الجسد في الثقافة الغربية 28- «عقلك في جسدك، اكثر منه في أعظم حكمك

 

إلى من يحتقرون الجسد ويستهينون به، أود أن أقول لهم الكلام الآتي: إنني لا التمس منهم، أن يعيدوا النظر في ما تلقنوه وتعلموه، بل فقط أن يغيروا نظرتهم لجسدهم، أن يودعوه وأن يصبحوا بكما.
“انأ جسد وروح”،هكذا يتكلم الطفل. فلماذا لا نتحدث أسوة بالأطفال؟. إن الرجل اليقظ ، أي العارف والملم يقول: “انأ كلي جسد، ولا وجود لشيء غيره، وان الروح لا تعدو أن تكون كلمة متعلقة بشيء ما، داخل الجسد”.
إن الجسد عقل كبير، تعددية بوجهة واحدة، حرب وسلم، قطيع وراعي. أداة جسدك، وهو عقلك الصغير كذلك، هذا الذي تسميه روحا، أداة صغيرة ولعبة عقلك الكبير .
إنك تقول: “أنا”، كلمة تجعلك مغتبطا ومنشرحا. لكن الأهم هو ما ترفض الاعتقاد فيه، أقصد جسدك وعقله الكبير، الذي هو أنا، لا باعتباره كلاما، بل فعلا. إن ما يدركه الحس وما تعرفه الروح، يريدان أن يقنعك أنهما غايتا كل شيء، ما دام أنهما مغتران بالأمر.
أدوات ولعب، هما كذلك الحس والروح: فوراءهما لازالت (الذاتle soi) قائمة، تبحث كذلك بعيون الحس بأذني الروح، إنها تتأمل دائما بإمعان وتؤدة، تبحث وتتحرى تواجه وتختصر تغزو وتهدم وتحكم. فهي سيدة الأنا نفسها. أخي، فوراء أفكارك وعواطفك، سيد قوي مجهول يرشدنا إلى الطريق، يسكن جسدك، انه جسدك. العقل هو أكثر حضورا في جسدك، منه في أحسن وأعظم حكمتك. ومن يدري أفلا يكون جسدك، في حاجة الى أرقى وأسمى حكمك؟.
إن ذاتك تضحك من أناك، ومن امتداداته الباعثة على الفخر. لا يهمني، تقول الذات مع نفسها،قفزات الأنا وتحليقات العقل. فهي تبعدني عن هدفي. على الحدود، اقبض واسر له بمفاهيمه.
فإلى الانا تقول الذات: “أحس، هنا، بالألم”. آنئذ تتنفس وتفكر، بالطريقة التي تجعلها لا تتألم بعد. ولهذا السبب عليها أن تفكر. إلى الأنا تقول الذات: ” أشعر باللذة هنا”. عندئذ تتلذذ،وتفكر في الطريقة التي تجعلها، تنتشي مرات تلوا لمرات،لهذا فهي مطالبة بان تفكر.
أريد أن أقول كلمة إلى محتقري الجسد، وقد يحتقرونني جراءها، فذاك عربون على أنهم متأكدون من صحة ما أقول ومقتنعون به : “فما الذي يخلق إعجابا واحتقارا، قيمة وإرادة؟”. إن الذات الخالقة، قد نسجت،حولها، إعجابا واحتقارا، ولذة وألما. خلق الجسد الروح يدا لإرادته. أنتم في حمقكم وجنونكم، وفي احتقاركم، أيها المحتقرون للجسد، انتم لا زلتم خدام ذواتكم. أقولها لكم: “إن ذاتكم نفسها هي من ترغب في الموت وتقلب وجهها للحياة”.
لم يعد باستطاعتها أن تتعلق بأحسن ما تعشق معرفته: أن تبدع، أن تخلق في ما يتجاوز نفسها. إن حماستها كلها مقترنة بها، بما أن أحسن ما يتعلق بها، أن تعشق، أن تحب في أن تريد. غير أن الوقت قد فاتها، حتى يكون النجاح حليفها. إن ذاتكم ترغب في أن تخفت، وفي أن تتراجع. يا محتقري الجسد أعرفكم جيدا. إن ذواتكم ترغب في الأفول وهذا ما جعلكم تحتقرون الجسد!. فانتم لم تعودوا قادرين على أن تبدعوا في ما يتجاوزكم، ويتعالى عليكم.
فهل انتم الآن منزعجون، من الأرض والسماء معا؟. إن هناك داخل نظرتكم المحتقرة والمريبة، طمعا سريا وشرها كتوما. إنني لست على طريقكم، إنني لا اقتفي آثاركم يا محتقري الجسد! فلستم بالنسبة لي جسرا، أو قنطرة نحو الإنسان الفائق.

Friedrich nietzsche ,Ainsi parlait zarathoustra des contempteurs du corps traduction maurice de gandillac gallimard ,1971

 


الكاتب : ترجمة : د. محمد الشنقيطي

  

بتاريخ : 05/04/2025