدانيّة مباشرة على امتداد السنوات الطويلة التي قيّض الله لي أن أعيش في هذه الأصقاع النائية حيث تسنّى لي خلال هذه المدّة أن أتعرّف على العديد من أخبار هذه البلدان وعلى مناطق، ومدن أخرى من القارة الأمريكية في شقّها الجنوبي ،وقد أعجبتُ بتاريخ هذه القارة البكرالحافل بالمآثر والمفاخر، والمآسي والمعاناة،واستأثرت باهتمامي طقوسُها العديدة ، وراقني شعرها، وأدبها ،قديماً وحديثاً ،وبهرتني فلسفة سكانها ونظرتهم الى الحياة والطبيعة الهائلة المحيطة بها وللحيوانات الغريبة والنادرة التي تعيش فيها ،كما استأثرفى نظري مدى مظاهر الظلم ،والعَنت، والاستغلال ، والإستعباد ، والاستبداد التي ما فتئ يشعر بها سكّان هذه القارة الذين عانوا الكثير من طرف الغزاة (المكتشفين) الإسبان على امتداد ما ينيف على الخمسة قرون ونيّف غداة رحلة كولومبُوس اليها.
خلال هذه الرحلة الاستطلاعية والاستقرائية الجديدة التي قمنا بها للمكسيك والبيروعلى وجه الخصوص سوف نتعرّف على العديد من مظاهر الحياة التي تجمعنا بهما من أواصر عريقة ،وعلاقات صداقة وتعاون في مختلف الميادين كما تجمعنا وإيّاهما غير قليلٍ من أوجه التشابه والتضاهي ، والتقارب والتداني من تطلّع للحياة الكريمة ،ومكابدة ومعاناة ، وفى مختلف مجالات ومرافق الحياة من فلسفة ،وأدب،وشعر، وفكر، وتاريخ، وكفاح ،وصراع ،وموسيقى ،وفنون، وحِكَم، وأمثال ،وإبداع ، وعطاء.
هذا وسوف نتعرّف خلال هذه الرّحلة على غير قليلٍ من القصص ،والحكايات، والأساطير، والطرائف، والتحقيقات الغريبة التي عايشتُها وعاينتها عن كثب بنفسي في كلٍّ من المكسيك والبيرو، أو صادفتني خلال قراءاتي المتعددة لتاريخ الشعبيْن ،هذا فضلاً عن تجارب، ومشاهدات ، وزيارات ميدانية وعينيّة لمناطق نائية في هاذيْن البلديْن ولمعابدهما،ومآثرهما، ومنتجعاتهما ،وخُلجانهما ،وسهولهما ،وقصورهما ،وقلاعهما الحصينة، وآثارهما ،ومعالمهما التاريخية المُحيّرة التي تعتبر في معظمها تراثاً تاريخيّاً للإنسانية جمعاء نظراً لقيمتها التاريخية وتفرّدها وقدمها .
وسنقف في كلٍّ من المكسيك والبيرو على حقائق مثيرة فضلاً عن تسليط الأضواء على أبرز الحضارات الكبرى التي ازدهرت فيهما .كما سنتعرّف على المآسي التي عاشها وعاناها السكّان الأصليّون فيهما على امتداد تاريخهما الطويل والحزين ،ودراسة إشكالية هويّتهما، وجذورهما، وإبداعتهما الفطرية، وفنونهما العفوية الأصيلة من رسوم بدائية ساذجة، ورقصات إيحائية وتعبيرية ، وأردية، وفولكلور،وأنسجة، وطرْز،وغزْل، وحياكة،وصياغة المعادن النفيسة من ذهب وفضّة ،فضلاً عن أسرار أقنعتهما، ولغاتهما ،وموسيقاهما ،ورموزهما لدى شعوب المايا والأزتيك في المكسيك ، وشعوب الإنكا والموشيك في البيرو.
كما سنتعرّض بين دفّتيْ هذا الكتاب للخلاف الدائر بين العديد من الباحثين حول حقيقة وإشكالية مصطلحات “الغزو” أو “الإكتشاف” أو ” اللقاء” الذي عرفته القارة الأمريكية بما فيها المكسيك والبيرو على وجه الخصوص بالثقافات الوافدة عليها ، وفى مقدّمتها الثقافتان الإسبانية والعربية بشكلٍ خاص والذي نشب بعد إحتفال الإسبان وبعض البلدان الأوربية منذ بضع سنوات بالذكرى الخمسمائة لاكتشاف هذه القارة البِكر.
