على مر العصور، أثارت الظواهر الخارقة للطبيعة اهتمام البشر، متجاوزة الحدود الثقافية والاجتماعية والزمنية. فمن الغموض الذي يحيط بالأشباح والأرواح إلى التجارب القريبة من الموت، تثير هذه الظواهر مزيجا من الخوف، الفضول، والانبهار. يعود انتشار هذه المعتقدات إلى عوامل متعددة، أبرزها الحاجة الإنسانية لفهم المجهول، تفسير الظواهر الغامضة، والبحث عن إجابات للأسئلة العميقة حول الحياة، الموت، وما بعدهما.
ساهمت الروايات الشفهية، الحكايات الشعبية، والتجارب الشخصية في تثبيت هذه المعتقدات عبر العصور، كما يظهر في وفرة القصص حول الأشباح، الساحرات، الوحوش، والقوى الخارقة التي تناقلتها الأجيال.
كان للظواهر الخارقة للطبيعة تأثير كبير على السينما والفنون، إذ وجد فيها الكتاب وصناع الأفلام كنزا لا ينضب، وساهمت أفلام الرعب، القصص المثيرة، والتعبيرات الفنية في تشكيل التصورات العامة حول ما هو خارق للطبيعة، حيث امتزج الخوف بالجاذبية، مما خلق فضاء أصبح فيه الخيال انعكاسا للمخاوف والعواطف البشرية.
نستعرض في هذه الحلقات عددا من الأماكن في العالم التي اشتهرت بقصص الرعب، وتداول الناس حكاياتها ما بين مصدق ومشكك، حيث شكلت، بشكل أو بآخر، المخيال الجماعي عبر عدة أجيال. فمن القصور المهجورة إلى المستشفيات المسكونة، ومن القرى الغامضة إلى الفنادق التي تحيط بها الأساطير، سنخوض رحلة عبر هذه المواقع التي ظلت
محورا للجدل والخوف والدهشة.
بسبب القصص المخيفة والظواهر الخارقة التي تحيط بها، تُعد جزيرة بوفيليا من أكثر الأماكن غموضا ورعبا في إيطاليا، ورغم أنه لا يوجد متحف رسمي هناك فإن الجزيرة نفسها تعتبر «متحفًا للرعب» بسبب ماضيها.
تقع جزيرة بوفيليا في بحيرة البندقية، بين مدينة البندقية ومنطقة ليدو. الجزيرة حاليا مهجورة ومغلقة أمام العامة، رغم أن بعض السياح والمستكشفين يتمكنون من زيارتها سرا.
في عام 1776، استخدمت الجزيرة كمركز للحجر الصحي لعزل المصابين بالأمراض المعدية، خصوصا الطاعون، وخلال فترات تفشي هذا الوباء، نُقل آلاف الأشخاص إلى الجزيرة ليموتوا هناك، وأُحرقت جثثهم في مقابر جماعية، ويقدّر أن أكثر من 160,000 شخص لقوا حتفهم هناك.
في عام 1922، بُني مستشفى للأمراض النفسية على الجزيرة، مما زاد من سمعتها المخيفة، وترددت شائعات بأن طبيبا كان يجري تجارب وحشية على المرضى، ويقال إنه أصيب بالجنون في النهاية، وانتحر برمي نفسه من برج الجرس، مدعيا أن الأشباح تطارده
زعم المرضى أنهم يسمعون أصواتا ويرون ظلالا، لكن اعتبرت هذه الهلاوس جزءا من أمراضهم. في 1968، أغلق المستشفى وهُجرت الجزيرة تماما، ومنذ ذلك الحين، صارت الجزيرة تُعتبر من أكثر الأماكن المسكونة في العالم
أفاد بعض الزوار الذين تمكنوا من دخول الجزيرة بأنهم سمعوا صرخات وهمسات، وبكاء. بعضهم قال إنه رأى ظلالا وأشباحا، ويقال إن تربة الجزيرة مكونة جزئيا من رماد بشري بسبب حرق جثث ضحايا الطاعون. كانت الجزيرة ملكا للحكومة الإيطالية، وقد حاولت بيعها في مزادات عدة، لكن لم يتمكن أحد من الاحتفاظ بها طويلا بسبب سمعتها وصعوبة تطويرها.
