بعد أن استعرضنا في الجزء الأول أهم الأفكار والأطروحات التي تأسست عليها مواقف منظمة « إلى الأمام» و « منظمة 23 مارس» و» ولنخدم الشعب»،
نستعرض في هذا الجزء أهم الأطروحات النظرية والسياسية للفقيد عبد السلام المودن، وللأستاذ علال الأزهر المنبهي بوصفهما قياديين بارزين من مؤسسي اليسار المغربي الجديد، ومن الكوادر التاريخية لمنظمة 23 مارس. وتلتقي كتابات الفقيد عبد السلام المودن، وكتابات الأستاذ علال الأزهر في دحض الأطروحات الانفصالية، في أبعادها السياسية، والوطنية، والقومية، والاشتراكية في مرحلة دقيقة من الصراع الداخلي الذي كان يتجاذب مواقف التنظيمات الثلاثة، سواء من داخل تجربة السجن ، أو خارجه. ولتيسير مقروئية هذه المواضيع سنعمل على استعراض أهم مضامينها، وخلاصاتها حسب التسلسل الوارد في المصدرين اللذين اعتمدناهما في انجاز هذا الملف.
بعد الإجابة المنهجية عن السؤالين الجوهريين السابقين (هل هناك شعب صحراوي ؟، ولماذا جبهة البوليساريو حركة رجعية؟، يتساءل الفقيد عبد السلام المودن :لماذا موقف تقرير المصير موقف رجعي ؟. ولماذا موقف « تقرير المصير» ليس خاطئا نظريا وسياسيا فحسب، بل هو أيضا موقف رجعي؟.
إن موقف تقرير المصير حسب عبد السلام المودن موقف رجعي .وهو رجعي من ثلاثة جوانب:
الجانب الأول: لأنه يساند منظمة رجعية بدون أن يخضع موقفه لأي حس نقدي مسؤول مسبق.
الجانب الثاني: لأنه سقط في اللعبة الإمبريالية الكولونيالية. فالإمبريالية كانت قد مزقت التراب الوطني انطلاقا من اعتبارات مصلحة رأس المال الاحتكاري الأوربي، وموقف تقرير المصير يريد ترسيخ واقع التمزق باسم المبادئ المجردة.
الجانب الثالث: لأنه سقط في لعبة الهيمنة البورجوازية الجزائرية.
إن أصحاب تقرير المصير، خشية أن يساندوا النظام المغربي، ومن ثم معارضتهم لحق الشعب المغربي في استرجاع أرضه، قد أصبحوا في الواقع، يساندون الامبريالية والهيمنة والحركات الرجعية. فعداؤهم المشروع للرجعية المغربية قد أعمى بصيرتهم لدرجة أنهم لم يصبحوا يميزون بين الأخضر واليابس.
وفي هذا الصدد ،يحيل عبد السلام المودن على قولة ماركس ردا على المقولة الهيجلية الشهيرة. يقول ماركس: إن التاريخ يكرر نفسه حقا، لكن في المرة الأولى بشكل مأساوي ،وفي المرة الثانية بشكل كاريكاتوي.
كم ينطبق هذا الكلام على العلاقة بين «ماركسيي» اليوم و»ماركسيي» الأمس، في المغرب فيما يخص المسألة الوطنية. إن بعض «الشيوعيين» قد عارضوا مطلب استقلال المغرب في الأربعينيات، بدعوى أن ذلك المطلب يجب ألا يتحقق إلا بعد تحرر فرنسا من النازية. وهم بهذا الموقف لم يبرهنوا فقط، إنهم لا يفقهون شيئا في المسألة الوطنية، بل أيضا إنهم كانوا متخلفين عن البورجوازية المغربية نفسها في قيادة النضال المفروض أن يكونوا طليعيين فيه. ومع ذلك فقد كان ماركس واضحا في هذا الإطار، فلقد تهكم كثيرا على أولئك الذين يريدون تجميد النضال في بعض البلدان بدعوى انتظار حدوث الثورة في البلدان المتقدمة التي ستتولى تحرير البلدان الأخرى…
وحسب الفقيد عبد السلام المودن «إن موقف «ماركسيي» الأمس من المسألة الوطنية قد ساهم بشكل مأساوي، في تهميشهم عن نضال الشعب المغربي، إن موقف «ماركسيي» اليوم من نفس المسألة قد ساهم أيضا، لكن هذه المرة بشكل كاريكاتوري في تطويقهم بعزلة قاتلة.
ومع ذلك فللحقيقة والتاريخ، إن «ماركسيي» الأمس قد تداركوا خطأهم وصححوه. أما «ماركسيو» اليوم، فهم ليس فقط لم يفعلوا ذلك بل إن موقفهم نفسه ظل يعاني من مسلسل من التخبطات النظرية. إن هؤلاء السادة لم يستطيعوا في أي يوم من الأيام أن يبلوروا رأيا منسجما ومتماسكا وثابتا. والذي عاش الصراع معهم عن قرب، لا بد وأن يدرك بأن تاريخ موقفهم هو تاريخ الانتقال من تخبط إلى تخبط. في الملحة الأولى، لم يكونوا يستعملون مفهوم «الشعب الصحراوي»، بل مفهوم «الجماهير الصحراوية»، وكانوا يطرحون هذا الشعار: «إعادة توحيد الشعب المغربي وجماهير الصحراء على أسس وطنية ديمقراطية».
وفي المرحلة الثانية، قادتهم ذيليتهم للبوليساريو إلى تبني مفهوم «الشعب الصحراوي».
وفي المرحلة الثالثة، بلوروا «نظرية» ذاتية مثالية تماما أطلقوا عليها اسم «استراتيجية الثورة في المغرب العربي». وهم حين توهموا بأن التغيير سيأتي بفعل نضال «الشعب الصحراوي»، لم يبرهنوا بذلك فحسب عن تفاهتهم النظرية، وإنما أيضا على استهانتهم (إن لم نقل احتقارهم) لنضال الشعب المغربي.
وفي المرحلة الرابعة، لقد انهارت أوهام تلك «النظرية» المثالية أمام عناد الواقع المادي الموضوعي، فتخلوا عنها ولم يعودوا يبررون موقف تقرير المصير إلا من منطلق «ديمقراطي» صرف.