تمضي الكاتبة الفرنسية ناتاشا آبانا التي تنحدر أصولها من جزر الموريشوس في عملها الروائي الصادر حديثاً، «الليل في القلب»، (دار غاليمار2025)، إلى قلب الظلمة، لا لوصفها من بعيد، بل لتعيشها من الداخل، كمن يعود لجرح قديم لم يلتئم.
فازت رواية «الليل في القلب» بجائزتي «فيمينا» 2025 و»غونكور للشباب 2025» لأنها تتناول مواضيع السيطرة والبقاء واللغز الموجع لجرائم قتل النساء، عبر حياة ثلاث نساء يركضن هاربات من الخوف، في ثلاثة أماكن مختلفة، تفصل بينهن بضعة أعوام، ولا يجمع بينهن شيء في الظاهر سوى هذا الركض المحموم، وقلوبهن التي تكاد تنفجر من الخفقان. إنه ركض فوضوي ومجنون ومثير للشفقة يجعل أجسادهن أشبه بدمى مكسورة المفاصل. كل واحدة منهن تعرف أن الموت قريب، تعرف أن لا أمل لها في الإفلات من مطاردها، ومع ذلك تركض، مدفوعة بالأمل، أمل مجنون لكنه عنيد، على رغم أن للمطارد وجهاً معروفاً، وجهاً مألوفاً، حميماً، وجه الرجل الذي اخترن بأنفسهن أن يربطن حياتهن به. ذلك الرجل الذي يزعم أنه يحبهن، وفي الحقيقة هو يريد قتلهن. وهنا يكمن اللغز الذي لا يسبر، وقمة العبث والرعب، أن يولد الحب مع أبشع أنواع الخوف والانتهاك وأسوأ أنواع الخضوع الذي يؤدي إلى جريمة.
في روايتها السابقة «لا شيء يخصك»، انشغلت ناتاشا آبانا بأسئلة الذاكرة والهوية والجرح الشخصي الناتج من الفقد والمنفى الداخلي، فكان النص تأملاً في ما يمحى ويستعاد داخل النفس. أما في «الليل في القلب»، فإن الكاتبة تنقل هذا الجرح إلى مساحة جماعية أوسع، حيث تتحول التجارب الفردية إلى مرايا تعكس هشاشة النساء في مواجهة العنف والظلال النفسية التي يخلفها. وإذا كان العمل الأول يغوص في أعماق الذات بحثاً عن الخلاص، فإن العمل الجديد يفتح نوافذ على العالم، محاولاً فهم ما يحدث حين يتقاطع الألم الشخصي مع القسوة الاجتماعية من دون أن تختزل بطلاتها في صورة الضحايا وحسب، بل تتجاوز ذلك من أجل خلق كتابة متقنة وحساسة قادرة على منع العتمة من أن تكون الكلمة الأخيرة في موضوع قاسٍ ومؤلم على هذا النحو.
جرح شخصي
تتخذ الرواية بعداً إنسانياً ونسوياً بالغ العمق، إذ تنطلق من تجربة ذاتية عاشتها الكاتبة نفسها، حين كانت تحت سطوة رجل يكبرها بـ30 سنة، لتفتح من خلالها ملف العنف الزوجي والنسائي، لا بوصفه قضية اجتماعية وحسب، بل كجرح شخصي وجماعي في آن واحد.
شاهيناز وإيما وناتاشا هن بطلات «الليل في القلب». بين السرد السيري والروائي، تتبع ناتاشا آبانا جريمة قتل بربرية أودت بحياة شاهيناز داوود في مايو (أيار) عام 2021 في بلدة ميرينياك قرب بوردو، ثم جريمة سبقتها بـ20 عاماً، وقعت في جزيرة موريشيوس، جريمة مقتل ابنة عمها إيما التي مسحت سريعاً من الذاكرة الجماعية والعائلية.