وهكذا سوف نتعرّف في المكسيك على ابرز الحضارات التي كانت مزدهرة في هذا البلد ،ومن غريب المصادفات، والمفارقات أننا سوف نلتقى خلال هذه الرحلة بالمعتمد ابن عبّاد المكسيكي الذي كان يُسمّى” نيزاوالكويُوتل” الذي جمع بينه وبين شاعرنا الأندلسيّ العربيّ الشّهيرالمنكود الطالع المُلكُ، والشِّعْرُ، والمصيرُ المأسوف عليه وفرّق بينهما الزمان والمكان .
كما سوف نتعرّف على تظاهرات غريبة وطقوس فريدة تستمدّ أصولها من جذور تاريخ القارة الأمريكية مثل إحتفال المكسيكيّين بيوم الموت والموتى، أو كشف النقاب عن سكّان شمال المكسيك الذين يُنعتون ب (المتوجِّهين) Mutachines الذين يُقال إنهم ينحدرون من أصول عربية أو بالأحرى من أصلٍ مغربيّ.
وخلال هذه الرحلة سوف نقوم بسياحة مثيرة في ما يُسمّى ب ” بندقية المكسيك”، مدينة “سوشيميلكُو” العائمة ،وسوف نعمل على إستكناه ،واستغوار،واستبطان أسرار موسيقىَ ” المارياتشي”الشهيرة التي تُعتبر صوت المكسيك في أفراحه وأتراحه، وسوف نعرّج على ظاهرة طبيعيّة غريبة ومُحيّرة بالقرب من مدينة ميكسيكو سيتي العاصمة المكسيكية تتمثّل في رحلة الفراشات العاهلة المهاجرة ذات الألوان الزاهية التي تقطع آلاف الأميال من كندا الى المكسيك، حيث يتوفّر لها جوٌّ مناسب للإنجاب ،والتزاوج ،والتكاثر . وسوف نتعرّف في هذا البلد أيضاً على أذكىَ الكائنات البحرية الثديية وهو الدلفين. وسنلقي الضوء على شريحة هامة من شرائح المجتمع المكسيكي في الوقت الراهن من أحفاد عمومتنا وخؤولتنا وهم العرب الوافدون الذين أحبّهم الزعيم المكسيكي الشّهير” إميليانو ساباتا” ودافع عنهم ،وكانت له علاقات صداقة ومودّة معهم.
وسنتعرّض خلال هذه الرحلة كذلك على تعدّد فوائد نبات الصبّار ومزاياه الطبيّة ومنافعه الغذائية ، وثماره اللذيذة المعروفة بالتيّن الشوكيّ ،والذي انتقل من هذه القارة الى العديد من بلدان العالم منها شمال إفريقيا ، وبالخصوص المغرب حيث ما زال يحتفظ بنفس الإسم الذي يدلّ على أصله وهو “الهندي” أو ” الهندية” أيّ نسبةً إلى بلاد الهنود ، كما أنه يسمّى بااللغة الرّيفية (شماليْ المغرب) ب ” تاهنديث” أو “تاروميث” أيّ الهندية أو الرّومية أيّ الأجنبية ، في حين يطلق عليه إخواننا في أقاصي أقاليم جنوب المغرب في الصحراء إسم ” تكاناريت” أيّ نسبةً إلى جزرأرخبيل الخالدات الكنارية حيث استقدمها الاسبان من القارة الأمريكية الى هناك بعد غزوهم وسيطرتهم على هذه الجزر الجميلة المحاذية للمغرب .
وفى المكسيك سوف نقوم بزيارة لمتحف فريد من نوعه في العالم يضمّ ما ينيف على 15 ألف حذاء من الذهب والفضة والزّجاج ،ونتعرّف على العديد من الأخباروالحكايات والطرائف حول هذا الصّديق الذي رافق الإنسانَ في ” مسيرته” وصاحبه في ” مشيته” على امتداد العصور، وفى مختلف الأزمنة والعهود السحيقة في القدم، وسوف نتعرّف في هذا البلد كذلك على حبّة الكاكاو التي تُستخرج منها الشيكولاته التي يعود موطن أصلها إلى أدغال الأمازُون والتي كان زير النساء “كازانوفا ” يسمّيها : طعام العشّاق !.
وخلال هذه الرحلة سوف نتأمّل معاً أسرابَ الحمام التي تحلّق في الفضاء الفسيح والتي كانت تقوم قديماً بدور ساعي البريد بين الأفراد والأقطار والأمم، ولقد أصبح الحَمام اليوم يملأ ساحات المدن الكبرى ، ورمزاً للسّلام في العالم.
وسوف نلقي إطلالة على أهمّ المعادن النفيسة من ذهب ،وفضّة، ولُجيْن، وأحجار كريمة في الحضارات المكسيكية القديمة وعلى منطقة ” تكساس” الشاسعة وكيف ضاعت أو بيعت أو أقتطعت من المكسيك نتيجة خطأ تاريخي ارتكبه المكسيكيّون أنفسُسهم بثمنٍ بخس.
