في العتمة، يتكئُ ظلانِ على جدارِ الوقت،
واحدٌ ساكنٌ كصخرةٍ تعرفُ سقوطها،
والآخرُ يرقصُ كريحٍ لا تعرفُ اتّجاهها.
الصادقُ كالموتِ لا يرفعُ صوته،
يمشي على رؤوسِ الأيامِ دون أن يعتذر،
عارياً من المجاز،
لا يحتاجُ للمرآةِ كي يرى وجهه،
ولا يسألُ عن الطرقِ التي لا تؤدي إليه.
إنهُ لا يلبسُ وجهاً آخر عند المساء،
لا يعقدُ اتفاقاً مع الظل،
ولا يتركُ وراءهُ باباً نصف مفتوح.
يجيءُ كاملاً، واضحاً،
كرصاصةٍ لا تتلعثم في طريقها.
أما الآخر، الكاذبُ كالحياةِ،
فهو عازفُ أوتارٍ خفيّة،
يُتقنُ لعبةَ الأضواءِ والسراب،
يغزلُ للريحِ نبوءاتٍ مكسورة،
ويحشو جيوبَ العابرينَ بكلماتٍ لم تولد بعد.
يعرفُ كيف يجعلُ الوهمَ مقعداً مريحاً،
والأملَ جسراً يعبرُهُ الجميعُ ولا يصلون،
يعدكَ بشمسٍ لنْ تشرق،
وببحرٍ لا يعرفُ الضفاف،
ثم يضحكُ، كأنّما لا يعلمُ أنهُ زيفٌ يمشي على قدمين.
الصادقُ كالموتِ لا يساوم،
يفتحُ باباً واحداً ولا يغلقه،
يناديكَ باسمِكَ، دون أن يسألَ عن ماضيكَ أو خطاياكَ،
يأخذُكَ بيدٍ ثابتة،
لا يهتمُّ إن كنتَ مستعداً،
ولا يعقدُ اتفاقياتٍ مع قلبك المرتجف.
والكاذبُ كالحياةِ، يصافحُكَ بيدٍ، ويخفي الأخرى،
يقولُ لكَ: “اتبعني”، ثمَّ يترككَ في منتصفِ الطريقِ،
يختبئُ خلفَ ستائرَ من وعودٍ واهنة،
ويرسمُ للنجومِ مساراتٍ لم تُخلق بعد.
يا أيّتها الحياة، كم من الأوهامِ خبّأتِ في أكمامِك؟
وأنتَ أيها الموت، لماذا تبدو وحيداً في زحامِ الحقيقة؟
في النهاية، يتنازعُ الظلانِ الطريق،
أحدُهما يعبرُ دون أن يلتفت،
والآخرُ، يلتفتُ كي لا يعبر.