تراجع الطلب الداخلي:4.1 % فقط في نفقات الأسر مقابل زيادة الإنفاق الحكومي
حصيلة 2024 تتحدث عن نفسها: 4.9 % تراجع في الفلاحة و15.6% زيادة في الواردات
مساهمة المبادلات الخارجية للسلع والخدمات في النمو الاقتصادي بقيت سلبية حيث بلغت 5,2 نقطة
لم يكن تباطؤ النمو الاقتصادي في الفصل الرابع من سنة 2024 مجرد رقم يعكس تدهور الوضع الاقتصادي فحسب، بل كان تجسيدا آخر لوعود الحكومة التي لم تتحقق، وعجزها المستمر عن تحفيز النمو رغم المحاولات المتكررة. ففي الوقت الذي كان الجميع يتوقع فيه أن تعكس السياسات الاقتصادية الإصلاحية مزيدا من النمو، جاء الواقع ليكشف عن أداء هزيل تكرر على مدار السنوات الأخيرة، لا سيما وأن الأرقام الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط تفضح وتكذب التصريحات، وتكشف الفجوة بين الخطب والإنجازات.
بداية، سجل الناتج الداخلي الإجمالي زيادة بنسبة 3,7% فقط في الفصل الرابع من سنة 2024، متراجعا عن 4,2% التي تم تحقيقها في نفس الفصل من السنة الماضية. وإذا كان الانخفاض في النمو قد طاول مختلف القطاعات الاقتصادية، فإنه كان أكثر وضوحا في القطاع الفلاحي، الذي شهد تراجعا كبيرا بنسبة 4,9% في حين كان من المفترض أن يسجل هذا القطاع ارتفاعا ولو طفيفا. من جانب آخر، ارتفعت الأنشطة غير الفلاحية بنسبة 4,4%، وهو ما يعكس استقرارا نسبيا في بعض المجالات مثل الصناعة والبناء والخدمات. لكن السؤال هنا، هل يكفي هذا التقدم الطفيف لطمأنة المواطنين والمستثمرين على حد سواء؟ الواقع، كما تظهره الأرقام، يؤكد أن هذه المكاسب لا توازي حجم التحديات التي يواجهها الاقتصاد الوطني.
وبينما كانت الأنشطة الصناعية، وعلى رأسها الصناعات الاستخراجية، تحقق تباطؤا ملحوظا من 16,1% إلى 6,5%، سجلت الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالبناء والأشغال العمومية زيادات معتبرة، بلغت 7%، وهو ما يوحي أن قطاع البناء قد يكون أحد المحركات القليلة التي ما زالت تساهم في النمو. لكن حتى هذا القطاع، لا يمكنه أن يكون هو الوحيد الذي يعتمد عليه الاقتصاد الوطني في دفع عجلة النمو، إذ لم تسجل القطاعات الرئيسية الأخرى مثل الخدمات المالية أو النقل والتخزين النمو المتوقع.
في ظل هذه التباينات، تواصل الأرقام الكشف عن تباطؤ الطلب الداخلي، الذي يعتبر من أهم محركات النمو. فرغم الارتفاع الكبير في تكوين الاستثمار، الذي سجل 15,3%، إلا أن استهلاك الأسر شهد تباطؤا بلغ 4,1% مقارنة بـ5,1% في نفس الفترة من العام الماضي. هذه الأرقام تشير إلى حالة من الترقب والاحتراز في الأسواق المحلية، حيث يبدو أن الأسر والشركات لا تزال في حالة انتظار لمؤشرات أكثر إيجابية. ورغم أن نفقات الاستهلاك النهائي للإدارات العمومية شهدت ارتفاعا بنسبة 4,8%، إلا أن هذا لا يعكس بالضرورة تحسنا في البيئة الاقتصادية ككل.
ورغم ارتفاع حجم الصادرات بنسبة 9,2%، إلا أن واردات السلع والخدمات ارتفعت أيضا بشكل ملحوظ بنسبة 15,6%، مما يعني أن المبادلات الخارجية لم تسهم في تعويض النقص في الطلب الداخلي. ووفقا لذلك، كانت مساهمة المبادلات الخارجية في النمو الاقتصادي سلبية، وهو ما يعكس حالة من العجز في التوازن التجاري.
ومع استمرار التحسن البسيط في التحكم في التضخم، الذي انخفض إلى 2,5% مقارنة بـ4,2% في نفس الفترة من السنة الماضية، فإن الحاجة إلى تمويل الاقتصاد الوطني ازدادت، مما يزيد من تعقيد الوضع. إذ مع تزايد حجم الاستهلاك والاستثمار، تبين أن هذه العوامل لا تشكل أفقا حقيقيا للنمو المستدام إذا استمرت الحكومة في إغفال الإصلاحات الهيكلية المطلوبة. زيادة على ذلك، ارتفاع الادخار الوطني إلى 28,8% من الناتج الداخلي الإجمالي يعد مؤشرا على حالة من التراخي في مواجهة القضايا الاقتصادية الأساسية، ما يجعل المستقبل أكثر غموضا.
ولا تبدو الأرقام والتوقعات الاقتصادية في الفصول المقبلة إلا امتدادا لهذه الحصيلة الهزيلة التي تعكس عجز الحكومة عن تفعيل السياسات التي تعهدت بها، فيما يظل المواطن يشهد تراجعا في جودة الحياة والفرص الاقتصادية. وما زالت الوعود تتكرر من دون أن تتغير المعادلة الاقتصادية الجوهرية التي تتطلب إرادة سياسية حقيقية وتحولات جذرية في التوجهات الاقتصادية.