التنظيم أم الهيمنة؟ قراءة دستورية ومقارنة دولية في مشروع قانون المجلس الوطني للصحافة بالمغرب: بين استقلالية مفرغة وصلاحيات زجرية مقنّعة
في يوليو 2025 صادق مجلس النواب في قراءته الأولى على مشروع قانون رقم 26.25 المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة بعدما أثار هذا المشروع أسئلة جوهرية حول مدى احترامه للدستور المغربي والتزاماته الدولية فيما يخص حرية الصحافة والتعبير والتنظيم المهني. في هذه الورقة سنقدم تحليلًا معمقًا لمضامين المشروع على ضوء الدستور (الفصول 28 و25 و12 و1)، ونقارنها بالمعايير الدولية (العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وإعلان ويندهوك، وقرارات مجلس حقوق الإنسان ذات الصلة). كما نستعرض مدى توافق المشروع مع أفضل الممارسات الدولية في تنظيم الصحافة (نماذج فرنسا وبريطانيا وألمانيا). مع ايلاء اهتمامًا خاصًا لمسألتي الاستقلالية والصلاحيات الزجرية في هيكلة المجلس وصلاحياته، قبل أن نختم بتوصيات عملية لضمان مواءمة المشروع مع الدستور والمعايير الدولية
الممارسات الدولية في تنظيم الصحافة ثالثًا: مقارنات مع أفضل
يمكن هنا ان تشمل المقارنة نماذج فرنسا وبريطانيا وألمانيا كنماذج رائدة للتنظيم الذاتي للصحافة. فيما يلي نستعرض باختصار كل نموذج، ونقارن وضع المجلس الوطني للصحافة – بموجب المشروع 26.25 – بهذه الممارسات الدولية:
النموذج الفرنسي (مجلس الصحافة – CDJM): في فرنسا ظهرت حديثًا (2019) هيئة للتنظيم الذاتي تسمى المجلس الفرنسي للأخلاقيات الصحفية والوساطة (CDJM). هذا المجلس تأسس على شكل جمعية مستقلة (وفق قانون الجمعيات 1901) بمبادرة مشتركة من نقابات الصحافيين وبعض دور الإعلام ومنظمات المجتمع المدني. الدولة الفرنسية لم تنشئه بقانون بل جاء باجتهاد ذاتي من المهنيين استجابة للحاجة إلى معالجة شكاوى الجمهور وتعزيز أخلاقيات المهنة. يتميز هذا المجلس بأنه ثلاثي التركيبة؛ أي يضم بالتساوي ممثلين عن الصحافيين وعن ناشري وسائل الإعلام وعن الجمهور (المجتمع المدني). الغاية من إشراك ممثلي الجمهور هي ضمان الشفافية والمصداقية وأن القرارات لا تخدم مصالح المهنة الضيقة فقط. لا يوجد أي ممثل للحكومة أو السلطة العامة في تركيبته أو هيكلته. يتولى المجلس الفرنسي النظر في شكاوى تتعلق بأخلاقيات العمل الصحفي أو دقة المعلومات، ثم يُصدر قرارات عبارة عن آراء أو لوم علني. صلاحياته تأديبية معنوية فقط؛ فلا يملك سلطة منع صحيفة أو معاقبة صحافي ماليًا أو إدارياً. أقصى ما يمكن أن يفعله هو إلزام الوسيلة المعنية بنشر قرار اللوم أو التصحيح إذا ثبت انتهاكها لميثاق الأخلاقيات. هذه الآلية تعتبر تصحيحية وتوجيهية أكثر منها عقابية. وفي حال المخالفات الجسيمة (كخطاب الكراهية أو القذف)، يبقى اللجوء للقضاء الجنائي أو المدني خيارًا قائمًا خارج نطاق المجلس. نلاحظ إذن أن جوهر النموذج الفرنسي هو التنظيم الذاتي المستقل تمامًا عن الدولة مع عقوبات معنوية فقط. بالمقارنة، المجلس الوطني للصحافة في المغرب – وفق المشروع الجديد – يختلف في عدة نقاط: إنشاؤه وتحديد صلاحياته يأتيان بقانون رسمي وليس بمبادرة ذاتية حرة، وتركيبته ليست ثلاثية بالتساوي (فالجمهور غير ممثل والناشرون ممثلون بقوة أكبر عددًا من الصحافيين)، وكذلك تتواجد الدولة ضمنيًا من خلال تعيين قاضٍ وممثلي مؤسسات رسمية ووجود مندوب حكومي. كما أن صلاحياته العقابية واسعة جدًا مقارنة بالنموذج الفرنسي (منح أو سحب بطاقة الصحافة، فرض غرامات، إحالة ملفات للقضاء…). على صعيد التمويل، المجلس الفرنسي قد يحصل على دعم مالي من الدولة بشكل غير مباشر أو مساهمات، لكن مع الحذر الشديد للحفاظ على استقلاله؛ أما المجلس المغربي فيُموّل كليًا من ميزانية الدولة (وزارة الاتصال)، مما قد يطرح تساؤلًا حول استقلال قراره. باختصار، النموذج الفرنسي يركز على الاستقلالية الكاملة والتأثير المعنوي، بينما النموذج المغربي (بموجب المشروع) يتجه نحو هيمنة القانون والسلطة على الهيئة ومنحها صلاحيات عقابية قوية.
