لغز الظواهر الخارقة: بين التصديق والتشكيك 24- مستشفى بيتشوورث :أستراليا

على مر العصور، أثارت الظواهر الخارقة للطبيعة اهتمام البشر، متجاوزة الحدود الثقافية والاجتماعية والزمنية. فمن الغموض الذي يحيط بالأشباح والأرواح إلى التجارب القريبة من الموت، تثير هذه الظواهر مزيجا من الخوف، الفضول، والانبهار. يعود انتشار هذه المعتقدات إلى عوامل متعددة، أبرزها الحاجة الإنسانية لفهم المجهول، تفسير الظواهر الغامضة، والبحث عن إجابات للأسئلة العميقة حول الحياة، الموت، وما بعدهما.
ساهمت الروايات الشفهية، الحكايات الشعبية، والتجارب الشخصية في تثبيت هذه المعتقدات عبر العصور، كما يظهر في وفرة القصص حول الأشباح، الساحرات، الوحوش، والقوى الخارقة التي تناقلتها الأجيال.
كان للظواهر الخارقة للطبيعة تأثير كبير على السينما والفنون، إذ وجد فيها الكتاب وصناع الأفلام كنزا لا ينضب، وساهمت أفلام الرعب، القصص المثيرة، والتعبيرات الفنية في تشكيل التصورات العامة حول ما هو خارق للطبيعة، حيث امتزج الخوف بالجاذبية، مما خلق فضاء أصبح فيه الخيال انعكاسا للمخاوف والعواطف البشرية.
نستعرض في هذه الحلقات عددا من الأماكن في العالم التي اشتهرت بقصص الرعب، وتداول الناس حكاياتها ما بين مصدق ومشكك، حيث شكلت، بشكل أو بآخر، المخيال الجماعي عبر عدة أجيال. فمن القصور المهجورة إلى المستشفيات المسكونة، ومن القرى الغامضة إلى الفنادق التي تحيط بها الأساطير، سنخوض رحلة عبر هذه المواقع التي ظلت
محورا للجدل والخوف والدهشة.

 

يعتبر مستشفى بيتشوورث للأمراض العقلية في أستراليا واحدا من أكثر الأماكن رعبا وإثارة للجدل في تاريخ الطب النفسي. بني عام 1867 في ولاية فيكتوريا، وكان في البداية مخصصا لرعاية المرضى العقليين، لكنه سرعان ما أصبح رمزا للمعاناة والظروف اللاإنسانية.
خلال أكثر من قرن من عمله، شهد المستشفى وفاة ما يزيد عن 9000 شخص، كثير منهم قضوا في ظروف مأساوية. أُغلق المستشفى عام 1995، لكن قصصه لم تُدفن معه، إذ لا تزال هناك تقارير عن مشاهدات غامضة وأحداث خارقة للطبيعة تجعله أحد أشهر المواقع المسكونة في أستراليا.
في بداياته، كان المستشفى يستقبل المرضى الذين يعانون من اضطرابات نفسية حقيقية، لكنه سرعان ما تحول إلى مأوى لكل من ترغب عائلاتهم في التخلص منهم. كان يكفي أن يُقرر أحد أفراد الأسرة أن شخصا ما يعاني من «هستيريا» أو «إدمان على الكحول» أو حتى «اكتئاب شديد» ليتم إدخاله إلى المستشفى قسرا. كان النظام الصحي في ذلك الوقت يسمح بهذه الممارسات، مما جعل كثيرين يقضون حياتهم بين جدرانه دون أي فرصة للخروج.
الأساليب العلاجية التي كانت تُمارس داخل المستشفى لم تكن إنسانية بأي شكل. كان المرضى يُجبرون على الخضوع لجلسات علاج بالصدمات الكهربائية دون تخدير، ويُتركون في حمامات مياه مثلجة لساعات طويلة كطريقة «لإعادة ضبط عقولهم». كما تم تطبيق عمليات استئصال الفص الجبهي (اللوبوتومي) بشكل واسع، وهي عملية جراحية همجية تهدف إلى «تهدئة» المرضى لكنها كانت تتركهم في حالة أشبه بالشلل العقلي. لم يكن هناك أي احترام لحقوق المرضى، وكان كثير منهم يُعزلون في زنازين صغيرة مظلمة لأيام أو أسابيع دون تواصل بشري.
وسط هذه الفظائع، لم يكن من المفاجئ أن يتحول المستشفى إلى مكان يعج بقصص الأشباح والظواهر الغامضة بعد إغلاقه. منذ عام 1995، بدأ محققو الظواهر الخارقة بزيارة الموقع، وجميعهم تحدثوا عن أحداث غير طبيعية لا يمكن تفسيرها. أحد أكثر الأشباح شهرة في المستشفى هو شبح فتاة تُدعى ماتيلدا، يُقال إنها تظهر في الحدائق وتمسك بأيدي الزوار، كما شوهد شبح رجل يرتدي معطفا أبيض يتجول في الممرات، ويُعتقد أنه طبيب سابق في المستشفى.
الزوار والعاملون في الأمن أبلغوا عن سماع أصوات غامضة، مثل صرخات ألم وبكاء، إلى جانب همسات قريبة من آذانهم رغم أنهم يكونون بمفردهم. بعضهم أفاد بأنهم شعروا بكيانات غير مرئية تراقبهم، أو حتى بلمسات خفيفة على أكتافهم. الأكثر رعبا كانت التقارير عن «شبح الطبيب السادي»، الذي يقال إنه لا يزال يجول في أروقة المستشفى، وربما كان أحد الأطباء الذين أجروا تجارب قاسية على المرضى.
إحدى أكثر الغرف رعبا في المستشفى تُعرف باسم «غرفة الموت»، حيث يُقال إن عددا كبيرا من المرضى ماتوا فيها بظروف غامضة. الزوار الذين حاولوا دخولها أبلغوا عن شعورهم بطاقة خانقة، وبعضهم قال إنه شعر وكأن هناك قوة غير مرئية تمنعهم من فتح الباب. كما التقط بعض محققي الظواهر الخارقة صورا وفيديوهات داخل المستشفى، حيث ظهرت أشكال ضبابية، وأضواء غريبة، وظلال تتحرك من تلقاء نفسها.
هذه الأحداث عززت من سمعة المستشفى كمكان مسكون، وجعلته مقصدا للمهتمين بالخوارق. ورغم أنه مغلق رسميا، إلا أن كثيرا من الناس يزورونه بحثا عن إثبات لوجود الأشباح، أو لمجرد الشعور بالرعب في أجوائه المخيفة.
في غضون ذلك، يبقى السؤال مثارا، هل يتعلق الأمر بظواهر حقيقية، أم أن الرعب المتراكم في تاريخ المستشفى يجعل الزوار يتخيلون أشياء لا وجود لها؟ مهما كانت الإجابة، يظل مستشفى بيتشوورث رمزا لماضٍ مظلم لا يزال يلقي بظلاله حتى يومنا هذا، واعتقاد سائد لدى العديد بأنه ربما ستظل أرواح الذين عانوا داخله عالقة فيه إلى الأبد.


الكاتب : عزيز الساطوري

  

بتاريخ : 28/03/2025