الناقد المغربي محمد برادة لـ «الملحق الثقافي» : عـلينا أن نبحث عن منهج نقدي يضيء الأنواع الجديدة من الكتابة

عرف المشهد النقدي العربي منذ ستينيات القرن الماضي، ظهور تصورات نقدية حديثة، حاولت استنطاق الظاهرة الأدبية ومقاربتها على كافة المستويات قصد استجلاء العناصر الفكرية والجمالية التي يتضمنها العمل الأدبي وتقويمه، وظهور مناهج ونظريات ساهمت بشكل كبير في مراجعة التفكير والممارسة النقدية، مما أدى إلى ولادة حقل معرفي جديد، وُسِمَ بنقد النقد.
ومن النقاد الأوائل الذين اهتموا بنقد النقد الأدبي نجد محمد برادة في كتابه»محمد مندور وتنظير النقد العربي»، الذي يعد من أهم الدراسات التي اهتمت بهذا المجال تنظيرا وتطبيقا. سعيا منا لتعميق تصورنا لنقد النقد في النقد العربي، أجرينا حوارا مع الناقد الخبير محمد برادة حتى يتسنى للقارئ الاقتراب من مفهوم هذا الناقد لنقد النقد، وتصوره لوظيفته في الارتقاء بالممارستين النقدية والتنظيرية.

 

في كتابكم «محمد مندور وتنظير النقد العربي» شددتم على الأهمية التي يكتسبها نقد النقد بالنسبة للنقد العربي..ما هو مفهومكم لنقد النقد أولا؟

نقد النقد هو عملية نريد بها أن نقوم بنوع من الغربلة لما سبق، فهناك مناهج سابقة قدمت إنتاجها، وعندما آتي كناقد في فترة السبعينات بعد سنوات العشرينات والثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي، وهي الفترة التي عاش فيها محمد مندور، نجد أن المناهج تغيرت، وبالتالي نضع السؤال: هل هذه الحصيلة لإنتاج مندور لا يزال لها تأثير في الحقل النقدي العربي؟ وعندما نعود إلى الأصول نجد أن محمد مندور درس في السوربون في فترة معينة، كانت تطبق فيها مناهج كوستاف لونسون، والانطباعية وما إلى ذلك، وهو لم يتعد ذلك، والدليل أن معظم كتب مندور التعريفية جاءت في شكل تعريفات مقتضبة وأحيانا مخلة. وبالعودة إلى سنوات السبعينات وقراءة ما كتبه على ضوء ما هو مطروح في الساحة الأدبية، وما له من تفاعل مع ما ينتج من أدب، وجدت أن هذه الآليات وهذا المنهج الذي كان يعتمد عليه لا يفي بالغاية، ولا يستطيع أن يحلل الرواية تحليلا عميقا ولا الشعر أيضا. فعندما نقول «نقد النقد» يجب أن نقيسه بسؤال مهم: هل نقد النقد يرتقي ويصل إلى نوع من الإجابة عن الأسئلة التي يطرحها الإبداع الأدبي؟ أم أنه لا يضيف شيئا ولا يضيء جوانب؟ ولذلك لابد من الأخذ في الاعتبار أن الأدب هو مفهوم متحول وليس ثابتا. لا نقول إن الأدب كان القدماء يعرفونه بشكل مختلف، قد تكون بعض العناصر مشتركة، ولكن الأجناس الأدبية منها ما ولد ولم يكن قائما أو متبلورا، فهذه الأشياء تغير مفهوم الأدب. وعندما يتغير مفهوم الأدب، يصبح سؤال النقد أيضا متغيرا، إذن فنقد النقد هو عملية غربلة للإنتاج السابق وعملية بلورة منهج ومفاهيم ملائمة للأدب الجديد. لذلك فهو كما أخذ وجوده أو نشأته في العصر الحديث، يهتم بالمفاهيم والمصطلحات. ما هي أصولها؟ هل هي أصول سوسيولوجية؟ أو أصول فلسفية؟ بعبارة أخرى البعد الإبستمولوجي المعرفي لابد أن نأخذه بالاعتبار، فمفهوم نقد النقد المفروض فيه أن يوجد في كل العصور، فأحيانا نجده قديما يكون في شكل مساجلات بين النقاد أو آراء عن السرقات أو ما إلى ذلك، بينما الآن أصبح نقد النقد يفرض نفسه عندنا، لما انتقلنا من مرحلة أدبية إلى مرحلة أخرى، حيث كانت مرحلة كلاسيكية واقعية، ولكن بعض الطلائع الأدبية بدأت تخلق نقدا جديدا.