النموذج البريطاني (منظمة IPSO): في بريطانيا، بعد أزمة أخلاقيات الصحافة عام 2011 (فضيحة التنصت)، تم حل “لجنة شكاوى الصحافة” القديمة واستُحدث نظام جديد للتنظيم الذاتي. الأغلبية العظمى من الصحف البريطانية اختارت الانضمام إلى هيئة مستقلة اسمها المنظمة المستقلة لمعايير الصحافة (IPSO) التي بدأت عملها عام 2014. IPSO كيان مستقل عن الحكومة؛ فهو ليس هيئة رسمية مُنشأة بتشريع برلماني، بل منظمة طوعية تشترك فيها المؤسسات الإعلامية (حوالي 90% من الصحف والمجلات انضمت إليها). تدير IPSO ميثاق شرف صحفي (مدونة المحررين) وتستقبل الشكاوى من الجمهور ضد وسائل الإعلام الأعضاء. تركيبة مجلس IPSO تحتوي على غالبية من خارج الوسط الصحفي (شخصيات مستقلة من المجتمع) إلى جانب عدد من ممثلي الصحافة، لضمان الحياد. لا يوجد أي تمثيل حكومي أو حزبي بها. تتمتع IPSO بصلاحية إلزام الصحف بنشر اعتذارات أو تصحيحات بصورة بارزة إذا ثبت خرقها للمدونة الأخلاقية. كما أن لديها سلطة فرض غرامات مالية قد تصل إلى مليون جنيه إسترليني على المؤسسة الإعلامية في حال الانتهاكات الجسيمة المتكررة – لكن هذه الصلاحية نادرًا ما استُخدمت وتبقى محكومة باتفاق تعاقدي بين IPSO والمؤسسات (وليست بقوة القانون العام). الأهم، ليس لهيئة IPSO أي سلطة لمنع صحيفة من الصدور أو معاقبة صحافي بمنعه من الكتابة. فهيئة التنظيم الذاتي البريطانية لا تتدخل في تراخيص الصحافيين (لأنه لا نظام بطاقات إلزامي هناك)، ولا تملك قائمة سوداء. أي خروقات قانونية (كالتحريض على الكراهية أو التشهير) مكانها المحاكم الاعتيادية. وُجد أيضًا في بريطانيا هيئة أخرى أصغر (IMPRESS) تعترف بها الدولة وفق مخرجات تحقيق ليفيسون، لكنها طوعية كذلك ولم تنضم إليها إلا قلة من المواقع الصغيرة. إذن سمة النموذج البريطاني هي التعددية والاستقلال عن الدولة، مع الاعتماد على الضغط المعنوي والمالي المحدود لضبط الأداء الإعلامي. مقارنةً مع المشروع المغربي: المجلس الوطني للصحافة هيئة واحدة مُلزِمة لجميع الصحافيين بحكم القانون، ما يعني طابعًا إلزاميًا أقرب لهيئة ترخيص. بينما في بريطانيا توجد تعددية في هيئات التنظيم الذاتي والمنافسة بينها، ولا إلزام قانوني للصحف بالانضمام (مع أن الأغلب فعل ذلك اختياريا لتجنب تدخل الدولة). أيضًا، نظام البطاقة المهنية المغربي الإلزامي (الممنوح والمراقب من المجلس) لا نظير له في بريطانيا حيث الصحافي يعمل بحرية دون حاجة لتسجيل رسمي. هذا يوضح أن النموذج المغربي أكثر تقنينًا وسيطرة مقارنة بالنموذج البريطاني المرن.
