من مقدمات الخطيبي (26) : المهتمون بالهرطقة في الإسلام يوصفون بالمتطرفين

“من مقدمات الخطيبي” إضمامة من الاستهلالات، قدم بها الخطيبي بعض أعماله وأعمال غيره في الفكر والإبداع. وهي في إبداعه لا تتجاوز نصا مسرحيا واحدا، ووحيدا في كتابته المسرحية، وهو “النبي المقنع” الصادر عن دار “لارمتان” L’Harmattan في 1979.
قدم الخطيبي أعمال مؤلفين معروفين، وآخرين ليسوا بالقدر نفسه. كما قدم لنساء كاتبات مغربيات. وكانت له استهلالات في المجلتين (المجلة المغربية للاقتصاد والاجتماع، علامات الحاضر)، ووقع مقدمات أخر بالاشتراك.
ونصادف في مقدمات الخطيبي الأكثر ترددا: التمهيد Avant-propos، الاستهلال Préface، التقديم Présentation، الديباجة Prologue، الاستهلال البعدي Postface، الافتتاحية Préliminaire، أو بروتوكول… وهي تصنيفات-رغم تداخلها- صالحة لتأطير ما تثيره كل مقدمة من قضايا حول المؤلف، وتشكل النص، وإضاءات لولوج عالم الكتاب…
غير أننا نعثر على مقدمات، لا تشير إلى نفسها بهذه التسمية، بل تأخذ عنوانا مستقلا حل محلها، أو عنوانا مصحوبا بها.
ليست المقدمة ملزمة ولا ضرورية، في كل كتاب. إلا أنها تستمد قيمتها مثل باقي المتوازيات والمناصات والعتبات. وغالبا ما يعدم حضورها في الهوامش والإحالات، وكأنها خارج النص hors livre بتعبير جاك دريدا.
ورد في كتاب “التشتيت” La dissémination “تكون المقدمة لنص فلسفي غير مجدية ولا حتى ممكنة”. فهل كتب الخطيبي مقدمة فلسفية؟ هذا الحكم القاطع لجاك دريدا يعفينا من إثارة هذا السؤال أصلا؛ فكتابة الخطيبي المتعددة، لا تيسر تأطيره في خانة معينة، فالخطيبي ليس رجل المفاهيم، ولا نعثر له على كتاب فلسفي بالمواصفات الفلسفية، إذا استثنينا “كلمته” التي قدم بها الكتاب الفلسفي لعبد السلام بنعبد العالي: “الميتافيزيقا، العلم والإيديولوجيا”.
ويكاد المنجز الإبداعي لعبد الكبير الخطيبي، يخلو من مقدمات، باستثناء كتابه المسرحي الآنف الذكر. والذي استهله بديباجة Prologue.
لكن، من يقرأ منا كتابا بدءا من مقدمته؟ من يقرأ مثلا، مقدمة “لسان العرب” لابن منظور (1232-1311). الجواب السهل: قليلون نادرون هم من يقوم بذلك. يكشف الناقد عبد الفتاح كيليطو، في إحدى شهادات عن قراءته لمقدمة ابن منظور، وهو أمر قد لا يعني شيئا، للكثيرين من متصفحي هذا المعجم النفيس. ليذكر ما قاله: “جمعت هذا الكتاب في زمن أهله بغير لغته يفخرون…وسميته لسان العرب”.
حظيت مقدمة ابن خلدون بذيوع صيتها، أكثر من كتابه المقصود بها: “العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الاكبر”. وحسابيا، حبر الفيلسوف نيتشه من المقدمات أكثر مما ألف من الكتب. وهذه لعمري معادلة غريبة! ومهمة مستحيلة كما أثبت ذلك “دريدا” وهو يفكك مقدمة “هيجل” في كتابه “فينومينولوجيا الروح”.
ولا تخفى الأهمية من تجميع مقدمات الخطيبي، سواء تلك الواردة في مؤلفاته أو مؤلفات غيره أو في المجلتين اللتين كانا يديرهما. وتوفير بعض منها، في هذه الإضمامة، عرضا وترجمة، تثمينا لهذه العتبات النصية وتبريزها.

