الفنان عبد الله بلعباس: مايسترو التكثيف والاختزال من الكاليغرافي حتى دفتر غزة.. مرورا بفن البورتريه

عوالم بلعباس بين فلسفة التكثيف وقهوة الصباح

 

على سواحل مدينة الجديدة الذي ارتبط بشطآنها منذ طفولته، يبدع الفنان عبد الله بلعباس لوحاته وأشعاره بهدوء شديد بعيدا عن البهرجة، عزلة مختارة ومنتقاة لكنها لم تمنعه من البقاء على تواصل مع ما يدور في العالم من صراعات وحروب تجد صداها في أعماله كرد فعل،وفعل مقاومة ثقافية خاصة به ضد الحروب.
بين الشعر والرسم، يختار الفنان عبد الله بلعباس لحظته بدقة متناهية الاختصار بما هو متاح وممكن، في هذا الحوار ندخل لعالمه التشكيلي ونسترجع معه محطات هامة من حياته كفنان تشكيلي، نحاوره حول عمله الجديد «مقام الإشارة» ونكتشف معه أسرار البورتريهات غير المكتملة الذي اشتهر بها.

 

p نبدأ من عملك الإبداعي الجديد ديوان «مقام الإشارة»، الديوان الذي جاء جامعا بين رسومك ونصوصك التي تنتمي لجنس الشذرة، كيف ولد هذا العمل الذي زاوج بين الرسم والشعر؟
n فكرة هذا الديوان كانت دائما موجودة بالقوة كما يقول الفلاسفةـ ولم ينقصها سوى الوجود بالفعل،فهي قديمة وممتدة إن شئت القول، لكن لظروف وانشغالات خاصة بقيت دوما مؤجلة.
حين توجهت نحو الكتابة الشذرية، فرض علي بشكل ما، المزاوجة بين الشكلين الإبداعيين معا: الرسم والكتابة، وتحولت اللحظة التي أكتب فيها الشذرة إلى لحظة مضاعفة. فالعملان معا يكونا ن من وحي نفس اللحظة النفسية والابداعية، وترسم اللوحة غالبا بالحبر المائي، وأساسا بالوسائل المتاحة لحظتها، لذلك تجدين أنني أرسم كثيرا بسائل القهوة، وخاصة قهوة الصباح التي تصبح المادة الوسيط الأساسي، في عملية الرسم بعد الكتابة، بهذه الطريقة ولدت هذه التجربة، لكنها تأجلت طويلا قبل ان تظهر للعلن وأنشرها .

p ألم تتأخر كثيرا في إصدار هذا العمل الشعري؟
n صراحة لم أكن متسرعا أثناء الاشتغال على هذا المشروع، على العكس اشتغلت ببطء على الديوان واستمر الأمر لسنوات، فالشذرة كما تعرفين، جنس أدبي يتطلب الكثير من التكثيف اللغوي لتحقيق المعنى المرجو، فكان ضروريا من بعض التباعد الزمني لتحقيق الجودة المطلوبة وتجنب التكرار والاجترار. هذا العمل انعكاس لمسار استمر لعشرين سنة تقريبا، ثم جاءت اللحظة المناسبة لإصدارها، بإلحاح كبير من مجموعة من الأصدقاء من جهة، وكذلك لوجود رغبة داخلية لتجاوز مرحلة إبداعية معينة و الانتقال الى مرحلة أخرى جديدة.

p هل يكمل الشعر ما تبقى من رغبات لم يحققها الرسم ، أم أننا نتحدث عن عالمين مختلفين بالنسبة لك؟
n هما عالمان مختلفان بالنسبة لي، ما يجمعها هو انبثاقهما في نفس اللحظة. فهناك تكثيف وتقليص واستخدام لأقل الوسائط إن كان على مستوى اللغة في الشذرة، أو على مستوى الرسم بالحبر الصيني.

