الكتابة والصحراء قراءة في مؤلفات فردية وجماعية 23- ثقافة الصحراء: مدارات الهوية والانتماء

ماهي العلاقة بين الكتابة والصحراء؟ وكيف تلازمتا منذ زمن بعيد؟ ألم تكن الكتابة مرتبطة بالصحراء، هل هناك حدود للكتابة في الصحراء أم لا حدود لها مثل كثبان الرمال؟ وأيهما أقرب إلى ثقافة الصحراء: الكتابة أم الشفاهية؟
إنها تساؤلات عميقة تنبعث ونحن نتأمل المتون والمؤلفات التي اتخذت من الصحراء تيمة لها. فلقد شكلت الصحراء دوما فضاء غنيا بامتياز وباعثا على الإبداع والتدوين. بإرثها التاريخي العميق ،وبتنوع تضاريسها، وغنى مواردها الطبيعية التي تجمع البحر والبر في التحام وتناسق جميلين ،كما شكلت ملتقى للحضارات المتعاقبة على المغرب ، لذلك نبغ منها شعراء عديدون ومفكرون كانوا من رموز زمانهم ، ومثقفون ألفوا وأنتجوا كتبا ما يزال بعضها رهين خزانة المخطوطات ينتظر التنقيح وإخراجه من ركام الأتربة ليستفيد منه الأحفاد بعدما أنتجه الأجداد منذ زمن غابر

