من المهجر إلى الوطن: الفنان المغربي بين الإبداع والوصاية

احتضن فضاء «السقالة» التاريخي بمدينة الدار البيضاء، يوم الخميس 3 غشت الجاري، ندوة تفاعلية متميّزة بمناسبة اليوم الوطني للجالية المغربية المقيمة بالخارج، نظّمها منتدى التواصل لمغاربة العالم، تحت شعار: «معًا من أجل مغرب موحّد، مواطن ومزدهر»
ورغم تعدد المحاور وتنوع المتدخلين، من فاعلين جمعويين وأكاديميين وكفاءات من مختلف دول أوروبا، فإن الندوة فتحت نافذة خاصة على زاوية قلّما يتم التوقف عندها بجدية في مثل هذه المناسبات الرسمية: الفن والثقافة كحق من حقوق المواطنة، وكمجال محفّز للارتباط بالوطن الأم
وفي هذا الإطار، ومن موقعي كصحفية مهتمة بالشأن الثقافي ومتابعة لعدد من تجارب الفنانين المغاربة المقيمين بالخارج، كان تدخّلي خلال الندوة عبارة عن سؤال مفتوح موجه للمتدخلين، وخاصة للمخرج المغربي المقيم بألمانيا، محمد الحافي، حول ما يمكن فعله بشكل فعلي وملموس، حتى يشعر الفنان المغربي في المهجر أنه بكامل أحقيته وشرعيته في وطنه الأم، في ظل ما يُبذل من مجهودات إعلامية ومهنية للتعريف بإنتاجاتهم داخل المنابر المغربية
جاءت مداخلة الأستاذ الحافي بمثابة رد مباشر على هذا السؤال، إذ أوضح أن العديد من المشاريع الفنية التي يود مغاربة المهجر إنجازها، خصوصًا تلك التي تُعنى بالثقافة والتاريخ المغربي، تصطدم بعوائق التمويل والإنتاج. واعتبر أن نظام «الإنتاج المشترك» أو «Co-production»، بين بلد الإقامة والمغرب، غالبًا ما يُنتج نتائج سلبية، بسبب كثرة الشروط والتعقيدات التي تُفرغ المشروع من طاقته الإبداعية
وأكد الحافي أن الفنان المغربي بالخارج لا يُمنح الميزانية الكافية لإنتاج أفلامه، وإذا رغب في تقديم عمل داخل المغرب، فعليه التعاقد مع شركة إنتاج مغربية، مما يجعل الأمر غير تلقائي، ويفرض نوعًا من الوصاية أو الرقابة غير المعلنة، بالرغم من كون هؤلاء الفنانين يحملون أفكارًا ومشاريع يمكن أن تُسهم في تطوير المشهد الفني الوطني
مداخلة الحافي حرّكت نقاشًا حيًّا من بينه تدخل لبنى العناية، فاعلة جمعوية فرنسية مغربية، التي أضافت أن المشاريع الثقافية تمر غالبًا عبر القنوات الدبلوماسية والسفارات، في إطار اتفاقيات ثنائية بين البلدين، وتمر عبر مصالح خاصة بالفن والثقافة
اليوم الوطني للجالية، الذي أقرّه جلالة الملك محمد السادس سنة 2003، يشكّل محطة للتفكير في موقع مغاربة العالم داخل الوطن، لكنه في بُعده الثقافي، يبدو بحاجة إلى مقاربة جديدة تجعل من الفن والثقافة أدوات فعلية للانتماء والمواطنة، لا فقط مجالات احتفالية أو رمزية
فتسهيل مساطر الإنتاج والعرض، وتشجيع المشاريع الفنية القادمة من الخارج، وإدماج الكفاءات الثقافية في السياسات العمومية، ليست فقط قضايا مهنية، بل أسئلة ترتبط بحقوق المواطنة نفسها، وبدور مغاربة العالم في صياغة المشهد الثقافي الوطني
وفي ختام هذه الندوة، التي رفعت توصيات مهمة للجهات الرسمية، يبقى السؤال مفتوحًا:
هل يشعر الفنان المغربي في الخارج أنه يحمل وطنه معه، أم ما زال يُعامل كزائر يحتاج إذنًا للدخول إلى فضائه الطبيعي؟


الكاتب : سهام القرشاوي

  

بتاريخ : 01/09/2025