يرى الكثير من الأشخاص، انطلاقا من الموروثات الشعبية المتداولة، بأن الكنوز المدفونة تحرسها كائنات غير مرئية «كالجن»، وهو ما يدفع الباحثين عنها إلى السحر والشعوذة لكسر الحراسة والوصول إليها، خاصة في هذا الشهر الفضيل، إذ يعتقد أن شهر رمضان يضعف هذه الحراسة.
ورغم أن «العقلاء» يؤكدون على أن هذه المعتقدات لا أساس لها من الصحة، فإن الكثير من الجرائم تمارس في عدد من المناطق بسبب هذا الموضوع، والتي يكون ضحية لها ما يعرف بالأطفال «الزوهريين»، الذين يتم استغلالهم في هذه العمليات، مما يجعل من التوعية بخطورة ما قد تتعرض له هذه الفئة من الأطفال خطوة ضرورية لحمايتهم من الجرائم لتي تطالهم.
يعد موضوع الأطفال الزوهريين من القضايا التي تحيط بها الكثير من الأساطير والمعتقدات الشعبية في المغرب، حيث يقال بأن هؤلاء الأطفال يتميزون بصفات جسدية خاصة، مثل الخط في راحة اليد التي يقطعها بشكل أفقي، أو لون خاص للعينين، أو علامة اللسان. و تنسج حولهم قصص تربطهم بعالم الكنوز والجن، حيث يعتقد البعض أن لهم «بركة» خاصة تجعلهم مفتاحا لاستخراج الكنوز المدفونة، مما يجعلهم عرضة للخطر وللخطف وقد يصل الأمر للقتل.
إن اختفاء الأطفال الزوهريين من القضايا التي يكتنفها الغموض، حيث يصعب الحصول على معطيات دقيقة حول هذه الحالات، ويعود ذلك إلى عدة عوامل، من بينها تخوف الأهالي من التحدث علنا عن اختفاء أطفالهم، خشية تعرضهم للخطر مجددا أو لفت الانتباه إليهم، مما قد يزيد من احتمالات استهدافهم مرة أخرى. في ظل هذا التردد يفضل البعض نفي فكرة الاختطاف المرتبط بصفات الزوهريين، سواء بدافع الخوف أو لتجنب إثارة الجدل. هذا الصمت المجتمعي يجعل من الصعب التحقق من صحة الإدعاءات المرتبطة بهذه الظاهرة.
حوادث هزت الرأي العام
شهد المغرب على مدار السنوات الماضية عدة حالات اختطاف لأطفال يشتبه في استغلالهم ضمن طقوس شعوذة، ما جعل هذه الظاهرة تخرج من إطار الأسطورة إلى كابوس يعيشه الأهالي يوميا، ومن بينها حالة اختفاء الطفل معاذ الواهبي (2017 – القنيطرة) من أمام البيت حيث كان يلعب، ولم يُعثر على أي أثر لهذا الطفل الذي اختفى في ظروف غامضة، وسط تخوف أسرته من أن يكون قد وقع ضحية لعصابات الكنوز.
كما يتذكر المتتبعون حادث مقتل الطفلة نعيمة (2020 – زاكورة) التي تم العثور على جثتها في منطقة جبلية بعد أسابيع من البحث، مما أثار استياء واسعا وأعاد النقاش حول استغلال الأطفال الزوهريين في طقوس السحر. ونفس المصير تكرر في واقعة العثور على الطفل الحسين مقتولا (2020 – تارودانت)، وهي الجريمة البشعة التي هزت الرأي العام بعد العثور على جثته هو الآخر في منطقة نائية، في ظروف مشابهة لاختطاف الطفلة نعيمة.
حوادث لا تقف عند هذا الحد، فهناك محاولة اختطاف فتاة لمرتين على التوالي في زاكورة (2021)، إذ نجت طفلة تبلغ 11 عاما من الاختطاف بعد أن صرخت، مما دفع الجناة إلى الفرار. وفي بوذنيب منطقة الجنوب الشرقي (2024) تم اختطاف تلميذ كان يتابع دراسته آنذاك بالسلك الإعدادي مباشرة بعد خروجه، حيث تم تخديره واختطافه وسحب دمه في واقعة صادمة تعيد الجدل حول مدى تغلغل هذه الممارسات في بعض المناطق النائية.
ويرى خبراء علم الاجتماع أن هذه الأفكار تستمد قوتها من الجهل والخرافة، حيث يروج الدجالون والمشعوذون لنظرية أن دماء هؤلاء الأطفال أو أجزاء من أجسادهم تفتح أبواب الكنوز المخفية، ما يجعلهم عرضة للاستهداف.
جهود أمنية وتوعوية لمكافحة الظاهرة
أمام تكرار هذه الحوادث، كثفت السلطات الأمنية جهودها لمحاربة عصابات الكنوز، حيث تم القبض على عدد من المتورطين في عمليات خطف وقتل الأطفال الزوهريين. لكن رغم هذه التدخلات، لا يزال الخطر قائما، خاصة في المناطق القروية حيث تنتشر الخرافات بشكل أكبر.
وعلى صعيد آخر، لعبت الأعمال الفنية دورا مهما في تسليط الضوء على هذه الظاهرة، مثل المسلسل المغربي «جرح قديم» الذي يُعرض في رمضان 2025، الذي يهدف إلى توعية الجمهور بمخاطر استغلال الأطفال الزوهريين.
لماذا تزداد هذه الممارسات في رمضان؟
يعتقد أن شهر رمضان هو الوقت المناسب لكشف الكنوز لأن الشياطين تكون مقيدة، مما يسهل استخرجها، كما هو وقت تزداد فيه الطاقة الروحية، مما قد يؤثر على السحر والتواصل مع الجن، وهناك من يظن أن الشياطين المقيدة خلال الشهر تترك ورائها كنوزا مخفية، يمكن اكتشافها عبر السحر أو الطلاسيم. ومع تزايد الأجواء الدينية و التقرب على الله، فإن البعض يسعى لاستخدام السحر الأبيض أو الروحانيات لتحقيق أهدافهم، مثل الكشف عن الكنوز. وفي بعض المناطق يعتقد أن ليلة القدر هي أنسب ليلة للعثور على الكنوز المدفونة عبر طقوس خاصة حسب مزاعمهم ومعتقداتهم.
أزمة مستمرة
لم تعد ظاهرة اختطاف الأطفال الزوهريين مجرد قصص متداولة في الأوساط الشعبية، بل أصبحت مشكلة أمنية واجتماعية تستوجب تحركا جماعيا لمواجهتها، ويتطلب الأمر تكنل الجهود بين الدولة والمجتمع المدني والأسر، من خلال توعية الآباء بمخاطر هذه المعتقدات، وتعزيز المراقبة لحماية الأطفال من أي تهديد.
إن إنهاء هذه المأساة يبدأ من القضاء على الجهل، وتوعية الناس بأن الكنوز ليست مدفونة في دماء الأطفال، بل في عقولهم ومستقبلهم الذي يجب أن يُحمى من براثن الشعوذة والجريمة. وفي ظل القلق الذي يحيط بقضية اختفاء الأطفال، خاصة عند الحديث عن الزوهريين، من الضروري أن تكون الأسر على دراية بكيفية حماية أبنائها والتعامل بحكمة مع هذه المسألة.