وفي البيرو سوف نتعرّف خلال هذه الرحلة عن هذا البلد الأنديني وما يعجّ به من كنوز الفضّة والذهب والأحجار الكريمة من زمرّد، ويَشم ، ولؤلؤ، ودانات ،وصدفات وسواهما من كنوز الحضارات الهندية القديمة مثل الإنكا والموشيك وحضارة الكارال العريقة الضاربة في القدم ، التي تعتبر من أقدم الحضارات على مستوى القارة الأمريكية والتي تألقت في شمال البيرو .ممّا جعل الإسبان يطلقون على هذا البلد ب : ” أرض الذهب” حيث قُدَّمت أكبر فدية في تاريخ أمريكا من هذا المعدن النفيس للإسبان لإطلاق سراح بعض الملوك الهنود .
وخلال رحلتنا في البيرُو كذلك سوف نتعرّف على أكبر الإكتشافات الأثرية التي عرفتها القارة الأمريكية أواخر القرن الفارط خاصّة كنوز الملك البيرواني ” دي سيبان” الذي أُطلق عليه ب : “توتعانخ آمون ” القارة الأمريكية ، وسوف نتسلّق مرتفعات وآكام قلعة ” ماتشُو بيتشُو” الشاهقة التي تعتبر من أهمّ المعالم الأثرية في أمريكا الجنوبية اليوم والتي كان يسمّيها المؤرّخ البريطاني”أرنولد تويمبي” ب ” كاتدرائية العمالقة”التي بُنيت للأبدية، والتي أصبحت المعلمة الأثرية الأكثرجلباً لملايين السيّاح في القارة الأمريكية الذين يتقاطرون عليها من كلّ صوبٍ وحدب،ومن علً ،من عنان السماء سوف تبدو لنا خطوط ” ناسكا ” المُحيّرة التي تعتبرأغرب تقويم فلكي على وجه الأرض ،بل لقد اعتبرها بعض الباحثين قواعد ومحطات أرضية لسكّان الفضاء لغرابتها حيث كانت تحطّ فيها صحونُهم الطائرة.وهذه الخطوط لا يمكن مشاهدتها سوى من الفضاء وما زالت أسرارها وألغازها تُحيّر العلماء الى اليوم .
وفي البيرو كذلك سوف نتعرّف على الحصان البيرواني الذي يتميّز بمشيته، وخيلائه، ورقصه حيث يؤكّد الباحثون والدارسون أنّه ينحدر من أصولٍ مغربية – بربرية ، وقد صدر كتاب كبير للباحث الجامعي ألبيرواني ” خوسّيه أنطونيو دابيلو” حول هذا الموضوع والذي كتبنا تقديماً وافياً له بطلبٍ من مؤلِّفه أدرجه في صدر كتابه القيّم ، ولقد أهْدِيَ هذا الكتاب الضخم للعديد من ملوك ورؤساء وجامعات العالم عند صدوره .
كما سوف نتعرّف في البيروعلى أهمّ الحضارات القديمة التي ترعرعت في خليج ” باراكاس” الذي يبعد حوالي ثلاثمائة كيلومتراً جنوب ليما والذي يعتبر اليوم ملاذاً ومرتعاً آمناً للطيورالمهاجرة والبحرية النادرة ،كما أنه ملجأ لعملاق المحيطات من الحوت الأزرق ،وللعديد من الحيوانات البحرية الأخرى التي تعيش به وتواجه خطر الإنقراض من سباع ، وعجول البحر،والفقمات وطيورالبيليكان والبطاريق وسواها من أصناف الحيوانات العجيبة النادرة .
كما سوف نتعرّف خلال هذه الرّحلة على هديّة أمريكا للعالم وهي ” البطاطس” التي توجد منها أصناف عديدة جداً تعدّ بالمآت في القارة الأمريكية والتي يُطلق عليها الفرنسيّون تفّاح الأرض نظراً لقيمتها الغذائية والتي تعتبر من أهمّ الكنوز النباتية الأندينية التي أصبحت فيما بعد غذاءً أساسياً لمختلف شعوب العالم.
هذا وسنقوم في ختام رحلتنا بجولة مثيرة عبرالمحيطات الهادرة المترامية الأطراف التي تحيط بهذه القارة النائية بحثاً عن كنوز ونفائس المعادن الثمينة الضائعة التي استقرّت في أعماقها داخل بطون سفن ومراكب صادفها سوء الطالع كانت تمخر عبابَ هذه المحيطات خلال رحلاتها الطويلة المحفوفة بالمخاطروالأهوال من وإلى العالم الجديد.