 في نفس الكتاب تبنيتم منهج البنيوية التكوينية، ومن المعروف أن الحركة النقدية اليوم تعرف مناهج جديدة من قبيل النقد الثقافي والمنهج التفكيكي والدراسات الثقافية ونظرية ما بعد الاستعمار…، برأيكم أستاذي إلى أي مدى ترون أن هذا المنهج ما زال قادرا على إمداد الباحثين بما يفيد في فهم التحولات والتطورات التي يعرفها الأدب العربي المعاصر؟

ليس هناك منهج صالح لكل زمان، لأن المنهج مرتبط بثقافة العصر وتطور الأدب، وبالإبداع ومدى تفاعل القراء معه. فالبنيوية التكوينية تكون صالحة إذا كانت أسئلة الناقد تقتضي أن تطبق المنهج البنيوي التكويني. باختصار المنهج البنيوي التكويني يروم إبراز أو توضيح العلاقة بين المجال الاجتماعي والشروط الاجتماعية التي يعيش فيها الكاتب والمبدع وكيف تؤثر، وما هي الأشكال والدلالات التي يعبر عنها، إذ نقول إن كل إنتاج كيفما كان، لا يستطيع الانفلات أو الابتعاد عن الشروط المجتمعية من جهة، والتفاعل مع الأشكال الموروثة أو الحديثة من جهة أخرى. فإذا كان الناقد يريد الوصول إلى هذا فعليه أن يوضح أن الرواية أو الشعر يكتسبان قيمتهما ووجودهما في ظروف معينة ..، ويمكن لنفس العمل أن يتعرض لسؤال مختلف: هل هذه الرواية تعبر عن ظاهرة نفسانية وهي علاقة الإنسان بالقلق؟ هنا تصبح المصطلحات والخلفية المعرفية لها مجال آخر ومعرفة مختلفة؛ إذن منهج البنيوية التكوينية يمكن أن يستثمر، ويوظف حسب الأسئلة التي يريد الناقد أو الباحث أن يطرحها على الإنتاج، أو الاشتغال بالمنهج التاريخي أو ما إلى ذلك، فبالبنيوية التكوينية ليست هي المنهج الوحيد الذي يمكن أن نلجأ إليه في قراءة هذه الأعمال.

 تميزت نظرتكم للمنهج بنوع من الاختلاف والتميز مقارنة مع مجموعة من النقاد العرب، إذ بالنسبة لكم ليس المنهج هو الأساس في دراسة العمل الأدبي، هناك كذلك النص الذي ينبغي أن يركز عليه الباحث، هل من توضيح أكثر حول تصوركم لهذه القضية؟

الواضح أن المنهج ليس غاية في ذاته، فعندما نقول نحن باحثون في الأدب أو في النصوص الأدبية أو نقاد، ليس المقصود هو أننا نعرض مبادئ وأسس هذا المنهج، ولكن نوظفها لنضيف شيئا إلى قراءة هذا العمل. يمكن هنا أن يكون العمل المدروس من القرن الثالث الهجري ولكن بمنهج جديد.فعلى ضوء الأسئلة التي تهمنا نحن الآن، يمكن أن نضيف شيئا جديدا، من هنا فالعلاقة بين النص والمنهج تكمن في إعطاء الأسبقية للنصوص فهي التي توحي لنا بالأسئلة، فعندما نقرأ رواية يتبادر إلينا السؤال: لماذا نقرأها؟ وماذا نريد منها؟ وما هي انطباعاتنا الأولى؟ نبدأ بطرح مجموعة من الأسئلة، وبالتالي فالتفاعل مع النصوص هو الذي يرشدنا ويعيننا على اختيار المنهج، سواء أكان نفسانيا أو سيميائيا أو تكوينيا…، إذن النقد الأدبي بشكل عام لا يمكن أن يوجد بدون نصوص، بل يجب أن يكون للإضاءة والتفاعل معها وللتأريخ لها وأشياء كثيرة. فعندما ننطلق من النصوص وتتبلور لدينا أسئلة نريد أن نبرزها أو نوضحها أو نضيفها في قراءتنا، على أساس ذلك نختار المنهج الملائم، وهذا لا يمنع أن نجد بعض النقاد يطبقون أكثر من منهج، فيبدأ بالتحليل اللساني للخطاب، ويرتئي أن هناك أبعادا سوسيولوجية أو فلسفية، والإلحاح على الانطلاق من النصوص يجنبنا من ألا نقع في «المنهاجوية»، أي أننا نُـشِـيد بالمنهجية أو المصطلحات ولا نضيف شيئا إلى النصوص، وبالتالي يصبح المنهج زائدا غير وظيفي ولا يؤدي وظيفة.