النموذج الألماني (مجلس الصحافة – Presserat): ألمانيا لديها مجلس صحافة عريق تأسس منذ 1956 (المجلس الألماني للصحافة). هو جهاز مشترك للتنظيم الذاتي شاركت في تأسيسه اتحادات الناشرين ونقابات الصحافيين الألمانية، كرد فعل لانتهاكات النازية لحرية الصحافة ورغبةً في منع تدخل الدولة بتاتًا في شؤون الإعلام بعد الحرب. المجلس الألماني هيئة طوعية؛ الصحف والمجلات تشارك فيها طوعًا ويلتزمون بمدونة أخلاقيات الصحافة (تُعرف بـ”الميثاق الصحفي”). يتلقى المجلس شكاوى الجمهور ويحقق فيها عبر لجان مختصة. تشكيلته تضم صحافيين وناشرين وعدد محدود من العامة أو الخبراء، وغالبًا ما يرأسه أحد الناشرين أو الصحافيين الكبار دوريًا. لا يوجد تدخل حكومي في تشكيله أو قراراته، وإن كانت الدولة تدعمه معنويًا كبديل عن إنشاء هيئة رسمية رقابية. في الحقيقة، الدولة الألمانية تمتنع عن أي رقابة مسبقة أو ترخيص للصحف (فهي لا تتطلب ترخيصًا حكوميًا لإطلاق صحيفة)، انطلاقًا من الحساسية التاريخية. مجلس الصحافة الألماني يعتمد على التمويل الذاتي من المنظمات المشاركة وبعض الدعم من الحكومة الفيدرالية لضمان استمرار عمله، لكن هذا التمويل لا يفسد استقلاله حيث أنه مضمون بطريقة توافقية (مثلاً عبر المنحة السنوية) وليس مشروطًا. العقوبات التي يصدرها المجلس الألماني ليست قانونية ملزمة، بل أخلاقية الطابع: أهمها نشر “توبيخ علني” في المجلة/الصحيفة المخالفة إذا ثبت انتهاكها لمدونة السلوك. وحين يصدر المجلس “توبيخًا عامًا” كهذا، غالبية الوسائل تلتزم بنشره احتراما للتقاليد المهنية، رغم أنه لا توجد وسيلة قانونية لإجبارها سوى الضغط المعنوي من الزملاء والجمهور. ليس لدى المجلس أي صلاحية لمنع صحافي من العمل أو تغريم صحيفة ماليًا؛ فهذه إجراءات تبت فيها المحاكم إذا كان هناك خرق للقانون. بالتالي، النموذج الألماني قائم على المسؤولية الذاتية للصحافة واحترام الجمهور بدلًا من الإكراه القانوني. وعلاوة على ذلك، يُنظر للمجلس الألماني على أنه حارس لأخلاقيات المهنة وليس شرطيًا أو قاضيًا. هذا النموذج يختلف جذريًا عن الوضع المقترح في المغرب، حيث المجلس الوطني للصحافة سيكون مخولًا قانونًا فرض عقوبات مثل تعليق البطاقة المهنية أو فرض غرامات. كما أن المجلس المغربي – بموجب المشروع – يضم قاضيًا ممثلاً عن السلطة القضائية بحكم القانون، في حين أن المجلس الألماني لا يضم أي قاضٍ أو ممثل حكومي. حضور قاضٍ في المجلس المغربي قد يكون بهدف ضمان اطلاع قانوني، لكنه أيضًا يدخِل منطق السلطة القضائية في كيان من المفترض أنه مهني صرف.
