ظاهريات الكتابة في كتاب «عم يتحدثون؟» لمحمد مصطفى القباج

” ماهية الكتابة سؤال فلسفي، نور باهر يخرج العقل من الظلام “

وكما يحدث في يوم عيد حين يخرج مؤلف الكتاب في الصباح لكي يتوجه إلى أكاديمية المغرب، من أجل إلقاء محاضرة حول خطاب المنهج عند ديكارت، ولكنه عاد وتوجه نحو السؤال كطريق نحو الحقيقة، وقد أصابه عشق الكلمات وصمت النصوص وهاجمته تلك الأسماء التي تمشي في ذهنه مستيقظا أو نائما، لأن مصيرها أضحى في يد السؤال ؛ عم يتحدثون؟،فبأي معنى يمكن أن نفهم هذا السؤال الغامض ؟ ،ألم يكن السائل سقراطيا عندما قال أنا مجرد سؤال أثناء محاكمته؟ وإلا لماذا نجده يبرر هذا الاختيار للتهكم كمنهج فلسفي؟.
وهكذا يبدو أن ماهية الكتاب هي ذاتها ماهية الكتابة الفلسفية تترجح في ظاهريات الروح، باعتبارها تأسيسا للعقل في الواقع :” عندما يسألونني كنت أجيبهم في البداية بأن المقصود عندي هو التوثيق حفاظا على نصوص من الضياع “كما نجده يقول في مقدمة الكتاب، ذلك أن ما كان يهم القباج هو إنقاذ النصوص من الضياع، بيد أنه تراجع وقال :” من الضروري أن ألفت الأنظار
إلى ما أقصده من مصطلح حديث في علاقته ب : عما يتحدثون؟ ..إذ ليس كلام الناس الشفوي العادي، ولكن حديث العارفين ” ص9 .
مهما يكن من أمر هذه الرغبة في السؤال الذي تحول إلى موقف تجاه الكلمات ونصوص العارفين، فإن المؤلف يحسم اختياره للثقافة العالمة ويتبرأ من الثقافة الشفوية ،لأنه لا يريد أن يكون مجرد صحافي يقوم بتجميع متن معين، ويطلق عليه اسم كتاب، بل إنه يقتسم مع القارئ متعة القراءة ونزهة التأملات الموجهة إلى هؤلاء الذين يستمعون إلى الفلسفة كما يجب ،لأن الحكمة تقتضي أن نحاور من ينتبه إلى خطاب الحقيقة انتباها حقيقيا،ولذلك اختار تلك الأسماء التي يعرفها حق المعرفة ويخشى أن تضيع في الوجود أو يأخذها الاغتراب؛ لقد كنت هنا كما لو أنني غائب، بين لي أي شيء يمكن أن يثير رغبتي واكتب عنك ،هذه علامة الجنون بالحكمة : الحب مقابل الحكمة .
فثمة قلق انطولوجي منتشر في ثنايا هذا الكتاب الذي يعرف صاحبه كيف يتحدث مع من يتحدثون، نحن نعرفهم بالأسماء ونقرأ لبعضهم،ولكن لا نعرف حقيقتهم إلا عندما نفتح كتاب مصطفى القباج:
“عندما تريد أن تسمع فيلسوفا، فلا تذهب وتسأله: ماذا ستقول لنا،بل ينبغي الانتباه الفلسفي الذي يتوجه إلى الفكرة حين تصبح حكمة لأن الذي يحول نظره إلى الفلسفة يعرف جيدا أن النص لا يرمم، ينفلت إذا لم يتم حفظه في نص آخر، ولعل هذه هي مهمة كتاب : “عم يتحدثون؟” إنه يسير في طريق السؤال نحو الحقيقة .
بهذا المعنى يصير الكلام مختلفا عن الحديث، فتحويل النظر من الكلام إلى الحديث تطلب من المؤلف استحضار ديكارت الذي أعاد الفلسفة إلى العالم بعد ضياعها ألف عام، وكأنه بحار قاد السفينة وحين لمست الأرض هتف: آه اليابسة ! كما قال عنه هيجل إنه بطل حرر العقل من الظلام بواسطة الشك، والأستاذ القباج كان معجبا به ،لأنه أيضا أراد أن يقول الحقيقة بجرأته المعهودة. فالسؤال المتعلق بقول الحق هو هدف وليس وسيلة،لأن الحكم على هذا النص بأنه يقول الحقيقة تحول إلى قدر ،ولذلك يستعمل كلمة أن هذا النص مهم للغاية، وهي إحالة واضحة على متعة التأملات في المتن الذي درسه المؤلف .
أن تكون كاتبا، يعني أن لا تكون عبدا لنفسك فتتركها تحكم أحكاما بعيدة عن الحقيقة، فالفضيلة باعتبارها صدقا ،أي نية صادقة، دفعت إلى الزهد الفلسفي مما حكم على النص بإنتاج متعة النص، وكأن التأمل تحول إلى نشاط حقيقي يختفي وراء الكلمات التي تتجول في نصوص الآخرين وتنظر إلى ما يحدث في الواقع الذي لا يريد أن يصبح عقلانيا.
طالما كانت الغاية أفضل من الوسيلة، بيد أن كتاب “عم يتحدثون” قلب العملية وأضحت الوسيلة أهم من الغاية، ولذلك كانت اللغة ماهية الكتاب بمثابة تأسيس لطريقة جديدة في تقديم محصوله من الثمار التي جناها خلال سنوات من العمل .هكذا جاء الكتاب عبارة عن سيرة ذاتية للمؤلف، بواسطته نتعرف على اليومي للفيلسوف ماذا يقرأ وكيف يقرأ، لأنه على امتداد 400 صفحة ، أي من خطبة الكتاب إلى سيرة ذاتية للكاتب، نسافر في عالم غريب يغلب عليه حوار الفلاسفة والمؤرخين والعلماء، وقد عبر عن ذلك بماركس وأبنائه الذين قاموا بالنقد والتفكيك. ورد الاعتبار لليبرالية والديموقراطية، فهل يتعلق الأمر بنهاية التاريخ مع فوكو ياما أم بنهاية الفلسفة مع هيجل ..
عشرون عاما وأنا أعرف الأستاذ مصطفى القباج ولم أكن أعلم بأنه يخفي مشروعا مهما بهذا الحجم. كان يكتب في صمت إلى أن فضحه هذا الكتاب العميق، والذي أمتعني في زمن غابت عنه المتعة واختطفت منه هذه الكلمات الناعمة التي أنشرها دون علمه .


الكاتب : د. عزيز الحدادي

  

بتاريخ : 04/04/2025