على عتبة التسعين.. رحلة مع الشيخ عبد الرحمن الملحوني في دروب الحياة والثقافة والفن -21-

من الطرقية إلى السلفية

تعززت المكتبة الوطنية أواخر السنة الماضية بكتاب مهم يحمل عنوان « على عتبة التسعين، حوار مع الذات « للشيخ عبد الرحمن الملحوني.و فيه يغوص الكاتب الذي عُرف بغزارة عطائه خدمة لتوثيق الذاكرة الشعبية بمراكش و لأدب الملحون، في ما أثمرته ستون سنة من البحث و التنقيب فيما تختزنه الصدور من رصيد شفهي، و في ما توارى من مكنونات المخطوطات و الكنانش والتقييدات، التي لولا انتباهه السابق لزمانه، لكان مصيرها إلى الإتلاف. ليضع أمام الوعي الجمعي المغربي رأسمالا استثنائيا من الدرس و التدقيق في مكونات الثقافة الشعبية المغربية عامة، و الثقافة المراكشية خاصة. في هذه السلسلة نستعيد مع الشيخ عبد الرحمن الملحوني جوانب مما تضمنه هذا العمل، في جولة ساحرة تجمع بين ذاكرة الطفولة و تراكم العادات، و تقاطع الخطاب و فنون العيش في الحومات، إضافة إلى تطور سيرته العلمية في الزمان و المكان في احتكاك مع هواجسه المعرفية التي حركت أعماله.

n توقفنا في الحلقة السابقة عند شخصية ابن الموقت، و انقلابه من مناصر إلى الصوفية الطرقية إلى منتقد لها، هل كان في خلفية هذا الانقلاب، رؤية تربط لديه بين التخلف الاجتماعي والممارسات الطرقية التي كانت سائدة في شرائح واسعة من المجتمع؟

p يلاحظ الدارس والمتتبع لكتابات ابن الموقت أنه لم يترك الفرص تمر بدون سرد عيوب ومساوئ الطرق الصوفية المغربية، بحيث وضعها في سلَّة واحدة، منبها إلى أنها أصل كل داء حلَّ بالمجتمع. وفي ذلك قال:
«ولا جدال في أن كثيرين من هذه الطَّوائف جُناة على الأمَّة الإسلامية، إمَّا بجهلهم، وخُمودهم، وإمَّا بابتعادهم عن الشرع ومحاولتهم اصطياد الدنيا بشبكة الدين؛ وإذا أقرعهم إنسان بما جاء في الكتاب أو السنة، أطلقوا فيها ألسنتهم بالسَّب، بل رُبَّما كــفــــروه، وفسقوه، ورموه بكلّ شنيعة «. ورد ذلك في كتابه « الرحلة المراكشية».
ويشير الباحث الأستاذ عبد الحكيم أبو اللوز إلَى أن نشاط ابن الموقت الذي وجهه لمُعاصريه من المتصوفة الطرقيين، جلب بسببه حملات ضدّه من قبل ثلاثة قضاة، بتحالف مع بعض أقطاب الطرق الصوفية، وذلك بعد ظهور مؤلفه «الرحلة المراكشية» الذي أظهر فيه تأثيرا واضحا بالعقيدة السلفية من حيث اعتباره للإصلاح الديني، مدخلا لكلّ إصلاح اجتماعي، وسياسي، وثقافي.
نعم، فقد رفع المتحالفون ضده شكوى إلى باشا مدينة مراكش، وطالبوا من محمد الخامس – طيب الله ثراه – التدخل للجم لسان الشيخ، كما قام قاضي سطات، أحمد سكيرج، ومُقدّم الطائفة (التيجانية) – آنذاك – بالرَّد على ابن الموقت بمؤلف أسماه: «الحجارة المقيتة، لِكَسْر مِرآة المساوئ الوقتية» إلا أن ابن الموقت ألف بدوره كتابا يرد فيه على ما اعتبره افتراءات أحمد سكيرج، غير أن الكتاب صُودرَ من السوق وأحرق.
لقد كان ابن الموقت – رحمه الله – مُكثرا في كتاباته التي أعدَّها في مُواجهة ما اعتبره انحرافات وأباطيل دينية تعمي بصائر العــــوام، ومنها مؤلفاته الآتية:
لبانة القارئ من صحيح البخاري؛
السَّيف المسلول، على المعرض عن سنة الرسول – صلى الله عليه وسلم-؛
بغية المسلم، من صحيح الإمام مسلم؛ وعناوين أخرى تمت الإشارة إليها.
بالإضافة إلى ما ألَّف رَدًّا على الطريقة (الفتحية) التي كان من أتباعها، وهو كتاب الموسوم ب «هَدم الباني، في كشف الغطا عن زلقات الشيخ الرباطي البناني».

n المثير أنه في مرجعيات التأريخ للحركة الوطنية لا يذكر لا محمد أكرام وابن الموقت كرموز للحركة السلفية الوطنية..

p يذكر الباحث الأستاذ إبراهيم أبو اللوز أن الشيخين (الشيخ أكرام، والشيخ ابن الموقت) يبقيان استثناء ولا يمكن اعتبار مجهوداتهما جزءا من حركية ما في الحقل الدَّعوي بمراكش، ما قبل السَّبعينيات. وبشكل عام، فقد عانت السلفية المعبّر عنها داخل الحركة الوطنية ككل من قلة الرموز المعبرة عن هذا التوجّه الدّيني، وهذا ما يفسر : لماذا ظلت الحركة الوطنية تعمل – وباستمرار – على تأكيد وُجود رمز سلفي واحد، هو محمد بن العربي العلوي، والحال أن الشيخ كان قليل الكتابة، نادر التأليف، إلا ما كان من بعض التَّعليقات، والتَّقاريض على كتب من كان يجهلهم من مُعاصريه من العلماء والكتَّاب.


الكاتب : n إعداد: عبد الصمد الكباص

  

بتاريخ : 25/03/2025