وأيقظت هاتان المأساتان جرحاً دفيناً، وأجبرت الكاتبة أخيراً على مواجهة النقطة العمياء في تاريخها، حين فرت في ليلة مظلمة من منزلها الزوجي. تقول «من بين هؤلاء النساء الثلاث، كان لا بد من أن أبدأ بالأولى، تلك التي كانت في الـ25 من عمرها حين ركضت، وهي الوحيدة التي لا تزال على قيد الحياة حتى اليوم. تلك المرأة هي أنا».
ركض في العتمة
أرادت ناتاشا أن تمسك بخيوط دقيقة لذاكرة مكسورة، هي ذاكرتها الخاصة، لتخرج بصعوبة ما دفنته في أعماقها لأكثر من 20 عاماً. «في عامي الـ17، سقطت في حفرة. انزلقت ببطء، بهدوء، من غير أن أدرك ذلك فعلاً، مكثت ثماني سنوات في قاع تلك الحفرة، لكني نجوت».وتعيد الكاتبة النظر في علاقة عاشتها بين سن الـ17 والـ25، اتسمت بالعزلة والإيذاء الجسدي والنفسي، وقبل كل شيء، بالعار المستمر، عار لعدم معرفتها كيف تغادر، وصمتها واعتبارها نفسها مسؤولة.
ويشكل هذا العار، المدفون منذ زمن طويل، محور السرد، كاشفاً عن كيف أن الإيذاء لا يقتصر على العنف الجسدي، بل يسيطر على الأفكار ويشوه إدراك الذات ويغرس شعوراً بالذنب يدوم طويلاً بعد الهروب.
يلتقط النص بدقة نبضات القلوب والصمت وكوابيس الليل، كل كلمة تثقل وتكبت كما لو كانت تحمل عبء ذكرى غامرة. فالهدف هنا ليس الشرح، بل استحضار المشاعر. فتعالج الكاتبة ألمها الذي لا يطاق أحياناً، بضبط مؤثر، فهي لا تسعى أبداً إلى تبرير نفسها أو كشفها، بل تتقدم بخطوات هادئة بلغة مقيدة، تكاد تهمس، تتحدث من دون أن تنطق، وتوحي من دون أن تصرّح، وعبر أسلوبها هذا، تعطي النص قوته الكاملة.
مأزق الكتابة
ما تسعى إليه ناتاشا آبانا في هذه الرواية، ما تسأل عنه بلا كلل وبوعي مؤلم، هو كيف نقبل ما لا يقبل؟ لماذا تقبل امرأة، على مدى أعوام، أن تهان وأن تخضع وأن تعنف، أن تغتصب على يد الرجل الذي يدعي أنه يحبها؟وتحدد الكاتبة منذ الفصل الأول الذي يحمل عنوان «الغرفة الخيالية»، نبرة السرد بتقديم أسلوب أدبي لافت. تتخيل وضع الجلادين الثلاثة، عبر استخدام حروف أسمائهم الأولى ومهنهم، «م .ب» البناء و «ر. د» السائق و»هـ. س» الشاعر الصحافي، تجمعهم في غرفة فارغة متخيلة «لأنه في هذا المكان فقط أستطيع جمعهم، في هذا المكان فقط أستطيع التحكم بالسرد، وعكس الأدوار، وأن أصبح بدوري جلاداً صغيراً، وأمارس سلطة السيطرة والفتنة، وأطالب بالإنصات والصمت». لذا من خلال كلماتها فقط، سيكونون «تحت رحمة هذه القصة».
تتشابك القصص الثلاث وفقاً لبنية سردية دقيقة تتأمل الزمن باستحضار أشباح الماضي وذاكرة تحمي نفسها بنسيان الرعب وذكريات تتدفق وترتفع وتفرض نفسها. وهكذا تنجح في «نسج رابطة أخوية». يعمل النص كدوامة، تدور حول المركز قبل الاقتراب منه، وأحياناً تدور في دوائر، من دون أن تصل إليها. وتستكشف الكاتبة بوضوح مؤلم من دون شفقة على الذات، آليات السيطرة الخفية، هذا النظام الخبيث الذي يحاصر الضحايا في الصمت والعار والخوف والتبعية.