برولوج
    هذه المسرحية تفسير حر للقصة العجيبة التي كان بطلها حكيم بن هشام الملقب بالمقنع والتي جرت أحداثها في القرن الثامن الميلادي حول هذا «المتنبئ». هذا وقد ظهر عدد كبير من مدعي النبوة بعد ظهور الإسلام (وهو مرجعنا هنا)، فما المقصود بكلمة «المتنبئ»؟
    يلخص «هنري لاووست» أهم عناصر سيرة هذا المتنبئ قائلا: «إنه ابتداء من سنة 778م، في بداية خلافة المهدي، اندلعت في إقليم مرو فتنة «المقنعية» التي كان يتزعمها المقنع، وهو إيراني عرف بها اللقب لأنه كان يخفي وجهه وراء حجاب أو وراء قناع من الذهب حسب بعض المصادر، وقد جعل المهدي تحت تصرف حاكم خراسان من الإمكانات ما يشهد بخطورة الموقف. وامتدت الفتنة سنة 781م إلى إقليمي بخارى وسمرقند، لكن القوة التي ظلت تلاحق المقنع دفعته إلى الالتجاء إلى قلعة منيعة في إقليم كيشش حيث انتحر بتناول السم هو ومن كان معه من النساء»
    والمهتمون بالهرطقة في الإسلام يصفون أتباع هذه الحركة بأنهم من المتطرفين على شاكلة أبي مسلم الخرساني، ويتهمونهم بالاعتقاد في مذهب التجسيد، وتناسخ الأرواح والتشبيه، إذ كانوا يتصورون أن الله بعد أن تجلى سره على التوالي في آدم، وشيت ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد وأبي مسلم حل في شخص المقنع، وهو أفضل كل هؤلاء الأنبياء، إذ أن كلا منهم أفضل من سابقه. ويعرف «المقنعية» بالتناقض والإباحية، إذ كانوا لا يعترفون بأي من المحرمات التي نصت عليها الشريعة الإسلامية. وهكذا كانوا يقدمون كطائفة من الإرهابيين الذين يستحلون دماء خصومهم واسرهم وممتلكاتهم.
     وهكذا يندرج النبي المقنع ضمن مذهب يعود إلى آلاف السنين يضم المتأثرين بالتعاليم الزارادشتية. وقد شرع في نشر دعوته الدينية والسياسية-حسب مدوني الأخبار- منذ عهد ابي مسلم الخراساني الذي كان له دور حاسم في تولي العباسيين الخلافة سنة 748م والذي مات مقتولا عام 755م.
    لقد خطرت لي فكرة هذه المسرحية وأنا أقرأ حكاية بورخيس «الصباغ المقنع»: حكيم مرو(انظر حكاية «الفضيحة» ترجمة روجيه كايوا، سلسلة 10/18)، ويحكي بورخيس بطريقته الخاصة مغامرة هذه الشخصية العجيبة التي عرفت في الغرب منذ القرن الثامن عشر على الأقل، وقد كتب نابوليون بونابرت وهو في السابعة عشرة من عمره أول محاولة أدبية له بعنوان «القناع النبي» وقد خصصها للحديث عن هذه الشخصية وأنهى حكايته القصيرة بالتعجب التالي: « هذا مثال مذهل، فإلى أي حد يمكن أن يصل بالإنسان جنون حب الشهرة»!
     لقد رجعت إلى أهم المصادر العربية والإيرانية كي أتناول سيرة هذا النبي الذي لا بد أن كثرت حوله الروايات المتضاربة. وقد تعمدت أن أعيد خلق الشخصية من جديد، مراعيا إلى حد ما بعض خطوط السيرة التي جاءت في كتابات المؤرخين المسلمين.
    وأخذت عن بورخيس فكرة اللوحة الأولى، وثلاث أو أربع جمل، عن «فلسفته» حول الزمن والمرايا والأبوة: وهذه الجمل، اقتبستها حرفيا.
     وفيما بين الجزء الأول والثاني من المسرحية يغير النبي لون حجابه من الأسود على الأبيض، ومن الناحية التاريخية قامت ثورة العباسيين، تحت شعار اللون الأسود في مقابل اللون الأبيض الذي اختص به الأمويون.
    لماذا هذا اللون الأسود؟ إن النبي محمدا كان يوم فتح مكة يرتدي رداء أسود، وقد انتقلت من الأسود إلى الأبيض (وهذا تصوري الشخصي) من أجل قفل دورة النبوة وذلك تمشيا مع رؤيا النبي المقنع.

النبي المقنع، سلسلة من المسرح العالمي، عدد 261، 1993، تأليف عبد الكبير الخطيبي، ترجمة وتقديم محمد الكغاط، مراجعة د. هيام أبو الحسن، ص. ص 3-4-5.


الكاتب : إعداد وترجمة:  محمد معطسيم

  

بتاريخ : 02/05/2022