من العناوين الفاضحة لعدم الاكتراث بـ «المنفعة العامة» … «الروضة المنسية».. شواهد قبور تعلن إفلاس المجالس المتعاقبة على تدبير الدارالبيضاء في المجال البيئي

يعد موضوع «إحداث حدائق كبرى بمواصفات منتزهات عالمية بالدارالبيضاء».. أحد العناوين الفاضحة لغياب الهاجس البيئي لدى معظم المجالس المتعاقبة على تدبير المدينة، بل إنها أجهزت، عن سبق إصرار ، على ساحات كان من المفروض أن تفي بهذا الغرض ، وفوتتها لـ «منهشين عقاريين» حولوا العاصمة الاقتصادية إلى غابة من الإسمنت؟
منذ الحماية ليست هناك بصمة في هذا الباب، لتبقى أهم حديقة شيدت هي حديقة الجامعة العربية، التي أحدثها ليوطي وسميت على إسمه في تلك الفترة، ليتغير إسمها خلال الاستقلال، وهي حديقة اختير لها موقع ممتاز يجاور كل الإدارات الأساسية في تلك الحقبة، وأيضا كل المراكز المهمة. تجاورها الكنيسة وتحيط بها المطاعم والمقاهي ودور السينما وغيرها، تتوزع أشجارها المختلفة وأغراسها على مساحة 30 هكتارا، حيث صممها المهندس الفرنسي ألبير لابراد في العشرية الثانية من القرن العشرين على طراز الحدائق الفرنسية، وقد ظلت متنفسا ومنتزها للساكنة وزوارها ومازالت إلى حدود الآن نقطة جذب للسياح.
قبلها، وبالضبط في سنة 1907، كان الفرنسيون قد أنشأوا حديقة مردوخ، وهو إسم يعود لأحد التجار الإيطاليين «مورضاك»، وشكلت منتزها لساكنة تراب مرس السلطان رغم أن مساحتها لا تتجاوز الهكتارين، أعيدت تسميتها في سنة 2006 حيث أطلق عليها إسم الإيسيسكو، عندما تمت إعادة هيكلتها بعد تدهور دام لسنوات طويلة، أعقبه تنديد واسع من لدن المواطنين ومنظمات المجتمع المدني، وحافظت عملية إعادة التأهيل على الهندسة التي تركها مصممها المهندس الفرنسي ألبير تاغديف.
حديقة أخرى بنيت في عهد الحماية وتعد متنفسا لساكنة درب السلطان وبوشنتوف والأحياء المجاورة، هي حديقة لارميطاج، التي توزعت على مساحة 17 هكتارا ووضع تصميمها في سنة 1917 المهندس هنري برويست. وإذا ما قمنا بقراءة في تواريخ الإحداث ، سنجد أن الإدارة الفرنسية كانت لها رؤية متكاملة، لأن فترات إحداثها متقاربة، بل كانت هذه الحدائق هي المدخل لتصاميم باقي المنشآت التجارية والخدماتية وغيرها.
«شامة بنت امسيك» ربما تأثرت بالنظرية المعمارية لليوطي، وبما أن عائلتها كانت من أعيان العاصمة الاقتصادية في فترة من فترات تاريخ المغرب، فقد أهدت المدينة هكتارات شاسعة بغية تشييد مقبرة للمسلمين وبالقرب منها إنشاء حديقة ومنتزه ينفس عن الساكنة. بالفعل أحدثت المقبرة، وهي المعروفة لدى أبناء الدارالبيضاء باسم «الروضة المنسية»، المجاورة لطريق أولاد زيان، لكن المسؤولين كانت لهم نظرية أخرى بخصوص الهكتارات التي ستشيد فيها الحديقة، حيث ستبني فوقها محطة أولاد زيان، بالإضافة إلى مشروع سكني، أودى بمن أودى إلى السجن بعد اختلالات عرفها المشروع وأغنى من أغنى. ولمكر الصدف، ارتأى المسؤولون إحداث محطة طرقية لن تكون إلا ملوثة للبيئة، عكس ما سعت إليه من وهبت الأرض لمشروع صديق للبيئة؟ مفارقة غريبة، خاصة أن المقررين يعلمون أكثر من غيرهم أن العقارات التي تدخل في نطاق الهبة يجب أن تحترم بنود ما وثق فيها ، وإلا من حق الواهب استرجاع ملكه الذي وهبه لغرض ذي نفع عمومي. وبناء على هذا ، فإن مشروع المحطة الطرقية تعد مداخيله المالية لفائدة الجماعة الحضرية للدارالبيضاء باطلة، لأن العقار لا تمتلكه، وبالتالي لا يحق لها إصدار أي مقرر بشأنه. وتلك حكاية أخرى ، حكاية رسمت معالم خريطة انتخابية على مر سنين؟
بالعودة إلى «الروضة المنسية»، فإن أجل الدفن فيها انتهى منذ أكثر من 40 سنة، أي من حق وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية أن تتخذ الإجراءات الشرعية وتفتي بتحويلها إلى أرض عادية قابلة لاحتضان أي مشروع خدمة للعموم. وقد سهل تصميم التهيئة هذا الأمر في سنة 2014 حينما جعل في مخططه «الروضة المنسية» قابلة لأن تتحول إلى متنزه كبير، خاصة وأنها تنتشر على مساحة 10 هكتارات.
المثير في الأمر أن مجلس المدينة لم يفعل أي إجراء لتحقيق هذا المبتغى، لتتحول «الروضة المنسية» إلى مرتع للمشردين والفارين من العدالة وملاذ للمجرمين وفضاء لـ «سويعات هوى» بعيدة عن الأعين المتلصصة، وقبلة لمهاجرين من جنسيات مختلفة، وشاهدة على تفاصيل «حياة أخرى» لا يعلم بها إلا من فتح شرفته من ساكنة المباني المطلة عليها؟
أمام كل هذا نجد المجلس غارقا في أمور أخرى، بدل الانكباب على مشروع حقيقي بخصوص هذا العقار الفسيح، يعود بالنفع على الساكنة، لاسيما أن موقعه استراتيجي يجمع بين مناطق عديدة، كالحي المحمدي والصخور السوداء ومرس السلطان والفداء وسيدي عثمان..، وسيكون مدرا للربح ، بالنسبة لخزينة المدينة التي تعيش حالة إفلاس غير معلنة.


الكاتب : العربي رياض

  

بتاريخ : 17/05/2022