p إلى أي حد يؤثر العالم الخارجي على أعمالك، تابعنا أعمالك الفنية عن زلزال الحوز بالمغرب، والحرب على غزة وغيرها من الأحداث؟
n يرتبط الأمر أساسا بالصورة لأن العين تتأثر كثيرا والسؤال حينها هو كيف تختزل كل تلك الأشياء داخلك وتعيد إخراجها فنيا؟ وبالتأكيد فهناك قناعات الفنان الفكرية والسياسية والإيديولوجية الخاصة به، لكن ما تراه عين الفنان وكيف تختزله وتعاود إخراجه إبداعيا هو الأهم في عملية التعبير عن هذه الأحداث المؤلمة.
من داخل هذه الصور المؤلمة التي أغرقنا بها، ومن هذا الغرق تخرج اللوحات والأعمال التي أعبر بها عن ما غمرني من إحساس معين لحظتها، وهذا بالضبط ما وقع في تجربتي مع أحداث زلزال الحوز بالمغرب، حيث كان المشروع الفني بأكمله اشتغالا يوميا على الصور باستخدام تقنية معينة، وكانت اللوحات من حجم كبير ومتوسط، بعدها طورت العمل وقمت بتكبيرها لعرضها على الجمهور…

p كيف ظهر شغفك بالرسم، هل كان لعائلتك تأثير معين في هذا الجانب؟
n على ذكر الطفولة لم يكن لوالدي علاقة بهذا الجانب الفني ، كان الرسم رد فعل ومحاولة للهروب من ثقل الدرس داخل القسم خاصة في المرحلة الثانوية، كنت غالبا أنغمس في الرسم على الورقة بالقلم، وبدا الرسم كنوع من الملاذ من الروتين، ومن هنا تطورت هذه «البلية» / الرسم الذي كان نوعا من الهروب من شيء ضاغط وسلطوي وممل ، وما زلت أعيش هذا الجانب الفني بنفس الفلسفة، أعيشها كهاو وليس كمحترف وهي ملاذي وطريقتي للتعبير عن الأشياء..

p هل نتوقف قليلا عند المحطات الأساسية في مسارك التشكيلي؟
n لم أعرض كثيرا، أنا مقل في العرض، ولدي تباعد كبير بين معرض ومعرض قد يصل لسنوات، كما أنني اشتغل على موضوعات مختارة بعناية ، وهذا أمر أساسي في عملي.
أول معرض فردي كان سنة 1985 اشتغلت فيه على تقنية الكاليغرافي، بعده جاء معرض عن الجسد سنة 1992. ثم اشتغلت على تيمة البحر سنة 1999 .بعدها سنة 2004 نظمت معرضا عن الشقوق/ LES FISSURE والشروخ والأبواب.
بالموازاة مع ذلك كان الاهتمام بفن البورتريه بطريقة خاصة تبرز الملامح بشكل محايث لنصوص صاحب البورتريه ،شاعرا كان أو كاتبا أو مفكرا. هذه التجربة التي توجت بمعارض سنة 2013 و 2023مع تنظيم ندوة حول هذه التجربة من طرف صالون مازغان للثقافة وشركائه، ومعارض أخرى مع مختبر التواصل والترجمة التابعة لكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالجديدة، بينهما معرض «حبرمائيات» سنة 2018، ومعرض آخر ثنائي حول تيمة البحر. وبموازاة مع هذه المعارض والتجارب أساهم في إنجاز لوحات أغلفة لدواوين شعراء ولمؤلفات كتاب أصدقاء وصديقات مع رسومات داخلية أحيانا.