نستنتج اذن من هذه المقارنة أن أفضل الممارسات الدولية (فرنسا، بريطانيا، ألمانيا وغيرها في أوروبا) تشترك في جوهر واحد: ترك التنظيم الأخلاقي للصحافة للصحافيين والإعلاميين أنفسهم في إطار مستقل عن الدولة، واعتماد آليات المساءلة المعنوية أساسًا. أيضًا غالبًا ما تكون هذه المجالس متعددة الأطراف (صحافيون + ناشرون + ممثلون عن الجمهور/المجتمع المدني) لضمان التوازن. لا توجد دولة ديمقراطية حديثة تجعل غالبية أو كل أعضاء مجلس الصحافة بالتعيين الحكومي أو تضع ممثلين حكوميين فيه بصلاحيات تقريرية. النموذج المغربي الحالي بعيد عن تلك المعايير: فتركيبته غير مستقلة تمامًا (بحضور قاضي وممثلي مؤسسات رسمية ومندوب حكومي)، وليست فيه مشاركة للمجتمع المدني، وتعطي ثقلًا أكبر للناشرين الكبار. كذلك صلاحياته العقابية تتجاوز ما هو معتاد دوليًا في التنظيم الذاتي. لقد حذّر المختصون في أخلاقيات الإعلام من نماذج مجالس صحافة زائفة تُنشئها بعض الحكومات لإحكام السيطرة على الإعلام من الداخل، كما حصل في بعض البلدان غير الديمقراطية. تلك المجالس الحكومية القناع تؤدي إلى تحويل التنظيم الذاتي إلى رقابة ذاتية مُملاة بالخوف، وهذا ما يجب على المغرب تفاديه تمامًا. للأسف، يسير مشروع 26.25 في اتجاه قد يجعل المجلس الوطني للصحافة مجرد ذراع ضبط شبه حكومي للإعلام بدل أن يكون بيتًا مستقلاً لأهل المهنة.
رابعا: توصيات مواءمة المشروع مع الدستور والمعايير الدولية
في ضوء التقييمات أعلاه، يتبين أن مشروع القانون 26.25 بحاجة إلى تعديلات وضمانات مهمة ليكون متوافقًا مع الدستور المغربي وروحه التحررية، ومع التزامات المغرب الدولية في مجال حقوق الإنسان وحرية الإعلام. فيما يلي توصيات مقترحة وقابلة للتنفيذ لتحقيق هذه المواءمة:
1- تعزيز ديمقراطية تشكيل المجلس: يجب تعديل المشروع لضمان أن جميع أعضاء المجلس أو أغلبيتهم الساحقة منتخبون ديمقراطيًا من طرف الجسم الصحافي نفسه. يُوصى بالعودة إلى مبدأ الانتخاب المباشر لكل من ممثلي الصحافيين وممثلي الناشرين معًا، بدل أسلوب الانتداب الحالي. يمكن اعتماد انتخابات منفصلة للناشرين (بحيث تختار كل مؤسسة إعلامية ممثلًا يصوت، أو عبر تصويت أعضاء منظمات الناشرين) لضمان تمثيل متوازن. المهم هو تكريس الانتخاب كقاعدة تطبيقًا للفصل 28 من الدستور الذي يجعل التنظيم ديمقراطيًا واجبًا . وإذا تعذر الانتخاب الكامل، فيجب على الأقل تقليص نسبة المعينين وزيادة نسبة المنتخبين لضمان شرعية المجلس أمام الجسم الصحافي.
2- إلغاء أي حضور رسمي (حكومي أو سياسي) في المجلس: لضمان استقلالية حقيقية، يُوصى بحذف مقتضى حضور ممثل الحكومة في تركيبة المجلس أو في اجتماعاته. ينبغي أن يعمل المجلس من دون مشاركة السلطة التنفيذية مباشرًة. كما يُستحسن إعادة النظر في عضوية ممثلي المؤسسات الدستورية (حقوق الإنسان، والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي) بحيث يُستبدلون بشخصيات مستقلة تمامًا (مثلاً أساتذة إعلام، قضاة متقاعدون مشهود لهم، ناشطون حقوقيون) يتم اختيارهم بتوافق مهني داخلي وليس بالتعيين الرسمي. هكذا نضمن وجود أصوات محايدة دون تبعية إدارية. وإذا تعذر الإلغاء الكامل لممثلي المجالس الدستورية بسبب اعتبارات قانونية، فيجب تقييد تصويتهم في القضايا التأديبية -ربما جعلهم مراقبين بدون حق تصويت – لضمان أن قرارات العقاب خصوصًا تصدر فقط عن زملاء المهنة المستقلين.