كيف تقيمون مشروع نقد النقد اليوم في ظل كل هذا الزخم من الآراء والمواقف والاختلافات بصدد مفهومه ووظيفته؟

إن نقد النقد أفهمه كما قلت بمعنى أنه ضرورة لبلورة اتجاه جديد، فيلجأ إلى مناقشة الحصيلة السابقة ليقترح أفقا آخر في النقد يقتضي تـبلوره المرور بمراحل طويلة. مثلا، في بداية النهضة كانت مدرسة الإحياء، ومدرسة شوقي حيث إن الشعر الحديث لم يبدأ في الوجود إلا في الأربعينيات من القرن الماضي، عندئذ القصيدة لم تعد عمودية فاقتضت التجديد في المنهج، إن العمل على بلورة هذا التجديد تتم عبر منهج مغاير. إذن أنا أفهم أن نقد النقد يؤدي وظيفة غربلة ما تراكم أو تحقق للتمهيد إلى مرحلة جديدة، ويكون مبررا وفاعلا عندما يمهد للانتقال من مرحلة إلى مرحلة في الأدب وفي طريقة فهمه ونـقده. من هنا يأتي التفكير في الانتقال من المنهج الانطباعي التقليدي إلى منهج بنيوي أو نفساني فهو مرتبط بهذا، ولذلك عندما نقول هذا الكلام الآن وسط هذا الزخم من الآراء والاختلافات فالأمر ليس في نقد النقد، وإنما في التعايش بين المناهج، ما يسمى بالمناهج الحديثة التي تدرس في الجامعة، وبالتالي فنقد النقد يكون موضوعا مهما داخل زمنية تنتقل من مرحلة إلى مرحلة أخرى؛ فمثلا الآن يطــرح سؤال :كيف تُكتَـب رواية في عصر الثورة الرقمية؟ هل نكتبها كتابة أم بالصوت؟ فهذه مرحلة، وفي هذه الحالة يجب أن نبين أن النقد المكتوب أو النقد المنهجي النفساني أو السيميائي لا يجدي، وأن عـلينا أن نبحث عن منهج نقدي يضيء هذا النوع الجديد من الكتابة…

 باعتباركم ناقدا ومنظرا للرواية..كيف تنظرون إلى علاقة الرواية العربية بالنقد.. ألا تعتقدون أن الرواية العربية تبدو متقدمة على النقد الذي لا يزال يحاورها بمفاهيم وتصورات تعود إلى الثمانينيات؟

أولا، فترة الثمانينيات ليست قديمة، والمنهج لا يمكن أن يتطور كل عشر سنوات بل يأخذ وقتا، وهذا الوقت يأخذ فترة زمنية طويلة ويأتي نتيجة تحولات في المعرفة وفي وسائل الكتابة. أما الجواب: أنا لا أجد أن هناك تقدما في الرواية بهذا المعنى لأنه من الصعب أن نحكم بتقدم جنس تعبيري على جنس تعبيري، ونقول إن الشعر أقل من الرواية، أو الرواية أقل من الشعر، لأن هذه القضايا تكون ثانوية والأجناس الأدبية في صعودها أو ما تتعرض له من تحوُّل، هي خاضعة لبنيات اجتماعية ثقافية معينة، تجعلنا نقول هذا عصر الرواية وعصر الشعر لكن هذه المسائل تقليدية، لأن الأجناس الأدبية تستمر بالرغم من تطورها إلى أجناس أدبية أخرى، إذن الأمر لا يتعلق بتقدم جنس على جنس وإنما الرواية لعدة عوامل في تكوينها تستوعب كل الأجناس، وتستطيع أن تنتج مسرحة مع الصورة ومع البحث الاجتماعي..، واستطاعت في فترة ما بعد الستينات أن تخترق نوعا ما المجتمعات العربية، وتكشف عن المسكوت عنه الذي لا يريد المجتمع الكشف عنه أو تجاهله عمدا حفاظا على التقاليد. فالرواية استطاعت أن تذهب بعيدا في التشخيص، وتمّ الكشف عن مناطق كانت مغيبة أو محظورة أو موضوعة تحت الوصاية، وهذا التفاعل كذلك استفاد من الرواية العالمية من تولستوي ودوستوفسكي ونصوص من أمريكا اللاتينية عندما نقرأها مترجمة بشكل ما أو باللغات الأجنبية. وما حصل ليس هو تقدم الرواية عن النقد، بل إن الرواية عندما اختارت الأشكال العالمية حققت أشياء مهمة. فهنا لا يمكن أن نقول إن العرب لم تكن لهم رواية، بل العكس لهم نصوص سـردية متنوعة، ولهم رواية ألف ليلة وليلة … الأدقّ هو أن نقول بأن كل ثقافة أضافت شيئا للرواية العالمية. كل الثقافات بدون استثناء أضافتْ، وهاته الإضافات تتفاعل من خلال الترجمة، فالروائيون سواء في المغرب أو العالم العربي قرأوا روايات عربية وانتبهوا إلى الأشكال واقتبسوها، ومهمة النقد هي أن يوضح هل هذا التفاعل أو الاقتباس هو قائم على معرفة وَتمثل أم أنه سطحي؟ هذه مسألة ثانية، والنقد هنا يمكن أن يبينها. ولذلك إن النقد العربي رهان لم يستطع أن يحيط بكل الإنتاجات العربية لكونها أصبحت كثيرة، ففي كل سنة تصدر روايات كثيرة، وهذه العملية تلقي على عاتق النقد مسؤولية أكبر: كيف يستطيع أن يلملم هذه الروايات حيث إن الفضاء العربي يحتوي على أكثر من أربعمائة ألف مليون نسمة، لهم لغة مشتركة؟ فهذه ميزة، حيث يمكن أن نقرأ روايات كويتية وسورية، وتونسية وأن ندرس البنيات الشكلية وعلاقات الدلالة، هذا شيء يوجد ولكن قليل. لهذه الأسباب الكثيرة لا يمكن أن نتحدث عن تقدم جنس على جنس أخر.

