عودة مسرحية «الحراز» إلى المسرح المغربي برؤية شبابية معاصرة

 

توجت مسرحية الحراز بجائزتي الإخراج و الأمل من المهرجان الوطني للمسرح الاحترافي في دورته 25 التي اختتمت الجمعة الماضية.
مسرحية «الحراز» تعد واحدة من الأعمال الكلاسيكية في الريبيرتوار المسرحي المغربي، حيث تم تقديمها سابقا من قبل المخرج الرائد الطيب الصديقي، وقبله عبد السلام الشرايبي. وهي مأخوذة من قصيدة «حراز عويشة» من فن الملحون المغربي، ويتميز بأداء المنشد الذي تصاحبه فرقة موسيقية تعتمد على آلات وترية مثل الكمان، الرباب ، العود، وآلات إيقاعية متنوعة.
القصيدة الأصلية، التي نظمها المكي القرشي الأزموري في أواخر القرن التاسع عشر، تحكي قصة عاشق يغامر لإنقاذ حبيبته عويشة المحبوسة في قصر الحراز، في رحلة تتشابك فيها المشاعر العاطفية والحيل الدرامية.

إعادة تقديم «الحراز» برؤية معاصرة

في العام الحالي، أعاد المخرج أمين نسور تقديم مسرحية «الحراز» ضمن مشروع للمعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي تحت إشراف الفنانة لطيفة أحرار مديرة المعهد والسينوغراف طارق الربح.
ويهدف هذا المشروع إلى إنتاج عمل احترافي يستلهم التراث المغربي الأصيل، من خلال إعادة تقديم مسرحية «الحراز» برؤية شبابية يقدمها طلبة السنة الرابعة كبوابة لدخولهم عالم الاحتراف الفني.
وظف أمين نسور في هذا العمل نسقا مسرحيا جماعيا يتبادل فيه الممثلون الأدوار بإيقاع سريع ،بحيث تأتي الحراز إلى المسرح بكامل أناقتها الشبابية التي تعكس رؤية الشباب للتراث.

رؤية إخراجية مبتكرة

لقد كان المخرج أمين نسور ذكيا في رؤياه الإخراجية فلا هو أعاد استنساخ حراز الطيب الصديقي ولا هو انفك منها كليا . بل استطاع أن يبتكر أسلوبا كان فيه فن الملحون هو الرابط لملفوظ الشخصيات القادمة من عوالم الحراز وخصام الباهيات والتي لا تجد مضاضة في الاستئناس بإيقاعات أخرى كالدقة الرودانية وكناوة ورقصة قلعة مكونة وأحواش وغيرها . وهو ما خلق إيقاعا عاما متسارعا يبدو فوضويا ظاهريا لكنه مرتب ومنظم وقادر على إنتاج المعنى والجمال . مع لمسات كوميدية خفيفة عززت التفاعل مع الجمهور و بأداء جماعي مبهر
ترفع الستارة عن مجموعة من الشباب بلباس أسود يبدو وكأنهم موريدون تائهون مرتبكون وحائرون مابين حالات جذبة الدراويش الروحية وبين رقصات متداخلة لأنواع غنائية شبابية حديثة في فضاء مسرحي منفتح. في خلفيته تنتصب ثلاثة أبواب متحركة بأقواس على الطراز المغربي تحيل على انسيابية الدخول والخروج والتحول بين الشخصيات والحالات .
وبفعل إيهامي تتجه الإضاءة المسرحية التي كانت قادرة على منح الممثلين انفعالات عميقة.

عودة الحراز

في لحظة فارقة ينفلت ممثل من الجوقة مقترحا على الجمهور تقديم مسرحية الحراز لكن من زاوية رؤية الشباب في تعاملهم مع التراث الغنائي المغربي معلنا عودة الحراز إلى المسرح .

أداء جماعي وانسجام تام

أظهر الممثلون (طلبة السنة الرابعة)للمعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي قدرتهم على الابتكار في الحركة والملفوظ في انسجام تام مع بعضهم ومع الفضاء المسرحي وفي التعامل مع الحالات الدرامية والكوميدية والغنائية والرقصات التعبيرية والخروج من شخصية الممثل والدخول في شخصية المشاهد بسلاسة جمالية .
وقد نجح نسور في إعادة الحراز بهذا الشكل الحديث بنفسٍ صدِّيقي وهو الذي سبق واشتغل إلى جانب الصديقي كممثل ورافقه في بداية مسيرته.
إن نبض نسور المسرحي في هذا العمل يستحضر روح الصديقي لتجلس وسط الجمهور وتتقاسم معهم لحظات من المتعة الجمالية .
ويمكن القول إن هذا العمل هو ورشة مسرحية لطلبة المعهد منتحتهم الفرصة لإبراز مواهبهم وإمكانياتهم أمام الجمهور .
إنه عرض خلق الدهشة و تقاسم فيه الممثلون والجمهور لذة المسرح الحقيقية


الكاتب : عبد القادر مكيات

  

بتاريخ : 01/12/2025