3- إعادة إدماج المجتمع المدني في تركيبة المجلس: مواءمةً مع الممارسات الدولية الفضلى، يُوصى بمنح عدد من المقاعد (مثلاً 2 إلى 4 مقاعد) في المجلس لشخصيات من المجتمع المدني معروفة باهتمامها بحرية الصحافة وحقوق الإنسان (مثل ممثل عن جمعية حقوقية، ممثل عن محامي الصحافة، أكاديمي مختص بالإعلام، …). يتم اختيار هؤلاء عبر آلية شفافة (ربما تصويت داخل الجمعيات المعنية أو بمشاورة بين نقابة الصحافيين والنقابات الأخرى). وجود هؤلاء سيساهم في تكريس التعددية والتوازن داخل المجلس كما أكدته التجارب الدولية، ويعطي المجلس مصداقية أكبر أمام الرأي العام.
4- ضمان الاستقلال المالي والإداري للمجلس: يجب اتخاذ خطوات لتحرير المجلس من الاعتماد الكلي على وزارة الاتصال. يمكن إنشاء صندوق خاص لتمويل المجلس تغذيه مصادر متعددة: مساهمة سنوية من الدولة (مضمونة بالقانون لتفادي الضغط)، رسوم اعتماد رمزية على بطائق الصحافة تدفعها المؤسسات الإعلامية، مساعدات من منظمات دولية داعمة لحرية الإعلام، وغيرها. كما ينبغي تمكين المجلس من إدارة ميزانيته وموارده البشرية بشكل مستقل (ضمن قواعد المحاسبة العمومية طبعًا ولكن دون تدخل وزارة الوصاية في التوظيف والتسيير اليومي). ولضمان ربط المسؤولية بالمحاسبة في إدارة المجلس، يُقترح إخضاع حساباته لرقابة المجلس الأعلى للحسابات دورياً ونشر تقرير مالي سنوي للعموم. بهذه الطريقة، نحقق استقلالية مالية تقلل نفوذ السلطة التنفيذية، ونفعّل في نفس الوقت مبدأ المحاسبة والشفافية.
5- حصر صلاحيات المجلس التأديبية ضمن الحدود الأخلاقية والمهنية فقط: ينبغي إعادة النظر في لائحة العقوبات التي يملكها المجلس. يُوصى بالإلغاء التام لأي صلاحية لمنع أو إيقاف إصدار الصحف أو المواقع (وقد تحقق هذا جزئيًا بالحذف في القراءة الاولى). كما يُوصى بعدم منح المجلس صلاحية فرض غرامات مالية كبيرة، وترك أمر الغرامات والتعويضات للقضاء المدني عند اقتضاء الأمر. يمكن الاكتفاء بأن يصدر المجلس قرارات إدانة علنية يلتزم الناشرون بنشرها، وفي حال الامتناع يمكن إحالة الأمر للقضاء الإداري لتغريم الوسيلة مبلغًا معقولًا. بالنسبة لعقوبة سحب بطاقة الصحافي المهني، يُستحسن تقييدها لتُستخدم فقط في حالات فردية خطيرة للغاية (مثلاً انتحال الصفة أو خرق جسيم لأخلاقيات النشر يقره القضاء) وبقرار قضائي أو تحكيمي مستقل. وربما الأصلح إلغاؤها من صلاحيات المجلس، لأن البطاقة حق مهني يجب ألا يُسحب إلا بضمانات قضائية كاملة نظرًا لارتباطها بحرية العمل. البديل أن يكتفي المجلس بـتعليق عضوية المخالف في المجلس أو تعليق اعتماده لدى المؤسسات العمومية مؤقتًا، دون منعه كليًا من العمل الصحافي.
6- تضمين إجراءات المحاكمة العادلة وحق الطعن صراحةً في القانون: لضمان اتساق المشروع مع الفصل 120 الدستوري والتزامات المغرب الدولية، لا بد من إضافة مواد أو بنود تنص على حقوق الدفاع لمن تُرفع عليه شكوى أمام المجلس. مثلاً مادة تنص: “يتمتع الصحافي أو المؤسسة المعنية بأي إجراء تأديبي بالحقوق التالية: إبلاغها كتابة بفحوى الشكاية أو المخالفة، منحها أجلًا كافيًا لإعداد مذكرة جوابية، حق حضور جلسات المناقشة والاستعانة بمن يمثلها، حق الاطلاع على كل الأدلة…”. وكذلك مادة: “تكون قرارات المجلس في المجال التأديبي معللة ويمكن الطعن فيها أمام المحكمة الإدارية المختصة خلال أجل X يومًا من التبليغ”. مثل هذا التنصيص يكسب القانون مصداقية بأنه لا ينتهك ضمانات المحاكمة العادلة، ويُطمئن الصحافيين أن حقوقهم مصونة. كما يُفوّت الفرصة على أي استغلال سياسي للعقوبات لأن المتضرر قادر على اللجوء للقضاء المستقل.
