لماذا جبهة البوليساريو حركة رجعية؟ 27

بعد الجواب عن سؤال هل هناك شعب صحراوي؟، سينتقل عبد السلام المودن لطرح سؤال آخر: لماذا جبهة البوليساريو حركة رجعية؟.
بالنسبة للفقيد عبد السلام المودن إن استرجاع المغرب لصحرائه، لم يتم في المجرد بل على أرض واقعية: لقد تم في منطقة جغرافية- سياسية محددة هي نفس المنطقة التي تعيش فيها الجزائر أيضا. وهذا معناه من الوجهة الجيو-سياسية، أن استرجاع الصحراء، وبالتالي تعديل حدود الدولة المغربية لما كانت عليه قبل 1975، هو تغيير لميزان القوى في المنطقة بين الدولتين المغربية والجزائرية لغير صالح هذه الأخيرة.
إن الجزائر قد رسمت منذ المرحلة البومديينية في منتصف الستينات، استراتيجية محددة تقوم على المبدأ التالي: الاستفادة من إمكانيات النفط والغاز ومن النظام الاقتصادي – السياسي الممركز، لجعل الدولة الجزائرية قوة صناعية في منطقة المغرب العربي بوجه خاص، وعلى الصعيد الافريقي بوجه عام. إن صعود دولة صناعية جزائرية قوية في المنطقة سيقود حسب الاستراتيجية المرسومة، إلى بسط النفوذ الجزائري ليس فقط على دول المغرب العربي الصغيرة بل أيضا على الدولة المغربية المنافسة. لذلك فإن الاستراتيجية الجزائرية لا تتعامل مع مسألة وحدة بلدان المغرب العربي من موقع التعاون الديمقراطي، بل من موقع القطب المهيمن.
وهكذا يعتبر عبد السلام المودن بإن نزعة الهيمنة البورجوازية للدولة الجزائرية لا يمكن إلا أن تعادي المطالب الديمقراطية للبلدان المجاورة، وخصوصا إذا تعلق الأمر بدولة منافسة كالمغرب. ويتجلى هذا اليوم بشكل صارخ في قضية الصحراء المغربية.
فالجزائر، بحكم الشروط التاريخية التي مر فيها نضالها الوطني التحرري من الاستعمال الكولونيالي، وبحكم طبيعة الطبقة الاجتماعية التي قادت ذلك النضال الوطني، فإنها قد حررت دفعة واحدة كل ترابها الوطني بما فيه أقاليمها الصحراوية. وبالتالي لم يبق عندها ما يسمى بالمسألة الوطنية. لكن الأمر يختلف بالنسبة للمغرب. إذ بحكم شروط نضاله الوطني الخاصة، وبحكم طبيعة الطبقة الاجتماعية التي قادت ذلك النضال، فإنه لم يتمكن من تحرير مجموع ترابه الوطني دفعة واحدة. لذلك بالنسبة إليه لم يتم حل المسألة الوطنية حلا كاملا.
واليوم عندما قرر المغرب استرجاع صحرائه ورسم حدود أكثر ديمقراطية لدولته، فإن الجزائر بدل أن تبارك تلك الخطوة وترى فيها انعتاقا للمنطقة ككل من قبضة الاستعمار الكولونيالي الأوروبي الذي ظل جاثما عليها لعقود من التاريخ ،فإنها بالعكس لم تر فيها سوى تغييرا لميزان القوى بين الدولتين وتعاظما للنفوذ الجيو-سياسي المغربي.
ويستنتج المودن «إن جوهر الصراع إذن في منطقة المغرب العربي، ليس هو كما يتوهم بعض «الماركسيين» المغاربة السطحيين، بين المغرب وجبهة البوليساريو، بل بين المغرب والجزائر التي تعارضه انطلاقا من اعتبارات جيو-سياسية صرفة، لا من موقف مبدئي من حق الشعوب في تقرير مصيرها(…) .
ويتساءل الكاتب : ما موقع جبهة البوليساريو من هذا الصراع؟
إن هذه المنظمة تمثل فئة من البورجوازية الصغيرة تتكون من مثقفي وأطر الجبهة وهذه الفئة الاجتماعية تحلم بإقامة دويلة خاصة بها، محاولة استغلال ظروف البلبلة الناجمة عن تخلف المغرب في تصفية الرواسب الكولونيالية بالنسبة لترابه الوطني.
هناك إذن لقاء بين مصلحتين: مصلحة البورجوازية الجزائرية في الهيمنة على المنطقة، ومصلحة الأقلية الصحراوية الانفصالية الصغيرة، في إقامة دويلة مستقلة عن المغرب.
إن مصلحة تلك الأقلية الانفصالية تتعارض إذن مع مصلحة الشعب المغربي في توحيد ترابه الوطني.
فكيف تنظر الماركسية إلى مسألة من هذا النوع، خصوصا إذا كانت الأقلية تخوض صراعها باسم التحرر، وباسم الديمقراطية؟ كيف يمكن حل هذا التعارض؟
إن الماركسية واضحة في هذا المجال حسب عبد السلام المودن. فهي تنطلق من مبدأ تغليب الكل على الجزء. ولينين يؤكد على ذلك بصريح العبارة. فهو في تعليله لإحدى الحالات التي رفض فيها تقرير المصير بالنسبة لبعض الشعوب الصغيرة: «إن هذه الحالة التي يجب تحليلها بشكل ملموس إذا نحن أردنا أن نظل أوفياء للماركسية، تبين:
1) بأن مصلحة تحرر عدد من الشعوب الكبيرة، هي فوق مصلحة تحرر الأمم الصغيرة… 2) وأن مطلب الديمقراطية يجب مراعاته على صعيد المنطقة ككل، وليس بشكل معزول.» (لينين: المؤلفات المجلد 22 ص 366 – الطبعة الفرنسية).
ونحن بدورنا نقول: إن مصلحة تحرر الشعب المغربي هي فوق مصلحة تحرر فئة من البورجوازية الصغيرة الصحراوية، وإن مطلب الديمقراطية لا يجب التعامل معه في إطار صحراوي ضيق ومعزول، بل في إطار نضال الشعب المغربي ككل.
ثم لنتساءل: حتى مع فرض أن جبهة البوليساريو استطاعت تحت ضغط الدم الجزائري الهائل، أن تؤسس دولتها الخاصة، فهل هذه الدولة الصحراوية الضعيفة التي تستمد كل مقومات وجودها من الدعم الجزائري، ستكون مستقلة فعلا ومتحررة فعلا من الهيمنة الجزائرية؟ إن هذه المزاعم ليست سوى من قبيل الأوهام.
ليخلص عبد السلام المودن الى القول إن البوليساريو، في حقيقة جوهر الصراع الدائر أصلا بين المغرب والجزائر في المنطقة، ليست سوى ركيزة للهيمنة الجزائرية تستعملها هذه الأخيرة لضرب التحرر الوطني المغربي…
لكن إذا كان ماركس وانجلز لم يترددا في وصف الشعوب التشيكية – السلافية الجنوبية، التي هي فعلا شعوب حقيقية، بنعت الرجعية، فماذا يمكننا وصف البوليساريو التي لا تتوفر حتى على صفة شعب!.
إننا نقول بكل بساطة: إن جبهة البوليساريو ليست حركة تحرر بل حركة رجعية.


الكاتب : م. محمد البوزيدي

  

بتاريخ : 04/04/2025