لم يخطر على بالي،حين أقدمت على زيارة معرض: “التحول” الذي يقيمه الفنان المغربي عبد الرفيع الگداليبداية من 14 فبراير إلى غاية 30 مارس برواق دار الفن طنجة، أنني سأمْثُلُ أمام تجربة بصرية تطوق متلقيها بأسئلة وجودية تتجاوز حدود الشكل والمادة إلى متاهات الفكر، وخاصة تلك الأسئلة المقلقة حول جوهر الذات، وحول الولادة الجديدة لحقائق لا تشبهنا؛ إذ وجدتُنيفي مواجهة تكوينات بصرية تفرض ذاتها كخطاب رمزيلا يدلي بأسرار عمقه إلا للقراءة التي تعتمد التأويل المضاعف؛ فهي أعمال لا تأسِر تمثلات المتلقين في قوالب جاهزة، وإنما تحفز الفكر وتعصف به في دروبفكرية حافلة بالمتعدِّد والمؤرِّق وكأنها تشي –احتذاء بكافكا- بأن “لا يريد أحد أن يفهمني”.
صدقا،لم يكن الوقوف أمام هذه الأعمال مجرد لحظة عرضية من التأمل الجمالي، بل كان انخراطًا في تجربة تُلزم المتلقي -أساسا- بالتفاعل النقدي مع سطحٍ مشحونٍ بالدلالات، ومساحاتٍ تبدو وكأنها بقايا أثرٍ، أو خرائط لجغرافيا متحوّلة تلتقط ارتدادات العنف والزمن على المادة. فهناك، وسط امتدادات اللون الأسود والتراكيب التي تحاكي تضاريس هشّة، تغدو هذه الأعمال ذاكرةً بصرية تستنطق علاقتنا الوجودية بالمكان، وتعيد مساءلةحقيقةأو صدق المخلفات التي يتركها الإنسان على وجه الأرض.
من هذا الموقع الاحتمالي، يمكن تأويل أعمال الگدالي بوصفها تفكيكًا بصريًا لأنماط التمثيل الراسخة؛ حيث لا تكتفي باستلهام النتوءات الطبيعية، بل تنزاح إلى مساءلة المادة في علاقتها بالهامش، والنسيان، والاستنزاف. ولهذا، يتحول”الكارطون”-في يديه- إلىخامةٍ مستهلكةٍ وقابلةٍ لإعادة التشكل؛ أييأخذ شكل نصٍ بصري يعيد كتابة الجغرافيا من منظورٍ نقدي وجمالي؛ حيث تتقاطع فيه طبقات الزمن والسلطة وجنون أثر الإنسان على العالم. ليست هذه المادة مجرد وسيط، بل هي بقايا تاريخ قيد التشكل، إنها أطلال بصرية تعكس توترًا بين ما يُستهلك وما يُبعث من جديد، بين ما يُمحى وما يترك أثره على السطح كندبةٍ في الجسد الجغرافي.
في جوهر هذه الأعمال المتميزة، لا تبدو الجبال والمحيطات ككيانات محايدة، بل كخطابات مشحونة بإرث من الاستغلال والتدخلات البشرية. فالطوبوغرافيا –هنا- ليست تكوينات طبيعية، بل هي أثرٌ لحركة التاريخ، وانعكاس لتحولات الاقتصاد والسياسة على الجسد الكوني.وإذا كانت إعادة تشكيل التضاريس عبر خاماتٍ هشّة ومستعملة لا تكتفي ببسطالأسئلة حول استدامة النموذج التنموي السائد، فلأنها تبقي المجال مفتوحا أمام احتمالات أخرى؛ حيث لا تكون البيئة مجرد خلفية لفعل الإنسان، بل ذاتًا ديناميكية تستبطن سردياتٍ من ملاحم التغيير والمقاومة والتلاشي.
تتحرك أعمال الگدالي بين التجريدي والتاريخي كحالةٍ بصرية تتفكك فيها اليقينيات؛ فليس المشهد الطبيعي صورةً بريئة، بل هو مساحةٌ متحوّلة تتقاطع فيها الأنساق الجمالية مع الخطابات الثقافية والوجودية؛ لأن الخرائط التي يعيد الفنان تشكيلها ليست وثائق صامتة، بل طبقاتٌ من الذاكرة والمحو، طبقات تمزج بين الحاضر والماضي، وبين الفردي والجمعي، في نسيجٍ بصري تتداخل فيه العلامات وتتجاور فيه المسلمات.
في فضاء العرض، تأبى هذه الأعمال أن تبقى محصورة في إطار اللوحة، إذ تتمدد في الفراغ، تتسلل خارج حدودها التقليدية، فتُجبر المشاهد على إعادة النظر في موقعه داخل التجربة البصرية؛ ذلك أن الحضور الطاغي للون الأسود في تجربة الگدالي لا يُقرأ اختزالا بصريا فحسب، بل هو تشكّل دلالي مكثّف، يستدعي أثر الاحتراق، وخراب الحرب، وندوب الفقد الإنساني… الأسود –هنا- ليس فراغًا، بل كثافةٌ، ظلالٌ لمحوٍ لا يكتمل، سوادٌ يشهد على العنف الذي ينقش أثره في التضاريس كما ينقشه في الذاكرة. في هذه العتمة، تبدو التضاريس التي يعيد تشكيلها خرائطَ لمدنٍ محترقة، أو مساحاتٍ لسطوحٍ امّحت معالمها تحت وطأة الزمن والتاريخ. الأسود، إذًا، ليس لونًا، بل طبقةٌ من المعنى، نداءٌ بصري يحمل في طياته بقايا كوارث سابقة؛ حيث لا يكون الغياب نفيًا، بل أثرًا جماليا ضاغطًا يحوّل المساحة إلى وثيقةٍ من الرماد، وإلى حقيقة لا تشبه فضيلة الإنسان.
يبدو من هذه التجربة المغربية الفذة، أن العمل الفني لم يعد معزولًا في حيّز مستقل، بل أصبح امتدادًا لفضاء يتفاعل معه، يخلخل المسافة بين المرئي والمخفي، وبين التكوين والانهيار؛ فليس معرض “التحوّل” إعادة تشكيل لجمالية المادة المستدامة، بل هي دعوةٌ للتأمل في ما تخلّفه يد الإنسان على العالم، وما تتركه من تصدعاتٍ مرئية وغير مرئية في المشهد الطبيعي والذاكرة الجماعية؛ ومعنى ذلك أنها تجربة لا توثّق التحولات البيئية بقدر ما تستنطقها، وتعيد إنتاجها داخل بنيةٍ بصرية تُجبر المشاهد على التوقف، لا لمجرد التأمل والتذوق الجماليين، بل لمساءلة العلاقة المعقّدة بين الإنسان والمادة، بين السلطة والفضاء، وبين الخراب وإمكانية البعث من جديد.
د عمر سعدون: فنان بصري وباحث في الفنون المعاصرة،أستاذ محاضر بالمعهد العالي للفن المسحي
و التنشيط الثقافي الرباط