7- اعتماد مدونة أخلاقيات واضحة بمشاركة المهنيين: من المستحسن أن يتضمن المشروع إلزام المجلس بوضع أو تحيين ميثاق أخلاقيات الصحافة بالتشاور مع جميع الأطراف (نقابات، ناشرون، خبراء، مجتمع مدني) خلال أجل محدد. هذه المدونة ينبغي نشرها بوضوح وتكون مرجعًا موحدًا لتقييم المخالفات. ويفضل الإشارة إلى أن القواعد الأخلاقية مكملة للقانون ولا تحل محله، وأن حرية الصحافة هي الأصل والانضباط الأخلاقي يأتي لحماية المهنة ومصداقيتها لا لقمعها. بهذه الخطوة، نربط ممارسة المجلس بمعايير موضوعية معلنة سلفًا (مثلاً: الدقة، النزاهة، احترام الحياة الخاصة، عدم خطاب الكراهية…)، ما يحول دون مزاجية القرارات ويضمن الشفافية. كما يمكن تضمين بند يوجب نشر القرارات التأديبية مشفوعة بالمبررات الأخلاقية المستندة إلى المدونة، لاطلاع الرأي العام.
8- تعزيز مبدأ التعددية وعدم الاحتكار ضمن المجلس وفي المشهد الإعلامي: في ظل الانتقادات التي تقول إن المشروع “مفصّل على مقاس المؤسسات الإعلامية الكبرى ويهدد التعددية”، يُوصى باتخاذ تدابير تضمن صوتًا للمؤسسات الصغرى. مثلاً، يمكن تقسيم فئة الناشرين إلى شُعب حسب حجم المطبوعة أو الموقع (كبيرة، متوسطة، صغيرة) ويُنتخب عن كل فئة ممثل/ان بحيث لا تسيطر الفئة الكبرى وحدها على كل المقاعد. أو يُمنح تحفيز لتمثيل الصحافة الجهوية والمحلية. الهدف هو ألا يصبح المجلس ناديًا حصريًا للكبار بل صورة مصغرة حقيقية عن قطاع الصحافة بكل تنوعه. أيضًا، ربما إدراج نص في القانون أو الديباجة يذكّر بالتزام المغرب بحماية تعددية الإعلام وألا يُستخدم أي تنظيم مهني للإضرار بالتنوع. مثل هذا النص يضع أمام أعين المجلس مستقبلًا واجبًا باعتبار التعددية في قراراته (فلا يبالغ في معاقبة الأصوات المختلفة مثلاً).
9- التوعية والتكوين بدلًا من العقاب عند الإمكان: كجزء من نهج حديث في تنظيم المهن، يُنصح بأن يركز المجلس كثيرًا على برامج تكوين للصحافيين في أخلاقيات المهنة ومواثيقها، وعلى المساعي الحميدة والوساطة لحل النزاعات قبل تفاقمها. يمكن إدراج بند في القانون يشجع المجلس على تبني العقوبات البديلة، مثل إلزام مؤسسة بنشر قرار تأديبي وتقديم اعتذار علني عوض تغريمها ماليًا، أو فرض دورة تدريبية على صحافي أخطأ بدل إيقافه عن العمل. هذا التوجه الإصلاحي ينسجم مع فلسفة التقويم الذاتي بدلاً من العقاب الزجري، وهو أيضًا أقرب لمقاصد الدستور في ربط المسؤولية بالمحاسبة بشكل بنّاء وليس انتقامي. كما أن قرارات مجلس حقوق الإنسان تنصح بتبني مقاربات غير زجرية في تنظيم الإعلام حفاظًا على حيويته واستقلاله.
10- المتابعة والتقييم الدوري للقانون بعد صدوره: كإجراء لضمان الحكم الرشيد، يمكن تضمين مادة تلزم بإجراء تقييم بعدي لتطبيق هذا القانون مثلاً بعد مرور 3 سنوات على تنفيذه، عبر لجنة مستقلة (تشمل قضاة وصحافيين وخبراء دوليين) تقدم تقريرًا للبرلمان عن مدى تحقيق القانون لأهدافه (تعزيز الاستقلالية، الرفع من أخلاقيات المهنة، إلخ). بناءً على التقرير، يمكن إدخال التعديلات اللازمة. مثل هذه المرونة التشريعية تجنبنا الجمود إن ظهر أن بعض المواد عمليًا تضر بحرية الصحافة أو لم تحقق الغاية. هذا النهج يتماشى أيضًا مع التزامات المغرب الدولية في التطوير المستمر للأطر القانونية لضمان أعلى معايير الحقوق والحريات.
