مجازات العتمة في : ديوان « أرق من عناق » لسعيد كوبريت

يعرف الجميع ذلك : الاستعارة الضوئية هي في الأصل [ استعارة إشراقية / رؤيوية ] . أيضا مجاز طقس تطهيري و نداء ماورائي . امحاء للظلمة التي كما في « كهف أفلاطون» تحجب الجوهر الأصل للحقيقة و الوجود و الكينونة .
تتواتر صور الطباق الرمزي بين العتمة و الاستنارة في ديوان « أرق من عناق « لسعيد كوبريت ( 1 ) ، يتناسخان في إيقاع حلولي : كل عتمة رحم لضوء و كل ضوء تبصر لما ينطمس في الاحتجاب . نقرأ من الصفحة 26 :
أنا الأعمى
لا أرى في ضوء
أبصر في عتمة
و على مرمى حجر ، الصفحة 31 :
كالشمع في الذوبان
أنت نور ونار
وعقبها ، الصفحة 32 ، تصير الوردة مجاز القصيدة ، وتغدو العتمة [ جبة صوفية ] للمعنى الشعري و انعكاسا للذات في مرايا اللغة و الرمز . نقرأ :
ماذا تفعل عتمة في يد وردة ؟
أيا قربان
تحب الغرق لتنجو
السقوط لتعلو
الخبو لتضيء
كل هذه الاستدلالات الشعرية مقتطفة من قصيدة طويلة بعنوان ( النوافذ لا تبصر) . علينا أن نتحلى بفضيلة غض النظر لكي نقبل بأمر وجود ( نوافذ عمياء ) . لكن هذه الاستعارة البورخيسية ذات جاذبية أوديبية عميقة الأثر مفادها : استحالة رؤية العالم خارج الذات بوضوح و تبصر دون ارتداد البصر إلى عمق الذات حيث تثوي الحقائق المنحجبة .
هذا التأويل الرمزي نهتدي إلى مرابضه في الصفحة 35 ، يقول الشاعر :
كان علي أن أضرم النار بالكلمات
كي أدفىء البرد الشديد الذي اعتراني
في غيابك
نتوقف هنا قليلا ، إننا نجد شعراء يذهبون إلى المعجم الصوفي و يقومون بترحيل مفرداته و مصطلحاته إلى القصيدة عن طريق [ الإعارة و الملء ] لكي يزعمون انتسابا إلى جماليات الإستطيقا الصوفية .
يبتعد سعيد كوبريت عن هذا الزعم ولا يتنحله ، ثمة شيء اسمه الذكاء الشعري في المعرفة الباشلارية يكشف لنا أن التجربة الصوفية في الشعر تكمن بالأساس في تجربة اختبار المستحيل و الذهاب إلى ما وراء اللغة حين يصير المعجم « حدسا خالصا « ( 2 ) .الحدس الذي يفتح مسالك المعنى الشعري على الحدود اللانهاية لتجربة الحدود بانعكاس مرايا الوجود ظاهرها في عمق باطنها .
في لغته الشعرية ثمة هذا الدنو [ الصوفي ] الذي يجعل اللغة نزولا غوريا إلى العتمات الشعرية / المضيئة ، انحدار هو في الآن ذاته صعود و ارتقاء . نقرأ :
تغرب الشمس هنا في مدريد ، أتفقد حصتي من العتمة قبل أن أترافع أمام الله في ساحة سانتانا عن حصتي من ضيائك .
يقودنا السفر الحدسي الكوبريتي إلى مجاهيل الذات ، تارة بالتبصر البورخيسي أو قلق أعمى المعرة و تارة بتوسل القتاع الأوديبي أو استعارة اللهب البروميثي أو الاحتراق الإكاروسي أو المصباح الديوجيني مكثفا تشابكات استعارات الظلمة والنور :
يا ممشى الروح أيا عطل الضوء
ها أخرج من أناي إلى ظلي
و من عماي إلى بصيرتي
و ةها أرقب موتا سيعبرني حتما
كي أحيا
هكذا يعبر الشاعر تجربة الاختبار الملحمي لامحاء الظلال وعبور برازخ النور والديجور، جاعلا لغته الشعرية تنفسح على (دال المكان) و(دال المرأة ) في ترميزاتهما الشعورية و اللاشعورية ، سواء في قصيدة « النوافذ لا تبصر « أو قصيدة « الخطيئة وارفة « ، وهو يزج بنا في متخيل شعري لاستبطان لا وعي المجاز .
تصير الكتابة الشعرية لها شكل [ حلم يقظة ] متجانسة مع الدلالة الخفية لرمزية [ الأرق ]، الأرق ذاته الذي إذا أعملنا الجناس التصحيفي قادنا إلى [ الورق ] كدليل كنائي على الكتابة و فعل التخييل الشعري و كدليل كنائي على سواد الحبر ( ليل المجاز) وبياض الورقة ( شمس المجاز ) .
يتعانق هذان البعدان المجازيان ، كل بعد يماثل نطفة ميلاد في رحم الآخر . هكذا حين تعبر في الصفحة 71 إلى قصيدة « الخطيئة وارفة « يندغم دال المرأة بصورة الخطيئة الأصلية ، مثلما يندغم دال المكان بفيض ترميز يتوزع ما بين ( فردوس) لتسامي أمكنة الكتابة أو (الجحيم ) الصورة النقيض ، أو (المنفى) وهي كلها رموز من المتخيل الشعري الكوني العاكسة للمفارقات التي تطبع الوجود الإنساني .
كتابة الأرق وأرق الكتابة في الديوان في تضامها باستعارتي العتمة والاستنارة يجعلان الفعل الشعري مرتهنا بمساءلة وجودية للذات و العالم و الوجود ، مساءلة تضع على الحدود سؤال المعنى الشعري و هو لا يكف يراود الظلال بحثا عن الأصل أو يماري في شأن الحقيقة في عالم زائف . نقرأ من الصفحة 104 :
لا ، ليس هذا المعبر الذي أريد
إنه مدخل لعتمات القبور
معبري يرقات ضوء
و هالة ورد على الشرفات
معبري شمس ربيع و قصيدة مقدسة
يعقبه الصفحة 105 لا:
و أنت ، أيها الظل المائل جهة الأفول
ابتعد قليلا ، و انتظر نبوءات الصباح
في صدوع المرايا و شقوق الروح
هكذا تتسيد مجازات العتمة و طبقات الاستعارة الضوئية في تخييل شعري هاجس ب «أرق الوجود» و «أرق الكائن « ما بين عماء الرؤية و التبشير بفجر يمحو الظلال الحاجبة لكل ماهو جوهري في الوجود و لكل ما هو ضرورة إنسانية توحد الكائن بحقيقته الأصلية.


الكاتب : محمد علوط

  

بتاريخ : 04/04/2025