وفي لحظات اليقظة تلك، بين الحلم والواقع وبين اللاوعي والوعي وبين هذا الموت الصغير والحياة، يبدو كل شيء ممكناً، إلغاء الزمن والواقع والانطلاق بحثاً عن الموتى كما لو كانوا أحياء والكتابة من الظلام والكتابة في الظلام، وأن تجمع الكتابة وحدها كل هذه القطع المتناثرة من هاتين المرأتين، ومن ناتاشا نفسها.
في هذا الكتاب مزيج من الاعتراف الشخصي والسرد الوثائقي والتأمل الأخلاقي والسياسي، والتفكير في دور الأدب وقدرته، ولا تهتم الكاتبة بأسباب هؤلاء الرجال ولا بدوافعهم أو نزواتهم. فهم في كتابها صامتون، وترى أنه «لن يكون هناك أي مكان للتفسيرات النفسية التي لا تفعل سوى تبرئة الجناة وإثارة التعاطف معهم ومحو ضحاياهم».
ناتاشا آبانا، وإن كانت قد نجت، بخلاف إيما وشاهيناز، فذلك أقرب إلى المعجزة منه إلى أي شيء آخر. ولا تزال، حتى اليوم، تجهل السبب. لا تدري لمن تدين بحياتها، لنفسها وغريزة البقاء؟ له وللحظة صفاء أخيرة؟ أم لوجود والديها الصامت لكنه حقيقي؟ ما تعرفه فقط هو أن حياتها، على رغم قيمتها اليوم وعلى رغم تحقيقها حلم طفولتها بأن تصبح كاتبة وعلى رغم مغادرتها موريشيوس واستقرارها في فرنسا وعلى رغم عيشها مع رجل طيب وإنجابها ابنة منه، لا تزال تلك الحفرة في داخلها، ولا تزال الرهبة والعار اللذان تخبئهما هناك يثقلانها. والغضب الذي يخنقها والذي كان من المفترض أن يتجه نحو الرجل الذي سحرها بكلماته وسحقها بجسده، إنما يتجه، أولاً وقبل كل شيء، نحو نفسها.
وفي مواجهة هذا الاعتراف المؤلم، يأتي السرد في صورة تحقيق حول إيما وشاهيناز. وبعيداً من أية نزعة فضولية أو استدرار للعاطفة، تحاول الكاتبة أن تعيد لهما الحياة والصوت، لتنتزعهما من الصورة الجامدة والمختزلة والمذلة لضحايا «جرائم قتل النساء».
وهي لا تخفي صعوبة المهمة، بل استحالتها تقريباً، حين تقول «أود أن أكتب ما يلي وأنا أجرد اللغة من زينتها، أنحت الكلمات والإملاء والنحو، أكشطها حتى أصل إلى العظم نفسه، حتى يظهر الفعل هنا كما هو، فعل لا يوصف، لا يسمى، بلا لغة، بلا كلمات، بلا نحو، بلا إملاء». وهي لا تخفي أيضاً لحظات اليأس أمام «هذا المشروع الجنوني، أن تقلب جلد جزء من حياتك لتروي ما كان في ظلها وعنفها، أن تبحث عن إيما وتكاد لا تجدها لأن الوقت فات، أن تبقي شاهيناز في ضوء النهار مهما كلف الأمر».
إنها رحلة يائسة، كما تقول ناتاشا، لكنها لا تستطيع إلا أن تواصلها. وتستدعي في ختام الكتاب قصيدة «النمر الآخر» لبورخيس، تلك القصيدة الرائعة عن جنون المغامرة التي تمثلها الكتابة، لتواصل مشروعها الأدبي حتى النهاية، على رغم الشك والألم والظلمة والصمت والعجز، مقتربة في دوائر متتابعة من «النمر الثالث»، ذلك الذي ليس حقيقياً ولا خيالياً، بل هو «نتيجة عقل وجسد وسنين من التأمل والخبرة والكلمات والصور».
«عن الأندبندت عربية»