باتباع هذه التوصيات وغيرها من المقترحات التفصيلية التي قدمتها مختلف الهيئات (249 تعديلاً قُدمت على المشروع كما ذُكر)، يمكن جعل قانون المجلس الوطني للصحافة نموذجًا إيجابيًا يحتذى به في المنطقة، بدل أن يكون مادة للانتقاد. الأهم هو إعادة التوازن للمشروع: بين دور الدولة ودور الصحافيين، وبين المساءلة وحرية المبادرة، وبين العقاب والتقويم. هذا التوازن هو ما يحققه الدستور المغربي 2011 الذي مزج بين الحقوق والمسؤوليات، وهو ما تطالب به المواثيق الدولية التي تجمع بين حرية الإعلام وأخلاقياته في معادلة واحدة.
خلاصة
شكل مشروع قانون 26.25 لإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة محطة فاصلة في مسار التنظيم الذاتي للإعلام بالمغرب. فمن جهة، جاء المشروع لسد فراغ ناجم عن انتهاء ولاية المجلس السابق وتعثر تجديده، حاملاً وعودًا بتعزيز استقلالية المجلس وتأهيل قطاع الصحافة. لكنه من جهة أخرى أثار مخاوف جدية بالتراجع عن مكاسب حرية الصحافة والتنظيم الديمقراطي للمهنة. ومن خلال التحليل الدستوري والدولي أعلاه، اتضح أن المشروع في صيغته كما صادق عليها مجلس النواب في يوليو 2025 لا يخلو من شبهات عدم الدستورية في شق الديمقراطية الداخلية والاستقلالية، كما يتعارض في بعض جوانبه مع التزامات المغرب الحقوقية الدولية الداعمة لحرية التعبير والتنظيم الحر.
ورغم إدخال البرلمان لتعديلات إيجابية (كحذف عقوبة توقيف الصحف التي اعتُبرت مخالفة صارخة لحرية التعبير)، إلا أن المطلوب لتحقيق المواءمة التامة أكبر من ذلك. المجلس الوطني للصحافة يجب أن يظل بيتًا للصحافيين وجسمًا ينظم نفسه بنفسه، كما أراده الفصل 28 من الدستور، وليس هيئة ضبط تفرضها السلطة بسلطاتها. لقد شهد المغرب خلال العقد الماضي تقدّمًا في الاعتراف القانوني بحرية الصحافة (كإلغاء العقوبات السالبة للحرية في قانون الصحافة والنشر)، ولا ينبغي لقانون المجلس أن يتراجع عن هذا النهج الإصلاحي.
إن تبني التوصيات المقدمة – حول دعم الديمقراطية الداخلية، وضمان الاستقلال المالي والبشري، ووضع الضوابط على العقوبات مع فتح باب الطعن القضائي، وتمثيل كافة أطياف الوسط الإعلامي والجمهور – من شأنه تحويل مشروع قانون 26.25 إلى فرصة لتعزيز حكامة قطاع الصحافة. سيكون المجلس حينها قادرًا على محاسبة الصحافة ذاتيًا بأفضل المعايير، دون المس بحرية الصحافي في الاستقصاء والنقد. هذا التوازن الدقيق هو ضمانة أساسية لديمقراطية المغرب ولمصداقية التزاماته الدولية. وفي النهاية، الصحافة الحرة والمسؤولة هي ركن ركين في البناء الديمقراطي، وأي قانون ينظمها يجب أن يُصاغ بيد أصحاب المهنة ولمصلحتهم ومصلحة المجتمع، لا كأداة رقابية فوقية. بذلك فقط نحقق مرامي الدستور في حرية الإعلام ونلتزم بروح إعلانات وقرارات الأمم المتحدة التي ترى حرية الصحافة مؤشرًا رئيسيًا على احترام باقي الحقوق.
أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية
كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، اكدال – جامعة محمد الخامس – الرباط