اليسار الجديد وقضية الصحراء المغربية -14- هل هناك شعب صحراوي؟

بعد أن استعرضنا في الجزء الأول أهم الأفكار والأطروحات التي تأسست عليها مواقف منظمة « إلى الأمام» و « منظمة 23 مارس» و» ولنخدم الشعب»،
نستعرض في هذا الجزء أهم الأطروحات النظرية والسياسية للفقيد عبد السلام المودن، وللأستاذ علال الأزهر المنبهي بوصفهما قياديين بارزين من مؤسسي اليسار المغربي الجديد، ومن الكوادر التاريخية لمنظمة 23 مارس. وتلتقي كتابات الفقيد عبد السلام المودن، وكتابات الأستاذ علال الأزهر في دحض الأطروحات الانفصالية، في أبعادها السياسية، والوطنية، والقومية، والاشتراكية في مرحلة دقيقة من الصراع الداخلي الذي كان يتجاذب مواقف التنظيمات الثلاثة، سواء من داخل تجربة السجن ، أو خارجه. ولتيسير مقروئية هذه المواضيع سنعمل على استعراض أهم مضامينها، وخلاصاتها حسب التسلسل الوارد في المصدرين اللذين اعتمدناهما في انجاز هذا الملف.

بعد تفنيده لأطروحة ” تقرير المصير” من داخل الأدبيات الماركسية، ينتقل الفقيد عبد السلام المودن لطرح السؤال الحاسم : هل هناك شعب صحراوي ؟، ولماذا لم يؤسس دولته في السابق ؟.
يجيب عبد السلام المودن.بعد انتهاء عصر الإمبراطوريات (الفاطمية، والمرابطية، والموحدية، والمرينية) التي توالت على منطقة المغرب العربي الكبير، دخل تاريخ هذه المنطقة عصرا جديدا، هو عصر انطلاق صيرورة تشكل دول وطنية. إن هذه الصيرورة التاريخية ستقود إلى تشكيل ثلاث دول في المنطقة هي: المغرب والجزائر وتونس.
والسؤال: ما موقع الصحراويين من هذه الصيرورة التاريخية؟. ولماذا لم يؤسسوا دولتهم منذ تلك الفترة التي بدأ فيها الغزو الوطني على الصعيد الجهوي؟
الجواب بسيط: لأن مصيرهم لم يكن مفصولا عن مصير إحدى الدول الثلات الآخدة في التشكل، وهذه الدولة هي الدولة المغربية.
إن تاريخ منطقة المغرب العربي الكبير، يؤكد لمن أراد دراسته بموضوعية، بأن الصحراويين كانوا مندمجين في الحياة الإقتصادية والإجتماعية والسياسية والدينية للدولة المغربية. وهذا الإندماج لم يكن يتم فقط من موقع التأثر المنفعل بأحداث الأقاليم المغربية الأخرى، بل أيضا من موقع المؤثر والفاعل في تلك الأحداث نفسها.
إن علاقة التفاعل المتبادل بين الإقليم الصحراوي والأقاليم المغربية الأخرى، يمكن تحديدها في الجوانب التالية:
1- على الصعيد التجاري: فحتى بعد العصر الإمبراطوري ،وما رافق ذلك من تراجع للدور التجاري الذي لعبه المغرب كوسيط-عبر الصحراء-بين افريقيا السوداء والشرق العربي وأوربا، فإن الصحراء احتفظت بدورها التجاري التقليدي بالنسبة للتجارة المغربية الخارجية. إذ ظل التجار المغاربة يستعملونها كواجهة لتصدير منتوجات الصناعة التقليدية المغربية إلى السينغال والجزائر والشرق، واستيراد البضائع الأجنبية ،و عبيد إفريقيا السوداء الذين كانوا يستخدمون كعمال زراعيين في واحات تافيلالت. وكخدم في بيوت الاقطاع والتجار.
إن هذا الدور التجاري الحيوي للصحراء بالنسبة للحياة الاقتصادية المغربية، لم يختف إلا في نهاية القرن الماضي بعد سيطرة الرأس المال الإحتكاري الإمبريالي على الشواطئ المغربية الجنوبية. ومن القضاء على تجارة القوافل الصحراوية لتحل محلها تجارة السفن البحرية.
2- على الصعيد العسكري: لقد مثلث الصحراء عمقا استراتيجيا بالنسبة للصراعات الطبقية بين مختلف أجنحة الإقطاع المغربي. إن أبرز مثال على ذلك هو التالي: بعد تفكك الدولة السعدية، نشب صراع عنيف على السلطة بين ثلاث قوى إقطاعية هي: الزاوية الدلائية التي كانت تسيطر على الأطلس المتوسط والأقاليم المجاورة، والزاوية السملالية التي كانت تسيطر على منطقة سوس، والعلويون الذين كانوا يسيطرون على تافيلالت-وادي درعة.
إن الهزيمة العسكرية التي تلقاها العلويون على أيدي السملاليين في بادئ الأمر، ستجعل العلويين يضطرون الى الانسحاب إلى الصحراء لإعادة تنظيم أنفسهم. وفعلا، إن هذا التراجع إلى العمق الصحراوي، هو الذي مكن العلويين من الحفاظ على قواهم ومن الزحف إلى الأقاليم الشرقية للقيام بتحالف مع زاوية تازة، وبالتالي من استئناف الصراع الذي سينتهي بسحق أعدائهم السملاليين والدلائيين.