هذا الكتاب تجميع و توثيق لأشغال الملتقى الثاني للفكر في الصحراء المغربية الذي نظمه فرع جمعية الشعلة للتربية والثقافة ببوجدور يومي 17 ـ 18 فبراير 2012 تحت شعار :الصحراء :هوية ، ثقافة وإبداع متجدد والذي تم فيه تكريم الدكتور عباس الجراري.
وقد أبرز ذ محمد البوزيدي في تقديمه للمؤلف أن الإصدار يأتي في إطار مواصلة الاشتغال على تكريس تقاليد ثقافية متميزة في الأقاليم الجنوبية للمملكة ،عبر الاحتفاء بالموروث الثقافي والعلمي للمنطقة  ونشر الدراسات والأبحاث العلمية الرصينة حوله لتصبح وثيقة  تاريخية يستفيد منها الطلبة والباحثون.
ويضم الكتاب ثلاثة أجزاء كبرى ، خصص الأول منها لمحاضرات العلامة د عباس الجراري حول الصحراء، وهي: ثقافة الصحراء التي ألقاها بنواكشوط سنة 1975 ، وشعر الصحراء التي كانت عنوان الدرس الافتتاحي لكلية الآداب بأكادير سنة 1987 ،ومحاضرة حول دور علماء الصحراء المغربية وأدبائها في تثبيت الوحدة الوطنية والتي قدمت ضمن أشغال أكاديمية المملكة المغربية سنة 2002
كما تضمن نفس الجزء دراسات و شهادات عن العلامة عباس الجراري لكل من د.محمد الظريف: جهود الدكتور عباس الجراري في تأصيل الدراسات الصحراوية، ود.إدريس الناقوري: شهادة في حق الأستاذ الدكتور عباس الجراري بأصوات ثلاثة وضمير واحد،و د. محمد دحمان : الدكتور عباس الجراري مؤسس مسلك البحث حول ثقافة الصحراء بالجامعة المغربية ،إضافة إلى قصيدة شعرية باللهجة الحسانية في تكريم الدكتور عباس الجراري ألقاها الشاعر مولود الأحمدي .
أما الجزء الثاني :فقد خصص لأبحاث متنوعة حول الصحراء في أربعة محاور مختلفة، وهكذا تضمن محور× في رحاب السوسيولولجيا× بحثا مطولا حول جدلية الفكر و الهوية في الصحراء المغربية لإدريس نقوري أبرز فيه طبيعة تلك الجدلية من منظور انتروبولوجي وأناسي ،كما حلل فكر الصحراء و علاقته بالعناصر الأربعة المشكلة لأساس الحياة وهي: الماء ،النار، الهواء و التراب، باعتبارها رموز انتروبولوجية.
أما د عبد الرحيم العطري فقد فصل في ظاهرة الصلاح و الكرامة من خلال المقدس الولوي بالصحراء المغربية محللا ظاهرة الولاية و الكرامة بالصحراء، وطقوس «الزيارة» وتعدد وظائف الضريح التي رصدها في الوظيفة السيكولوجية ووظيفة التحكيم ووظيفة العلاج ووظيفة السياحة ، مستخلصا جملة من الدروس أبرزها:الحاجة إلى مونوغرافية المقدس الولوي الصحراوي ،و تأكيد الاتصال لا الانفصال بين شمال المغرب و جنوبه، والحاجة إلى القراءة الهادئة ، وسؤال الكتابة الذي يفترض مواصلة توثيق ثقافة الشفهي بالصحراء.
ذ مصطفى حاضيه رصد في بحثه تاريخ وواقع ، ومعالم وحصيلة وآفاق السوسيولوجيا والأنتربولوجيا بالأقاليم الصحراوية . ورهاناته وآفاقه المستقبلية مذكرا بكتابات المؤرخين المغاربة والإسبان في هذا المجال . بينما سلط
د علي الكاسمــي من خلال مقاله: مساهمة في تحديد سوسيولوجيا المجال البيضاني الضوء على مجال البيضان الذي يمتاز بوحدة اللغة والعادات والتاريخ المشترك. ليس فقط كمجال جغرافي، بل باعتباره أيضا مجالا سوسيوثقافيا ،يحتوي مجموعة من القيم والعادات وما إلى ذلك (الثقافة الاجتماعية).
المحور الثاني : في رحاب التاريخ تضمن أربعة أبحاث مهمة، فقد كتب د. أحمد البوزيدي عن الجذور المغربية للقبائل الصحراوية (المسار التاريخي ورابطة البيعة) من خلال تتبع المسار التاريخي و التحولات التي عرفتها قبائل الصحراء المغربية، سواء في علائقها مع المخزن المركزي منذ العصور الوسطى، أو في علائقها مع قبائل المناطق الشمالية باعتبار أن المناطق الصحراوية بصفة عامة كانت معبرا لأهم القوافل التجارية التي تربط بين المغرب شمالا والبلدان الإفريقية جنوبي الصحراء.
د-قاسم الحسيني حلل البعد التاريخي لمغربية الصحراء من خلال الرحلة المعنية والسياق التاريخي والسياسي
الذي تمت فيه هذه الرحلة التي انطلقت من السمارة صوب البقاع المقدسة، وخطها النفسي والفكري منذ الانطلاقة حتى العودة وتوقفها في تطوان ،وأبرز دلالات الرحلة ذات البعد التواصلي بين المغرب والمشرق والبلدان التي تقع على مسالك الطريق إلى الحجاز.
ذ-الحسين باتا ومن خلال وثائق تاريخية متعددة رصد حركية وادي نون التجارية من خلال مقاله: نظرة إلى قرنين من تاريخ التجارة بشمال الصحراء عرف فيه بنماذج لعائلات مارست التجارة بواد نون والمبادلات التجارية والمعاملات المالية بين وادنون و تينبكتو في القرنين السابع عشر والثامن عشر .
د. علي الكاسمــي في مقاله القبيلة الصحراوية :التحديد و المسار إلى الاستقرار نموذج قبيلة أعريب ناقش تعريف وتحديد مفهوم القبيلة،والأصول والمسار التطوري لقبيلة اعريب بواحة محاميد الغزلان التي تعتبر إحدى القبائل الصحراوية الحسانية،التي لم يكتب عنها إلا القليل .
المحور الثالث:بيئة ومجتمع الصحراء كان غنيا، ففي مقاله البيئة و البادية: منابع التنمية، قدم ذ عبد الله الحيرش مونوغرافيا للنبات والحيوان بالصحراء وخصائص التربة الصحراوية،إضافة إلى تصنيف بيئي للأعشاب والنباتات الطبيعية ووضعية الثروة النباتية و الحيوانية في بادية الصحراء مركزا على ضرورة توظيف هذه الثروة في التنمية المستدامة للمنطقة .
أما د محمد دحمان فقد تطرق إلى الحيــاة الاجتماعية بالأقاليم الجنوبيـة مقدما جردا لمختلف القبائل وفروعها ومختلف الحرف والصنائع في المجتمع التقليدي الصحراوي، وتقاليد الزواج والأعراس، ومكانة المرأة في المجتمع الصحراوي و عادات الترويح لدى سكان الصحراء.
الأستاذ سعيد ولد مولود قدم قراءة في كتاب «زمن القبيلة –السلطة وتدبير العنف في المجتمع الصحراوي-»
للدكتور رحال بوبريك، بينما عدد ذ.محمد البوزيدي في مقاله الخيمة في مجتمع الصحراء مختلف الأدوار المختلفة التي تقوم بها الخيمة ودلالاتها ومكوناتها والأجزاء الثلاثة عشر التي تتكون منها، مقدما مقارنة لوضعية الخيمة بين الأمس واليوم . كما قدم ذ حبيب الله أبو الحسني دراسة وافية لمنهج المدرسة الصوفية في التربية والتكوين بالأقاليم الجنوبية.
المحور الرابع خصص للأدب الحساني وتضمن مقالا للحبيب عيديد حول النزعة الإنسانية في شعر سيدي محمد الداه رحمه الله أبرز فيه مختلف الأغراض الشعرية التي أبدع فيها والصور واللغة التي اختارها كأداة للتعبير عن رؤيته .
ذ – محمد مولود الأحمدي تطرق للنزعة الرومانسية في الشعر الحساني (لغْنَ) من خلال التركيز على غرض الأطلال الذي قسمه إلى ستة أقسام أساسية وهي: الطلل الوجداني والطلل الاستشكالي، والنسيب والطلل الخطابي والطلل التصويري والاستسقاء.
أما د- إسماعيـل هموني فقد حاور الحسانية كمنطق للتفكير عند إنسان الصحراء (البدوي) من النسق التداولي إلى السياق اللغوي، إلى النسق الثقافي.واختتم المحور بنص من كتاب يوميات سندباد الصحراء للمبدع عبد العزيز الراشدي الذي تم توقيعه في فعاليات الملتقى : أما الجزء الثالث والأخير فقد تضمن ملاحق تضمنت الكلمات التي ألقيت في الملتقى ومختلف الصور التي توثق له .
ويعتبر كتاب ثقافة الصحراء : مدارات الهوية والانتماء الذي يضم 420 صفحة من أهم الكتب بذلك الحجم الكمي والكيفي الذي يرصد ثقافة الصحراء من زوايا مختلفة ، كما يعد الثاني من منشورات جمعية الشعلة للثقافة والتربية ببوجدور بعد الكتاب الذي صدر قبل سنتين وهو :الصحراء فضاء للحضارة والفكر والإبداع


الكاتب : م محمد البوزيدي

  

بتاريخ : 27/03/2025