ماهي العلاقة بين الكتابة والصحراء؟ وكيف تلازمتا منذ زمن بعيد؟ ألم تكن الكتابة مرتبطة بالصحراء، هل هناك حدود للكتابة في الصحراء أم لا حدود لها مثل كثبان الرمال؟ وأيهما أقرب إلى ثقافة الصحراء: الكتابة أم الشفاهية؟
إنها تساؤلات عميقة تنبعث ونحن نتأمل المتون والمؤلفات التي اتخذت من الصحراء تيمة لها. فلقد شكلت الصحراء دوما فضاء غنيا بامتياز وباعثا على الإبداع والتدوين. بإرثها التاريخي العميق ،وبتنوع تضاريسها، وغنى مواردها الطبيعية التي تجمع البحر والبر في التحام وتناسق جميلين ،كما شكلت ملتقى للحضارات المتعاقبة على المغرب ، لذلك نبغ منها شعراء عديدون ومفكرون كانوا من رموز زمانهم ، ومثقفون ألفوا وأنتجوا كتبا ما يزال بعضها رهين خزانة المخطوطات ينتظر التنقيح وإخراجه من ركام الأتربة ليستفيد منه الأحفاد بعدما أنتجه الأجداد منذ زمن غابر
على سبيل الختام
انطلاقا من القراءات الآتية يمكن تلمس الخلاصات العامة :
إن حركة التأليف حول الصحراء لم تنقطع منذ قرون مضت، لكن يمكن تقسيمها إلى ثلاث مراحل :فقبل القرن العشرين كان الفقهاء وأصحاب الزوايا وعلماء المنطقة يكتبون في الفقه والأنساب ويوثقون الحياة العامة والرحلات،ومنذ مطلع القرن العشرين إلى غاية السبعينيات منه كانت هناك أبحاث بمنهجيات جديدة للكتاب الاسبان والفرنسيين بخلفيات استعمارية ، وبداية من سنة 1975 تميزت بمواصلة الكتابة حول المنطقة ويمكن اعبتار كتاب د الجراري ثقافة الصحراء الصادر سنة 1978 باكورة هذه الكتابات قبل أن تتواصل العملية بداية من نهاية ثمانينات القرن الماضي لتتميز بتعددها المحوري والعددي بداية من القرن الحادي والعشرين .
تميزت حركية الكتابة بوتيرة متسارعة انطلاقا من بداية القرن الحادي والعشرين انطلاقا من التفاعل مع التغيرات التي عرفتها الصحراء على مستوى تشجيع البحث العلمي واحداث تخصصات جامعية . وتنوعت بين الأدب خاصة الشعر والأبحاث السوسيولوجية والمونوغرافيات المحلية المختلفة….
في إطار حيوية المؤسسات الثقافية وموازاة مع تشجيع الدولة وتمويلها لتنظيم ندوات فكرية حول الصحراء بمختلف مدن الأقاليم الجنوبية ظهرت الكتب الجماعية مما أغنى الحقل الثقافي المغربي بمؤلفات متعددة المحاور والاهتمامات.
إن أغلب الكتب الصادرة ألفها أبناء المنطقة،والذين أغنوها بكتابات متميزة جدا جعلت الكتابة حول الصحراء تدخل منعطف التخصص في مجالات متعددة، وهكذا يمكن الحديث – مثالاً لا حصراً- عن مساهمة د ادريس نقوري في الأدب وعلم الأنساب، والأستاذ إبراهيم الحيسن في الانتروبولوجيا الثقافية والجماليات، و د مصطفى ناعيمي ود رحال بوبريك ود. محمد دحمان في السوسيولوجيا .
تؤكد أغلب الندوات المنظمة والتي جمعت في كتب جماعية على ضرورة إنقاذ التراث الشفهي من الاندثار فرغم المجهودات المبذولة ،فمازال يتعين فعل الكثير لجمع الرواية الشفهية قبل فوات الأوان خاصة من عند الشيوخ وكبار السن .
تشكل الزوايا جزءا هاما من فضاء الصحراء، لذلك لا يخلو أي كتاب من التعرض لذكر الأولياء والزوايا سواء من بعيد أو من قريب ويمكن اعتبار دراسة د الظريف حول زاوية الشيخ ماء العينين متميزة في هذا المجال.
إن بعض الكتب تعتمد على روايات شفهية ومراجع موريتانية أو إسبانية مما يطرح سؤالا عميقا حول غياب مراجع مغربية توثق للمسار التاريخي والحياتي للصحراء .
رغم الحديث عن وجود خزائن للمخطوطات العلمية، فإن المخطوطات التي تم تحقيقها بمنهجية علمية متميزة معدودة على رؤوس أصابع اليد الواحدة.كما أن أغلب الكتب لم تتطرق لها ،وذلك راجع لعقلية عدم تقديم الوثائق للباحثين لخلفيات ضيقة.
رغم اعتمادها في مجموعة من الكتب كمراجع، فمازالت مجموعة من المصادر المهمة خاصة الاسبانية والفرنسية لم تتم ترجمتها مما قد يفيد في تعميق البحث التاريخي حول الصحراء.
إن كل الكتب تؤكد وبوثائق مختلفة على حقيقة تاريخية أن الصحراء ذات جذور مغربية، وأنها لم تكن أرض خلاء بل عرفت حضارات متعاقبة امتد تأثيرها لداخل المغرب بل إن الملك مولاي إسماعيل تزوج صحراوية اسمها خناثة بنت بكار.
تتميز الصحراء بغنى الثقافة الشفهية مقارنة بالثقافة العالمة خاصة الشعر لكن للأسف وباستثناءات قليلة فليس هناك مرجع ضخم أو أطروحة توازي ما يوجد من أشعار .
تشكل القبيلة والآليات المتحكمة في صيرورتها جزءا من أسرار عوالم الصحراء لذلك لايغفل أي مؤلف هذا الجانب من زوايا مختلفة ،ويمكن اعتبار الكتاب الأخير لرحال بوبريك *زمن القبيلة *مساءلة لراهن وآفاق هذا المكون الأساسي في المجتمع.
إغفال الكتب الصادرة للتحولات والأحداث التاريخية للصحراء منذ سنة 1975 إلى الآن، فهل تكمن الخلفية في محاولة عدم سقوط المثقف الأكاديمي في مواقف سياسية وحفاظه على الاستقلالية، أم وعدم خلط الخطاب العلمي المحض بالسياسي المتغير الذي لا يستقر على حال .