الفن التشكيلي بالمغرب مسيرة التحول والإبداع

 

 

يُعد الفن التشكيلي أحد أبرز أشكال التعبير الإنساني، فهو مرآة تعكس أفكار المجتمعات وثقافاتها عبر العصور، من النقوش البدائية على جدران الكهوف إلى المدارس الفنية الحديثة، شهد الفن التشكيلي تحولات جذرية في الأساليب والتقنيات والرؤى، واليوم في عالم يزداد تعقيدا وانفتاحا، يواصل الفن التشكيلي أداء دوره كأداة للتعبير عن القضايا الإنسانية والاجتماعية، متجاوزا الحدود التقليدية ليصبح لغة عالمية تُحاكي المشاعر والأفكار.
كان الفن التشكيلي قديما جزءا أساسيا من حياة الإنسان، حيث استخدمه للتعبير عن واقعه وتوثيق أحداثه، ففي الحضارات القديمة، مثل المصرية واليونانية والرومانية، كان الرسم والنحت وسيلتين أساسيتين لنقل القصص الدينية والسياسية والاجتماعية، وقد اعتمد الفنانون الأوائل على الرموز والأيقونات للتعبير عن مفاهيم معقدة، مستخدمين خامات طبيعية مثل الصخور والأخشاب والأصباغ النباتية.
وفي العصور الوسطى، ساد الفن الديني، حيث لعبت الكنيسة دورا محوريا في توجيه الفنانين لإنتاج لوحات وجداريات تعبر عن القيم الروحية والتعاليم الدينية، لكن مع بداية عصر النهضة، شهد الفن التشكيلي تحررا كبيرا، حيث بدأ الفنانون في استكشاف الأبعاد الجمالية والتشريحية للجسد البشري، معتمدين على تقنيات جديدة في الرسم والتلوين، مثل المنظور والظل والضوء، مما جعل الأعمال أكثر واقعية وعمقا.
لم يعد الفن التشكيلي اليوم يقتصر على القماش والفرشاة أو الرخام والطين، بل أصبح فضاء مفتوحا للإبداع، يتخطى الوسائل التقليدية إلى الفنون الرقمية والتركيبية والتجريبية، فقد دخلت التكنولوجيا كعنصر أساسي في العملية الإبداعية، حيث بات الفنانون يستخدمون الحواسيب والبرمجيات المتطورة لصنع لوحات رقمية ثلاثية الأبعاد وأعمال تجريدية تفاعلية، كما أن الفنون التشكيلية المعاصرة لم تعد تعنى فقط بالجماليات، بل أصبحت وسيلة للتعبير عن القضايا المجتمعية والبيئية والسياسية، فالكثير من الفنانين اليوم يطرحون عبر أعمالهم تساؤلات عميقة حول الهوية، والعدالة الاجتماعية، والتغيرات المناخية، وقضايا الهجرة، محاولين إثارة وعي الجمهور ودفعه للتأمل والتفاعل مع القضايا المطروحة.
ويعتبر المغرب من الدول التي تمتلك رصيدا فنيا تشكيليا غنيا، حيث يتميز الفن التشكيلي المغربي بتعدد أساليبه ومدارسه، متأثرا بمزيج من الثقافات الأمازيغية والعربية والأندلسية والإفريقية، وقد استطاع الفنانون المغاربة عبر العصور أن يعبروا عن هذا التنوع بأساليب فريدة، تتراوح بين الفن الواقعي والتجريدي والتعبيري والسريالي.

-1 المزج بين الأصالة والمعاصرة

الفن التشكيلي المغربي يمزج بين التراث التقليدي والتقنيات الحديثة، حيث نجد لوحات تستلهم من الزخرفة الإسلامية والهندسة المعمارية المغربية، وأخرى تتناول قضايا معاصرة بأساليب حداثية.

-2 الألوان والرموز الغنية

تتميز اللوحات المغربية باستخدام ألوان زاهية ومشرقة، تعكس روح الطبيعة المغربية، من الصحارى الذهبية إلى الشواطئ الزرقاء والجبال الخضراء، كما تستخدم الرموز بكثرة، سواء كانت حروفا أمازيغية أو نقوشا تقليدية تعبر عن الهوية المغربية.

-3 ارتباط الفن بالهوية المغربية

يحرص الفنانون المغاربة على إبراز الهوية الوطنية في أعمالهم، فنجد لوحات تعكس البيئة الريفية والحياة الحضرية والأسواق الشعبية والأزياء التقليدية، كما أن الفنون التشكيلية في المغرب تأثرت بالفلكلور المحلي والاحتفالات والمعتقدات الشعبية.