أصقاع وبقاع وأدغال وتضاريس غريبة وعرة ومتنوّعة يقف الناظرإليها أو المتأمّل في تاريخها وحضارتها ومعالمها منبهراً، مشدوهاً عندما يدرك ما بلغته تلك الحضارات من شأو بعيد ومستوىً رفيع من التطوّر، والإزدهار في مختلف فروع العلوم الطبية، والفلكية ،والرياضية، والفلاحية، والطبيعية بل وفى مجالي الإبداع الأدبي والشعري لدى تلك الشعوب التي تنمّ عن إحساس مفرط بالطبيعة وكائناتها الحيّة المحيطة بها من أنهار وأشجار وأزهاروبحاروجداول وبحيرات وشلالات وطيور وحيوانات ،هذا فى الوقت الذي وصف لنا المكتشفون الإسبان تلك الشعوب بالجَهَلة المتوحّشين العراة الجفاة الحفاة .!
بطلان ما أُطلق عليه جُزافاً ب ” الإكتشاف”
وعلى امتداد صفحات هذا الكتاب سوف نتعرّف على مدى بطلان الإدّعاء الكاذب لما أُطلق عليه ب ” الإكتشاف” بواسطة آراء ومداخلات باحثين ثقات ،وكتّاب ومبدعين كبار من مختلف البلدان والمشارب والاتجاهات من المُتخصّصين في هذا الموضوع الشائك الذي ظلّ يثقل كاهلَ تلك القارة االنائية منذ خمسة قرون ونيّف خلت والتي عنها يقول الشاعر النيكاراغوي الكبير المُجدّد ” رُوبين دارييّو” مُتحسِّراً مُخاطباً الأميرال (أمير البحر)كولومبوس:
أميرَ البّحر الشقيّ / أمريكا المسكينة .. هنديتك العذراء / الحسناء ذات الدم الحارّ ..جوهرة أحلامك / أصابها الهوَس .. إنّها ترتعش في عصبيّة / جبينُها شاحب ..روحٌ وخيمةٌ تقطن ثراهَا / حيث القبيلة المُوَحّدة ..أشهرت هرواتها / اليوم تُثار الفتنة بين الإخوة .. والحربُ فيها أزليّة / إنّهم يُكْلمُون ويُشتّتون ..الوثنُ الحَجَريُّ حلّ محلّه اليوم / صنمٌ من لحمٍ متوّج ..ومع ذلك ما زال فجرُها الأبيض / ينبلج كلّ يوم ..وفى الحقول يتآخىَ الدم ُبالرّماد***
أرجو أن تكون هذه (الرّحلة) المقتفيةّ لخطوات المغامرالذائع الصّيت كولومبوس إلى القارة الأمريكية خلال رحلاته الأربع ، وإلقاء الأضواء الكاشفة على المكسيك والبيرو على وجه التحديد اللذيْن نشأت وظهرت فيهما أكبر وأشهر الحضارات القديمة السابقة للوجود الكولومبي في هذا الشقّ البعيد من العالم الذي أصبح بعد “إكتشافه” يُنعت ُ بالعالم الجديد . أرجو أن يكون هذا المُؤَلََّف إسهاماً متواضعاً يُضاف إلى الرّصيد القليل الموجود في المكتبة العربية من المراجع ،والمصادر، والمظانّ ، والكتب، والمطبوعات حول هذه القارة الأمريكية بشقّيْها الشمالي والجنوبي التي ما زال العالم العربي لا يعرف عنها سوى النزر اليسير . كما أرجو أن يكون هذا الكتاب لبنةً أو حجراً في إقامة مزيدٍ من جسور التواصل، وأواصر التقارب، والتفاهم ،والتداني فيما بيننا وبين مختلف بلدان أمريكا اللاّتينية على وجه العموم.

-*كاتب وباحث ومترجم من المغرب، عضو الاكاديمية الاسبانية- الامريكية للآداب والعلوم بوغوطا كولومبيا.

-**رحلات كولومبوس الأربع (الرحلة الأولى) -1492-1493 .ما يُسمّى بإكتشاف أمريكا. (الثانية) -1493-1496 إستعمار. (الثالثة)-1498-1500أراضٍ جديدة وتحدّيات.(الرابعة) 1502-1504 نهاية المغامرة.
-*** هذه الأبيات من ترجمة صاحب الكتاب عن لغتها الاصلية الاسبانية وهي مُدرجة فى معظم كتبه عن أمريكا اللاّتينية الصّادرة فى كلٍّ من مصر، والأردن، والمغرب.


الكاتب : د. السّفير محمّد محمّد خطّابي *

  

بتاريخ : 30/08/2025