بَدت الإستوغرافيا الأجنبية وهي تقترب من تحليل الوضع المركب في المغرب كما لو أنها تستنبت ما يمكن أن نصفه ب»البداوة العِلمية « في قراءة لحصيلتها العامة. والحق، أن هذا التوصيف يعود إلى جون فيريي نويل Jean-N. Ferrié مع بعض الاستثناءات في هذا الصدد، ألَّفها في الغالب الأعم أساتذة آداب، رجال إدارة وضباط عسكر، وأحيانا لغويون مُعربون، ومُبَربرون برعوا في اللغة أكثر ما برعوا في الميدان…ظنوا أن معرفة المجالات القريبة قرينة الترجمة، ولكأن الترجمة في نهاية القصد قد تغني عن فهم الداخل…ما يفسر تغافل هؤلاء عن عطاءات العلوم الاجتماعية ونقاشاتها العلمية ومكتسباتها النظرية المحققة، مثلما نُصادف خلال المرحلة الاستعمارية أعمالا نقدية مستلهمة من الدراسات اللاهوتية في مقاربة المجتمع المغربي.
لطالما ردد المؤرخ بيير فيلار مقولة تقول: «التاريخ عِلم في طور التشكل والنشأة»…كل تراكم حادث يجب أن ينظر إليه من شُرفة النشأة والابتداء، لا وجود لقول فصل في قضايا الماضي، لأن كل جيل يمتلك الجدارة في أن يستدعي نوازل الماضي للمساءلة والافتحاص…
لا يتعلق الأمر بمكر التاريخ كما يشاع، بل بمكر البِنيات التي تفترض وجوبا حدس البنيات…ما دامت حوامل التاريخ صماء عن إظهار الأحاسيس والحركات واللحظات…قد تختفي الأحداث لكن قد تترك خلفها ترسخا للبنيات، إما كقطائع وإعاقات، أو امتدادات وسيرورات…هذا هو درس التاريخ الذي ألحَّ عليه مُنظر الماركسية الجديدة لوي ألتوسير حينما دافع وبقوة عن فكرة أن مفهوم التاريخ لم يُصغ بعد…وهي نفسها الفكرة التي سار على هَديها ميشيل دوسرتو حينما قال: «كل مجتمع يفكر تاريخيا بالوسائل التي يمتلكها…»، أو تلك التي اشتهر بها إيمانويل لوروا لادوري «يكتب التاريخ انطلاقا من الحاضر وبضمير خاص».
وبقدر ما قد ترتسم حدود العلاقة بين الإستوغرافيا والمجتمع ضمن مسار وحيد الاتجاه، بقدر ما قد تنسج هذه العلاقة متواليات من الإشكاليات المنهجية التي لا يمكن حلها إلا بممارسة النقد المزدوج، نقد خطاب الأنا ونقد خطاب الآخر. ذلك الآخر الذي تشكل في التجربة التاريخية المغربية مثل خصم تاريخي؛ مُحتل أجنبي، وفاتح لاتيني صليبي…
وحده النقد كفيل بأن يُحرر الإستوغرافيا المغربية من معضلة الاستيلاب والتقوقع الهوياتي، وأساسا من عُقدة السجال المتواصل مع الآخر…وحتى إذا ارتضينا مواصلة مسار السجال، علينا مثلما يقول بوطالب أن نشتبك مع منطق الخصم، لنحتج عليه بنفس ما كان يحتج به علينا.
النظر إلى هذه العلاقة لا يعدو أن يكون في النهاية سوى تصويب لتلك القراءات الكولونيالية التي رمت بالديناميات السياسية والاقتصادية والمجالية من جفاف وماء وكلأ خارج مدارات التاريخ ومخاضات الجغرافيا، وهي تقرأ على سبيل الاختزال عاملي العُرف والانقسام قراءة مُبتذلة: رأت في الأول تمردا على الإسلام، وفي الثاني ثورة على السلطان…كل صراع جرى في مغرب الأمس نظر إليه عرابو السوسيولوجيا الكولونيالية من شُرفة التصنيف: بربر/عرب، جبل / سهل، محرومين/ محظوظين…
واضح أن منظري السياسة الكولونيالية أغوتهم المظاهر الخادعة في تركيبة البنية المغربية، فرأوا في تساهل سكان الجبال في أداء الشعائر وجهلهم للغة العربية، وتمردهم على السلطة المركزية موجبات تنزيل البناء الانقسامي على المغرب…واضح أيضا أن الانقسامية لم تخطئ حينما رأت بأن السلطة موزعة في كل مفاصل الحياة القبلية، لكنها أخطأت عندما انتهت إلى اعتبارها غير موجودة أصلا…يكفي فقط أن الكل في القبيلة يعرف في يد من توجد هذه السلطة، لكنه يرفض أن تكون تلك السلطة في يد أحد بعينه.
مثل هذه الأفكار ارتوت من معين ابن خلدون الوسيطي، ولكأن الإستوغرافيا الكولونيالية نسخة مستعادة من الخلدونية الوسيطية، لكن بمنزع يسير نحو محاولة تأكيد تفوق الذات الأوربية وتثبيت نزعتها الإثنومركزية، وإن لزم هذا القول نوعا من الحذر والاحتراس المنهجي بحكم اختلاف السياقات.