p لماذا اللوحات / البورتريه، غير مكتملة في أعمالك؟
n لا أكمل رسم البورتريه أبدا، أعمل دائما وفق المفهوم اللامكتملl’inachevé ، عدم اكتمال الوجه في أعمالي مرتبط بالآخر، حيث أن النصف المخفي من البرورتريه مرتبط بمن يتمعنه، و أترك للمشاهد أن يكمل البورتريه من وجهة نظره الخاصة. في هذه البورتريهات هناك تركيز كبير على العين وخاصة النظرة، ويبقى للرائي أن يكمل النصف الآخر للوجه، لذلك من وجه واحد أصنع بورتريهات، كل بورتريه يعطي إضافة أخرى للشخص المرسوم…

p تحضرني التجربة الفنية التي تنشرها على مواقع التواصل الاجتماعي تزامنا مع أحداث غزة، ماذا عن هذه التجربة؟
n طبعا هناك مجموعة من الاعمال التي ترتبط بالتعامل اليومي مع الأحداث، هذا اليومي الذي أنتج «دفتر غزة» كتجربة تشكيلية فنية، اشتغلت فيها سواء بالحبر الجاف أو بالحبر الصيني وبوسيط لوني هو قهوة الصباح، في إطار تجربة فنية مستمرة منذ زمن، هذه التجربة التي بدورها ستصدر قريبا في كتاب .

p تشتغل على تقنيات حبر مائية جد مختزنة على مستوى الألوان والخطوط ، هل بدأت كذلك أو هي تجربة اخترتها عن سبق إصرار؟
n الأصل والبدايات الأولى لي كرسام عصامي، غير قادم من معهد للفنون الجميلة، هو الرسم بما هو متاح، وهذا النوع من الاقتصاد في الوسائل يجعلك تحاول أن تعبر باقل ما هو ممكن ، وهذه العملية كانت ضرورية في البدايات لكنها تحولت إلى اختيار في ما بعد…
بدأت رسم البورتريهات مثلا بالحبر الصيني، ثم أضفت تدريجيا بعض الصباغات المائية، لاحقا أصبحت كثير من الأشياء متاحة لي…لكن التعامل الأولي مع ما هو متاح ويومي شكل بصمة استمرت معي. بنفس المنطق بدأت برسم البورتريهات على أوراق الجرائد والمجلات، ومنحتني هذه التقنية طريقا جديدا أمشي فيه وبدأت تجربة رسم البورتريه على نصوص شعراء و كتاب وذلك بشكل يومي بغض النظر عن المكان وبما هو متوفر كالقهوة السوداء مثلا أو كأس الماء. بهذه الأشياء البسيطة أخلق حالة فنية معينة وأبدأ شكلا ولو صغيرا أو متوسطا لتستمر العملية بالتطور …

p هل أنت من هواة الرسم ليلا؟
n يتعلق الأمر باللحظة وليس بالزمن، ليس لدي وقت محدد للرسم، لا شيء يمنعني من الاشتغال نهارا باستخدام المواد المتاحة لإنجاز الممكن فنيا كلما سنحت الفرصة، باعتبار أنني أشتغل بالمتاح، من جهة أخرى فطبيعة عملي تفرض علي أحيانا الاشتغال ليلا لأن هناك هدوءا خاصا بالليل وتخلصا من المسؤوليات..

p كيف تعيش شهرتك كفنان في مدينة كالجديدة؟
n علاقاتي محدودة وقلة من الناس يعرفون عن اشتغالي بالفن التشكيلي خاصة أننني بدأت فنانا عصاميا وأعيش حياتي بشكل عادي. من جهة أخرى أنا معروف أكثر لدى الساكنة وسكان الجديدة كأستاذ فلسفة وأستاذ علوم تربية .

p مشاريعك المستقبلية التي من المنتظر أن يطلع عليها الجمهور ؟
n سأعرض قريبا سلسلة من اللوحات التي انجزتها خلال زلزال الحوز، وأيضا سلسلة من اللوحات عن تيمة البحر لم يسبق عرضها على الجمهور، تقريبا 30 لوحة، كما أن هناك سلسلة من اللوحات التي اشتغلت عليها بتقنية التضبيب ستعرض قريبا، جميعها أعمال ولوحات تنتظر العرض دون تحديد المكان، حيث من الممكن ان تكون داخل أو خارج مدينة الجديدة، وسأعلن على موعدها في حينه.

 


الكاتب : حاورته : ليلى بارع

  

بتاريخ : 28/03/2025