3- على الصعيد الديني: لقد لعب الإشعاع الديني الصحراوي، وخاصة الإشعاع المنبعث من مركز سمارة، دورا مؤثرا في الحياة الدينية المغربية.
ونفس الشيء في الإتجاه المعاكس: لقد كان الصحراويون يرون في سلطات المغرب الرمز الديني لوحدة البلاد الدينية.
4- على الصعيد الإجتماعي: إن الإندماج بين سكان الصحراء الغربية وسكان الأقاليم الجنوبية، هو اندماج واضح.
5- على الصعيد السياسي: إن هذا الاندماج يمكن تسجيله من خلال الإعتبارات التالية:
أ-بعد انفتاح المغرب على التجارة الأوربية في النصف الثاني من القرن الماضي(ق.19)، انخرطت الدولة المركزية في عملية التبادل التجاري من خلال تصدير الحبوب والجلود، واستيراد بعض المواد المصنعة مثل الشاي والسكر والألبسة. إن المداخيل المالية للدولة، الناجمة عن التصدير وعن الرسوم الجمركية، ستمكنها من شراء أسلحة أوربية حديثة ومتطورة، مما سيقوي من قدرتها العسكرية التي ستستعملها لردع حركة التمرد التي كانت تقوم بين الحين والآخر في جهات متعددة من التراب الوطني. وفي هذه المرحلة بالضبط كثرت الحملات العسكرية التي كانت تجوب كل الأقاليم المغربية، والتي كان يقودها السلطان بنفسه. وفي هذا الإطار تزعم الحسن الأول حملات عسكرية متكررة إلى الأقاليم الصحراوية .
ب- إن حركة ماء العينين- الهيبة، كانت دائما تعتبر الشؤون المغربية شؤونا وطنية تهم هذا الإقليم في الشمال أو الغرب ،كما تهم ذلك الإقليم في الشرق أو الجنوب الصحراوي. ولعل أسطع مثال على ذلك هو موقفها من اتفاقية الحماية سنة 1912. فلقد اعتبرت السلطان المغربي الذي وقع تلك الاتفاقية مع فرنسا سلطانا خائنا لوطنه. ولذلك نزعت منه شرعية الحكم وطالبت بالعرش، ثم نظمت مقاومة شرسة ضد الغزو الفرنسي، مكنتها من الزحف على الأقاليم الداخلية حيث لم تنهزم أمام الجيوش الفرنسية إلا في معركة مراكش.
ج-إن جيش التحرير المغربي الذي خاض الكفاح المسلح ضد الاستعمار الكولونيالي، لم يكن يميز بين هذا الإقليم أو ذاك، كما أن العديد من أطره ومناضليه كانوا من أبناء الصحراء.
يتبين إذن مما سبق أن الاندماج بين الأقاليم الصحراوية وباقي التراب الوطني، هو حقيقة موضوعية ثابتة. طبعا إن هذا الإندماج لم يصل إلى حد الإنصهار الكلي، بل لقد حافظ الإقليم الصحراوي على خصوصيته التي كانت تتمثل أساسا في نمط إنتاج البدو الرحل. لكن ظاهرة الخصوصية لم تكن مقتصرة على الصحراء وحدها، وإنما كانت تشمل معظم الأقاليم المغربية. فأقاليم مثل الريف والأطلس لم تكن تتميز بخصوصية نمط الإنتاج فقط، بل وأيضا بخصوصية اللهجات اللغوية.
وبالطبع ،سيكون من قبيل الطوباوية مطالبة دولة إقطاعية بتحقيق الإنصهار المادي لكل أطراف الشعب الواحد، لأن ذلك يتجاوز حدود الطبقة التي تستند إليها. أما الإنصهار الثقافي الذي هو من طبيعة أخرى، فهو غير مرغوب فيه بالمطلق، لأن الحفاظ على تنوع الخصوصيات الثقافية للشعب هو مصدر إغناء لذلك الشعب وليس مصدر تفقير أو إضعاف له.
ثم إن ضعف الانصهار بين مختلف أجزاء الوطن، لم يكن أبدا ظاهرة خاصة بالمغرب وحده، بل بجميع الدول الإقطاعية. فمثلا رغم أن فرنسا قد عرفت الدولة المركزية منذ قرون قبل الثروة الفرنسية، إلا أنها لم تتمكن من تحقيق انصهارها الوطني الفعلي إلا بعد وصول البورجوازية إلى السلطة وتأسيس السوق. إن ضعف الانصهار القومي في المرحلة الاقطاعية، هو الذي يفسر مثلا الخلاف التاريخي بين فرنسا وألمانيا حول إقليم الألزاس الذي كانت كل من الدولتين تطالب بحقها عليه(…)
ويصل عبد السلام المودن في تحليله إلى خلاصة جوهرية مفادها أن خصوصية الإقليم الصحراوي المغربي لم تكن تختلف من حيث الجوهر في شيء عن خصوصيات باقي الأقاليم المغربية الأخرى. وإذا نحن طبقنا تقرير المصير للصحراء انطلاقا من مبدأ الخصوصية، فإن هذا المنطق، مدفوعا إلى نهايته، سيقودنا حتما إلى تفجير المغرب وتشردمه إلى دويلات قزمية. أليس هذا المنطق سخيفا؟…


الكاتب : تقديم وإعداد: عبد المطلب أعميار

  

بتاريخ : 03/04/2025