الجسد في الثقافة الغربية -27- الدولة : إنسان اصطناعي في خدمة الإنسان الطبيعي

طوماس هوبز  .. «التخيل القوي، ينتج الحدث»، على حد تعبير رجال الدين .

 

تنقسم المعرفة الفلسفية، من حيث اهتمامها بالجسد، إلى قسمين. فالفلاسفة الباحثين في خصائص الأجساد وولاداتها، وجدوا أنفسهم أمام صنفين من الأجساد يختلف الواحد منهما عن الآخر اختلافا كبيرا. أولهما الجسد الطبيعي باعتباره وليد الطبيعة ذاتها، وثانيهما جسدا نطلق عليه اسم المدينة ،la cite ، وقد سمي كذلك، بفعل اقتران ظهوره بالإرادة البشرية، بعد سلسلة من التوافقات والمواثيق، طرفيها الكائنات البشرية . نستنتج مما قيل:
أولا إن هناك قسمين من المعرفة الفلسفية.  فلسفة الطبيعية وفلسفة المدينة. غير أنه، وبحكم المعرفة التي راكمناها، في مسار البحث عن خصائص المدينة، يعتبر من الضروري، أن تنقل الفلسفة مجال اهتمامها ومشاغلها، إلى البحث في الاستعدادات والأهواء والأعراف الإنسانية. وتنقسم فلسفة المدينة، بدورها، إلى قسمين اثنين هما الفلسفة التي تتناول الاستعدادات والأعراف والقيم، التي نشير إليها غالبا بـ:”فلسفة الأخلاق”، من جهة، والفلسفة التي تهتم بحقوق المواطنين وواجباتهم وتسمى: “فلسفة السياسة” أو”الفلسفة السياسية”، من جهة أخرى .
Thomas  hobbesTraduction originale  9   De corpore 11
الطبيعة، هذا الفن الذي عن طريقه خلق الإله العالم، وبفضله يحكمه. طبيعة يحاكيها فن الإنسان، في هذا المجال كما في مجالات أخرى. فن استطاع أن يخلق حيوانا اصطناعيا. وبفعل ذلك، وما دام أن الحياة ليست سوى حركة أعضاء،بدايتها تقترن بجزء رئيس، يقع بالداخل، فما المانع من أن نقول أن جميع الكائنات الأوتوماتيكية (الآلية) أعني الآليات التي تتحرك، على غرار الساعة، اعتمادا على نوابض وعجلات، تملك روحا اصطناعية؟ فماذا يكون عضو القلب، إن لم يكن نابضا، والأعصاب أذا لم تكن أوتارا، والمفاصل إذا لم تكن عجلات، حيث الكل يمنح الحركة الى مجموع الجسد، وفق نوايا  ومقاصد (الفنان الحرفي)؟. غير أن الفن يذهب بعيدا أكثر، عبر تقليده هذا اللأثر العقلاني وأرقى ما في الطبيعة : الإنسان .
الفن هو من يخلق هذا الوحش الكبير الذي نسميه “جمهورية” أو “دولة civitas باللاتينية الذي ليس سوى إنسان طبيعي ، متمتع بقوة اكبر وأعظم من قوة الإنسان الطبيعي، للدفاع وحماية ذلك الذي أنشئ من أجله: الإنسان الطبيعي. السيادة  روح اصطناعية، بحكم أنها تمنح الحياة، والحركة لمجموع الجسد. القضاة والموظفون الآخرون، الموكولة لهم مهام قضائية وتنفيذية، هم المفاصل الاصطناعية، والمكافأة أو العقاب اللذين ومن خلال ارتباطهما بموقع السيادة، يحركان كل مفصل، وكل عضو سعيا وراء أدائه لوظيفته، إنها تمثل بذلك الأعصاب  لأن هذه الأخيرة، تؤدي نفس الدور داخل الجسد الطبيعي. وان تألق وغنى جميع الأعضاء الخاصة، مرتبط بالقوة وحماية الشعب salu populis هو شغله الشاغل.  فالمستشارون الذين يقترحون ويعرضون عليه جميع الأشياء، التي هو مطالب بمعرفتها، هم ذاكرته،  والإنصاف والقوانين هما، بالنسبة له، عقل  وإرادة اصطناعيان، والوئام المدني صحته وعافيته، والاضطرابات المدنية مرضه، والحرب الأهلية وفاته ونهايته. وهناك، أخيرا، المواثيق والتواضعات التي بفضلها نشأت، أصلا، أجزاء الجسد السياسي، وهي مجتمعة ومتجمعة وموحدة تشبه الفياط fiat أو عبارة “لنصنع الإنسان” عبارة نطقتها الآلهة لحظة الخلق .
وحتى نصف طبيعة هذا الإنسان الاصطناعي، سأعتبر أولا مادته وصانعه أي الإنسان، الذي هو المادة والصانع، ثم سأعتبر ثانيا الكيفية والطريقة، التي أنشئ بها، وبموجب أية مواثيق؟ وما هي حقوق العاهل وما هي سلطته العادلة،وما هو الشيء الذي يحميه، وما الذي يؤدي إلى أفوله ونهايته، وثالثا وأخيرا ما هي الجمهورية المسيحية، وما هي مملكة الظلمات royaume  des tenebres ؟.

Thomas hobbes leviathan introduction traduction francois  tricaud  dalloz ,1971

 

 

 


الكاتب : ترجمة : د. محمد الشنقيطي

  

بتاريخ : 04/04/2025