والحال، لا يزال الإنتاج الأجنبي حول المغرب إلى اليوم يفتح قارات جديدة في مسارات الاستوغرافيا المغربية؛ كما لا تزال مخطوطات المُعمرين تتناسل في المغرب مفصحة عن كشوفات جديدة. يتوزع عموما هذا الإنتاج بين أربع أغلفة كبرى: الغلاف الفرنسي/ الغلاف الاسباني/ الغلاف الأنجلوساكسوني/ الغلاف الآسيوي …وبما أن الغلاف الفرنسي يحظى بحضور قوي ومكثف في الكتابة التاريخية المغربية، فإن مناولته قبولا أو اعتراضا لا تزال تشكل مادة تاريخية خصبة، وتحديا منهجيا يفرض سطوته على باقي الأغلفة الأجنبية.
لا تخلو الأسئلة التاريخية الراهنة من دعوة صريحة إلى العودة نحو مساءلة الإرث الكولونيالي على سبيل التمحيص والمقارنة والآفاق المنهجية وحتى التجاوز…تُطالعنا أدبيات الجيل الأول بعد الاستقلال حول تناول اشكاليات وقضايا الإصلاح الزراعي والتراتب الاجتماعي وأنماط الإنتاج…في مدار كثَّف نقده للأسس الإبستمولوجية والمنهجية للإنتاج الإستوغرافي الأجنبي…فهذا حمودي مثلا، يصف المقاربة الانقسامية ب»الوهم الإبستمولوجي والهذيان المنهجي»، وذاك العروي يصفها ب»الضعف المنهجي والإفراط في الشكلانية». والأمثلة كثيرة في شأن ذلك.
ينبغي أن نُصغي بعمق إلى العبارة الخالدة التي تركها أحد أعلام مدرسة الحوليات مارك بلوك في لحظة تصادم علني مع مدرسة التاريخ الوثائقي «التاريخ قاطرة لها محطات للوقوف، لكن ليس له محطة للوصول». العبارة نفسها سيلتقطها العروي بنباهة عندما أوعز إلى جيل المؤرخين الشباب إلى أن كل مشكل تاريخي يتجدد بتجدد أو تطور التاريخ نفسه، ولا يمكن قول كلمة أخيرة فيه…تبعا لذلك يمكن القول أن الماضي-ماضي الظاهرة القبلية تحديدا- يظل ورشا منهجيا مفتوحا باستمرار أمام تجديدات الكتابة التاريخية تناغما مع رهانات اللحظة السياسية وتطلعات السوق المعرفية.
ما الذي يدفع راهنا إلى إعادة فتح ورش النقاش حول ماضي القبيلة المغربية؟ ما معنى أن نعود مُجددا إلى استنطاق سِجلات registres القبيلة بمدلولاتها الرمزية والمادية؟ أي دافع يجرنا إلى «إعادة بعث» باستعارة من مؤرخ الأمة الفرنسية جول ميشليه Jules Michlet ماضي القبيلة المغربية؟ لعلها أسئلة القلق والارتياب التي لا يزال يطرحها النسق المغربي في تشابكاته وامتداداته الراهنة…
صحيح أن القبيلة بما هي تنظيم سياسي واقتصادي واجتماعي شُيعت قانونيا مع حلول الحماية الأجنبية إلى المغرب، وبخاصة مع صدور ظهيري 1916 و1919…لربما جاز لنا اليوم أن نقف عند عمق هذه اللحظة التاريخية على مستوى تحقيب جديد للبنيات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المغربية في لحظة تحول انتقالي؛ لحظة فاصلة بين زمنين: زمن قبلي بائد ظل يستند على قيم التضامن الجماعي وصون المشترك الرمزي والمادي؛ وزمن تاريخي جديد تشكل تدريجيا على أنقاض الأول، سمته الأساسية التدبير القانوني لأجهزة الحماية لما كان ينعت ب»المجالات الطرفية»…وإذا كان الأمر كذلك، فثمة شعور بأن القبلية Tribalisme لا تزال تستحكم المشترك العام، النظام العام للأشياء بعبارة الأنثربولوجيين، تنصرف في سلوكات المغاربة كما تستحكم ذهنيتهم الجماعية، وهو شعور يرتقي صعودا إلى سوسيولوجيا التنظيمات، في الأحزاب كما الجمعيات، داخل النقابات وحتى الإدارات…ولعل في امتداد القبلية بأقنعة متعددة ما ينهض سبيلا اليوم إلى مراجعة فرضيات التفسير التي سيقت حول مدلول القبيلة بشمال إفريقيا…مراجعة تستند إلى ما تتحقق من تراكمات وعطاءات في مدارات الاستوغرافيا المغربية منذ الاستقلال إلى اليوم، إن على المستوى الكمي، أو على المستوى المنهجي…مع ما يستدعي ذلك من فتح حوار هادئ ومُنتج مع إنتاجات الإستوغرافيا الكولونيالية.
بناء عليه، تفرض هذه المراجعة أن نتعامل مع النسق القبلي المغربي الماقبل كولونيالي كنسق خاص، نسق مُتحلل من كل الخطاطات التنظيرية، من كل الوصفات الجاهزة…نسق قبلي مُركب أنتج ضمن شروط ذهنية خاصة، بفاعلين محددين، وفي إطار معطيات تاريخية وجغرافية خاصة، تداخلت فيه عناصر وإواليات، تتمفصل بين ما هو ثابت، وبين ما هو متغير، بين ما هو أصيل وبنيوي، وبين ما هو ظرفي ولحظي طارئ، وأساسا بين ما هو طبيعي خارج عن إرادة الإنسان، وبين ما هو إنساني داخلي صرف.