قراءة: «منارات» لأحمد بشنو: مداخل لتشكيل الحياة بالشعر..

 

يبني الشاعر أحمد بشنو في مجموعة أعماله الشعرية الكاملة «منارات» لتجربة جديرة بالقراءة لاكتشاف سردية عوالم نصوص حيث الاحاسيس الصغيرة التي تولدها القصائد وهي تخرج من اطارها المعلن الى افق تأويل عوالمها الرمزية المتعددة، وافاقها الشاسعة. تجربة شعرية يرى الباحث والأكاديمي والشاعر أحمد بشنو بانه يرتبط فيها بالتراث والوجدان بكل تجلياته وتمثلاته، وكيف انها لم تجر على وتيرة واحدة، لأنه عاش من خلالها حالة شعرية خاصة، وهي تعبر عن نفسها في اشكال مختلفة من الكتابة، بغض النظر عن كونها كلاما موزونا او غير موزون خاضعة لمعايير الشعر او غير خاضعة اليه.
في « منارات» لأحمد بشنو وهو أحد الأسماء الأدبية المغربية التي لم تأخذ حقها من المتابعة والدراسة النقدية الجادة؛ نكتشف ذلك التأمل الفظيع في الحياة. حياة تمتد ما بين امكنة متعددة؛ فما بين باريز وفاس ينتظم الوجه الثقافي والإنساني للشاعر حيث يطرح مواضعيه بصورة مطلقة يعمل فيها على الاشتغال على نصوص يتجاوز فيها ان يكون وكما ترى الدكتورة لويزا بولبرس مجرد طموح ذاتي يسعى من خلاله الى اثبات الحضور في الساحة المغربية، حيث عمل على التقاط صور من عاطفة مهمومة بالوطن، ربما لان مشاعر الغربة والحنين استحوذت عليه.
نصوص محملة بثيمات تحيل على قلق الذات وعدم ملائمتها مع العالم، حيث العزلة والتيه المستحيل الذي يتحكم في تحركاتها 🙁 يامن تضحك ان شكوت مابي او بحت في شعري باكتئاب ومافي حياتي من اغتراب، اسفي على فراق هذا الزمان اذ لطخ محبة الصفاء بقاتم السواد). وبشكاوى ذات شاعرة تعيش غربة وجودية خاصة لكنها ليست موجهة لاي أحد. وان كان يبحث فيها عن قارئ ضمني يقحمه في السر الذي يجمعه بنفسه ليتحلل ويتداعى فيه. تجربة شعرية تحضر فيها الذات الكاتبة بلمحات سيرية مواربة؛ حيث يرى أحمد بشنو بنفسه بانها تحبل بالمتناقضات. يتردد فيها الانسان بين كونية شيطانية، كونية ما فوق بشرية بين المأساة والملهاة بين انسان التراجيديا وانسان الكوميديا، بين الحب والحقد، بين الصورة والخيال، الواقع والوهم، العقل واللاعقل، الروح والجسد والموت، الامل والالم، الضعف والقوة، حقول ترتع فيها شعرية القصيدة وتركض وتتغذى من مرعى حدائقها المتنوعة في زمن أغفلنا فيه الموعد مع الشعر ومع القصيدة، زمن ما بعد جائحة كورونا، حيث تدهورت فيه الحواس الثقافية والذائقة الجمالية للناس؛ فالشعر كان دائما توأما للكتابة، لان الذات المبدعة لا تستطيع ان تعي ذاتها أحيانا مما يجعلنا نكتشف تحولاتها في القصيدة.
نصوص بمشاهد شعرية نكتشف من خلالها حكايات تبين عتمتها وسوادها الإنساني، حكايات لا تغادر الواقع كما جسدتها العتبات النصية التي تحيل على عناوين المجموعة الشعرية التي يهديها الشاعر الى أبناء فلسطين والى زهرة المدائن التي تغنى بها الشعراء، حيث يغدق على القدس من انسانيته الكثير، بأماكنها العتيقة وزمانها السعيد الذي تغنت به فيروز، وبنسقية معجمية تحيل على الألم والجراح، نستطلع من خلالها مرايا الاخرين. قصائد تعج بشخصيات تراجيدية ومركبة يرصد حضورها النصي بمعالجة سيكولوجية خاصة، شخصيات واضحة في خطابها وحديثها وتعابيرها من حالة الإيحاء والدهشة كما تبين اللغة الشعرية حيث تتوحد المعاناة ويتوحد المصير. مما يعني نجاح الشاعر في إرساء قواعد التأمل الفلسفي لطبيعة الحياة كما يراها؛ لان الشعر ظاهرة كافية بذاتها، فهو مرتبط عضويا بالحياة العامة ولا ينتج تأثيره الا في متلقي يقدر التجاوب معه بكيانه الإنساني؛ وعبر شخصيات تحوز على عطف القارئ او المتلقي وتأخذ الطابع الملحمي وهي تؤسس لأسطورة وجودها الحقيقي في لاوعي الشاعر والمتلقي معا.
نصوص «منارات» تسير على إيقاع وعي شعري حاول فيها أحمد بشنو أن يوصل الى المتلقي وبمشهد حدسي مبكر عظمة روحه ، حيث ترتكن نفسه بما هي عليه ، وما حملته في عزلتها وتنقلها عبر فضاءات متعددة انتهت بمدينة فاس حيث عبق التاريخ ورحابة الجغرافيا .قصائد جمع فيها الشاعر ما بين التقليدي الحداثي ، فالشكل لا يحدد جوهر الموضوع . نصوص حيث الروح القديمة غالبا ما تظل طاغية ، وان كان الشعر اليوم من حيث اغراضه القديمة قد انتهى موضوعيا ، فمعظم القصائد يمكن ان تتحدث عن أي شيء، ليس لان خطابها سوف يكون خاصا بها ، لأنها تفتح افق انتظارها على المتلقي من اجل اكتشاف ذوات مثقلة بالأسئلة والاغتراب . لأنه لا يمكن أبدا الفصل بين الثقافي والاجتماعي وذلك عبر ممارسة كل طقوس الابداع. أي مجمل الأفعال التي تجعل الفكرة قادرة على أن تتحول إلى قوة للإكراه والرقابة معا والتأثير على السلوك الإنساني وضبط غاياته ودوافعه. فالعمل الثقافي كيف ما كان، ومهما كان جنسه لا يتردد في الاستحواذ على الفرد والجماعات ليتحول عبر السنين إلى مرجعية لدى الناس في كل مكان وزمان وهو ما ينطبق على أعمال خالدة أصبحت تراثا إنسانيا وهي الخصوصية التي تبرز قوة الأفكار في حياة البشر.
كاتب مغربي


الكاتب : محمد دخاي

  

بتاريخ : 28/02/2025