 كيف تقيمون وضع النقد العربي المعاصر؟ هل تجاوز إشكاليات المثاقفة التي نبهتم إليها في كتابكم «محمد مندور وتنظير للنقد العربي»؟

يجب أن نؤكد على أن المثاقفة عنصر ضروري للحياة وتطور الثقافات والمجتمعات، ولذلك المشكلة ليس تجاوز إشكالية المثاقفة، ولكن كيف نجعل من المثاقفة عنصرا ضروريا ايجابيا متطورا داخل حقلنا الثقافي الإبداعي؟ وكيف يمكن أن نستفيد مما أنجزه الآخر، وما معنى الاستفادة مما أنجزه الآخر؟ عمليا إلى اليوم يصعب أن نقول إن المجتمعات العربية والجامعات العربية تنتج معرفة، هي تتعيش على ما ينتجه الآخر ولذلك تصبح المثاقفة هي نافذة للتطور والتغير وإعادة صوغ الأسئلة، وبالتالي المثاقفة تتم عبر وسائط متباينة مثلا الاستعمار الفرنسي في المغرب كان وسيلة للمثاقفة، ويمكن أن تكون عنصرا ايجابيا لأننا لا نساهم بالقدر الكافي في العلوم والمعارف، وفي نفس الوقت يمكن أن تكون لها جوانب سلبية تتمثل خاصة في عدم فهم ثقافة الآخر، إننا بدل أن نستوعب فكر الأنوار في القرن 18عشر، والفكر الفلسفي في القرن 19عشر، نكتفي فقط بمصطلحات سطحية، فهذا الفهم السلبي قد يؤدي إلى سطحية في التمثل، وهذا عشناه وربما موجود إلى الآن منذ ثلاثين سنة عندما بدأنا ننفتح على المناهج النقدية الحديثة، وجدنا من يأخذون مصطلحات ويطبقونها تطبيقا خارجيا بدون أن يجعلوا النصوص تتطابق في تحليلها، فبدل أن يحكوا عن الرواية أو الشعر أو القصة لا يضيفون شيئا ويصبح هذا الحديث مجرد اجترار وتضيع الطريق. فيجد نفسه أمام ترسانة من المصطلحات غير مفهومة أو مصطلح متعدد الدلالات ومع مرور السنوات يتغير، وبالتالي يصبح هذا هو الجانب السلبي في المثاقفة.
إذن بالنسبة لعلاقتنا بالمثاقفة يتبين أن لها جانبيْن :جانب التعرف على ما أنتجته الثقافات الأخرى، والارتــقاء إلى مرحلة الإسهام فيها وتطبيقها تطبيقا خلاقا يعيد للنصوص أبعادا جديدة ويربطها بالآخر، سواء كانت قديمة أو حديثة؛ ويكون هذا هو الجانب الايجابي للـمثاقفة التي تـرتبط بتفاعُـل الثقافات في العالم؛ أما الجانب السلبي فيتـمثــلُ في كثير من الكتب وبعض الأطروحات الجامعية التي تكتفي بتسطير المفاهيم دون أن تفهمها، من ثــمّ تــقــعُ في الـخلط والإبـــهــام ولا تســتـطيع أن توظف المثاقفة ضـمنَ شـروط مُــخصِــبة.


الكاتب : أجرت الحوار الباحثة زهور العزوزي

  

بتاريخ : 05/03/2021