تجذب الجزيرة المستكشفين وعشاق الظواهر الخارقة، لكنها محظورة رسميا،
وهي تعتبر الجزيرة موقعا تاريخيا، لكن لا يوجد «متحف» رسمي، ويُشار إليها أحيانًا بـ «المتحف الحي للرعب».
ظهرت الجزيرة في برامج مثل «مغامرات الأشباح»، وفي أفلام وثائقية عن الأماكن المسكونة، كما ألهمت قصصا وأعمالا أدبية في أدب الرعب وتُعد من أكثر الوجهات ذكرا في قوائم الأماكن الملعونة والمسكونة عالميا.
وقد زعم زوار غير شرعيين أنهم رأوا ظلالا بشرية تتنقل بين الأنقاض والأشجار، وشوهدت أشباح ترتدي ملابس قديمة، يُعتقد أنهم ضحايا الطاعون أو مرضى المستشفى، كما ظهرت وجوه شاحبة من نوافذ المباني المهجورة.
مما يقال عن الجزيرة، أنه يُسمع ليلا – وأحيانا نهارا – صرخات ألم وبكاء، يُعتقد أنها أرواح مرضى الطاعون، كما سُجلت أصوات همسات غامضة من جدران المستشفى، وزعم بعض الأشخاص سماع أصوات تناديهم بأسمائهم رغم أنهم كانوا وحدهم.
رغم إزالة جرس برج الجزيرة منذ عقود، أفاد بعض الزوار بسماع دقات أجراس غامضة، خاصة عند الغروب أو أثناء الليل، وترتبط هذه الظاهرة بأسطورة الطبيب الذي انتحر، حيث يُقال إن الأرواح تطارده حتى بعد موته. قيل إن هذا الطبيب، الذي كان يجري تجارب على المرضى، أصبح يسمع أصواتا ويرى أشباحا، وأنه ألقى بنفسه من برج الجرس، لكنه لم يمت فورا، أُحيط بضباب غريب، وخُنق بواسطة قوة غير مرئية .شهدت ممرضة الحادثة، وأكدت أنها رأت أشباحا تحيط بجثته.
شعر البعض أيضا بأيد غير مرئية تلمسهم أو تدفعهم، وأبلغ آخرون عن شعور بثقل على صدورهم، أو ضيق تنفس، وكأن شيئا يحاول خنقهم، كما شعر بعض الزوار بدوار أو غثيان حاد، ما أجبرهم على مغادرة الجزيرة.
هناك مناطق في الجزيرة تُوصف بأنها مليئة بطاقة سلبية. وقد ذكر بعض المستكشفين أنهم عند الاقتراب من غرف معينة في المستشفى، تنخفض الحرارة فجأة ويشعرون بخوف غير مبرر.أما المنطقة التي كانت تُلقى فيها الجثث وتحرق فتُعد الأكثر رعبا، إذ أُبلغ عن رؤى وجوه تظهر في الرماد، وشعور مستمر بأن هناك من يراقبك.
يُعتقد أيضا أن تربة الجزيرة مكونة من بقايا بشرية، بسبب عمليات الحرق الجماعي، ولهذا يتجنب الصيادون المنطقة، إذ عثروا في شباكهم على عظام بشرية.
كما التقطت فرق استكشاف «ظواهر خارقة»، مثل فريق برنامج «مغامرات الأشباح»، وتضمنت أصواتا عبر الأجهزة، وكلمات مثل: «اخرجوا»، «ساعدوني»، «الموت».
وقال بعض المحققين إنهم تعرضوا لاعتداءات غير مرئية، أحدهم أُسقط أرضا بقوة، مما أجبرهم على المغادرة. أما سكان البندقية فيعتبرون الجزيرة مكانا ملعونا، ويرفضون زيارتها، ويُقال إن من يدخل الجزيرة، قد لا يخرج منها سالمًا.
وفيما يرى العديد من المتتبعين أن هذه القصص مجرد أساطير، فإن كثرة الشهادات وشدة التجارب المروية جعلت بوفيليا تُصنف رغم ذلك، ضمن أكثر الأماكن رعبا في العالم.