-4 حضور قوي في الساحة العالمية

بفضل مواهبهم الفذة، استطاع الفنانون المغاربة تحقيق نجاحات كبيرة على المستوى الدولي، حيث تعرض أعمالهم في معارض عالمية، كما أن بعضهم استطاع ترك بصمة واضحة في المشهد الفني العالمي.
ومن خلال كتاباتي عن الفنانين التشكيليين في المغرب، تبين لي أن الفن التشكيلي بالمملكة قطع أشواطا مهمة، ببروز مدارس رائدة أعطت للساحة الفنية المغربية فنانين مرموقين يمتازون بفرشاتهم الجميلة وأسلوبهم الفريد، فهناك فنانون استطاعوا بحسهم الإبداعي أن يعكسوا موروثهم الثقافي في أعمال تجريدية تأسر القلوب، وآخرون توجهوا نحو الواقعية، محولين لوحاتهم إلى نوافذ تطل على تفاصيل الحياة اليومية المغربية، كما أن العديد من الفنانين المغاربة أصبحوا رموزا في المشهد التشكيلي العالمي، حيث استطاعوا أن يثبتوا أنفسهم في كبرى المعارض الدولية، مشاركين بأعمال تنطق بالتاريخ والحضارة والتراث المغربي، ولا يمكن أن نغفل الدور الذي لعبته الجمعيات والمؤسسات الفنية في دعم هؤلاء الفنانين، من خلال تنظيم المعارض والملتقيات الفنية، التي أوجدت فضاء رحبا للتواصل وتبادل الخبرات بين الأجيال المختلفة.
في ظل هذا التطور المتسارع، يطرح السؤال نفسه: هل فقد الفن التشكيلي هويته الأصلية أمام موجة التجديد والتكنولوجيا؟ الحقيقة أن الفن التشكيلي، بطبيعته، كائن متجدد، يتطور مع الزمن دون أن يفقد جوهره، فالفنان المبدع هو الذي يستطيع أن يوازن بين الماضي والمستقبل، فيستحضر روح الفن الكلاسيكي بأساليبه العريقة، وفي الوقت نفسه يستفيد من التقنيات الحديثة لصياغة رؤى جديدة ومبتكرة.
ولا شك أن العالم العربي، والمغرب على وجه الخصوص، شهد نهضة فنية تشكيلية لافتة في العقود الأخيرة، حيث أصبح الفنانون المغاربة يحظون باهتمام عالمي، بفضل قدرتهم على المزج بين التراث المغربي العريق والرؤى العصرية الحديثة، كما أن المؤسسات الثقافية والمعارض الدولية لعبت دورا هاما في إبراز إبداعاتهم وجعلها تنافس بقوة في الساحة العالمية.
إن الفن التشكيلي المغربي ليس مجرد ألوان وخطوط، بل هو روح تنبض بالإبداع، ورسالة تحمل في طياتها تاريخا من الأصالة والتجديد، فالفنانون المغاربة لم يكونوا يوما مجرد ممارسين لفن الرسم أو النحت، بل كانوا رواة للحياة، يحكون عبر أعمالهم قصص الوطن، يعبرون عن هموم الإنسان، ويحتفون بالجمال في أدق تفاصيله.
لقد استطاع هؤلاء المبدعون أن يجعلوا من لوحاتهم جسورا تربط بين الماضي والحاضر، بين التراث والحداثة، وبين المغرب والعالم، بأساليبهم المتنوعة ومدارسهم المختلفة، أثبتوا أن للفن التشكيلي المغربي بصمة خاصة لا تشبه غيرها، فهو فن يمزج بين العراقة والتطور، بين الأصالة والانفتاح، وبين الهوية المحلية والعالمية.
ختاما، سيظل الفن التشكيلي المغربي حاضرا بقوة، طالما هناك فنانون يحملون الشغف في قلوبهم، والفرشاة في أيديهم، والعزم على جعل إبداعاتهم نبضا يعكس روح هذا الوطن، فالفنانون المغاربة هم سفراء الجمال، وأوصياء على ذاكرة الإبداع، يتركون لنا أعمالا خالدة، تروي للأجيال القادمة قصة فن لا يموت، بل يتجدد مع كل ضربة فرشاة، وكل لمسة لون.


الكاتب : عبد المجيد رشيدي

  

بتاريخ : 01/03/2025