مسلمو فرنسا وحقيقة النزعة الانفصالية !

نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» تقريرا عن الإجراءات الفرنسية المناهضة للمسلمين، عقب الأحداث الأخيرة وما تضمنته من إساءة للنبي.
وسلطت الصحيفة الأضواء على الفرنسيين المسلمين المتواجدين في خضم هذه الأحداث، لافتة إلى أن مهدي بليباس فرنسي من أصل جزائري، ويعمل منذ 12 عاما كنائب لعمدة الضاحية التي يعيش فيها، يشعر بتخوفات حقيقية مما يجري.
وأضافت الصحيفة أن «السؤال الذي دار في ذهنه طوال الأسبوعين الماضيين: هل يجب علي مغادرة فرنسا؟ بعد النقاش الحار والمعادي، الذي غذاه الرئيس إيمانويل ماكرون، عقب مقتل مدرس التاريخ الذي عرض كاريكاتيرا مسيئا للنبي محمد».
وأشارت إلى أن ماكرون بدأ حملته ضد ما أسماها «الانفصالية» في فرنسا العلمانية، بداية شهر أكتوبر الجاري، وقال إن «الإسلام بحاجة لإصلاح وحركة تنوير»، وهو كلام اعتبره المسلمون في فرنسا وخارجها «خطابا فوقيا».
وذكرت أن «تصريحات ماكرون والمسؤولين في حكومته أثارت ردة فعل في العالم الإسلامي، إلا أنها أثارت حيرة ستة ملايين مسلم فرنسي، وكلهم ينبذون العنف، ولكنهم خافوا من وصمهم بالإرهاب في الوقت الحالي».
وأكدت أن الهجوم أمام الكنيسة في مدينة «نيس» سيزيد من التشويش، رغم شجب القادة المسلمين له.
ونقلت الصحيفة عن عضو المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية نزيهة معيوفي أنها «شعرت بالرهبة والحزن الشديد لعائلات الضحايا، ولأصدقائنا الكاثوليك»، مستدركة: «خافت من أن يستخدم الساسة والمعلقون هذا الهجوم، كوسيلة لتصوير الإسلام كعدو من الداخل».
وتابعت: «كمسلمة أشعر أننا ندفع ثمن الضرر الذي أحدثه هذان الهجومان المتطرفان»، وبحسب الصحيفة بدا شعور الحيرة بين مسلمي فرنسا واضحا في ضاحية إيفري سور سين، شرق العاصمة باريس، والتي تعيش فيها الطبقة العاملة والتي عاش فيها واندمج آلاف المسلمين اقتصاديا واجتماعيا منذ الخمسينات من القرن الماضي.
وقال محمد أكريد مدير منظمة النور التي تشرف على بناء مسجد سيكتمل في 2023: «كل شيء يقترح أننا أصبحنا كمسلمين هدفا، وأننا سنعامل بناء على المعيار الجديد (انفصاليين)، وأننا جميعا محل للشهبة».
ولفتت الصحيفة إلى أنه منذ عام 2004 كان على المصلين في الضاحية، الرضى بمركز اللياقة والخيمة التي أقرضتها المدينة لهم لاستقبال 2.000 مصل أو يزيد يوم الجمعة.
ورأى أكريد أن حملات القمع ضد الأفراد والمنظمات، قد تخلق مزيدا من الإرباك، ولن تؤثر على عملية مكافحة تأثير المتشددين.

تنديد عربي

وقالت صحيفة لوموند إنه في الوقت الذي نددت فيه عدة دول عربية بمقتل صموئيل باتي، رفضت موقف إيمانويل ماكرون من نشر الرسوم الكاريكاتورية للنبي.
وجاء أحد ردود الفعل من جانب هيئة كبار العلماء السعودية التي قالت إن «التشهير بالأنبياء يخدم المتطرفين فقط وأن هذه الإهانات لا علاقة لها بحرية التعبير».
وفي قطر، سحبت العديد من سلاسل المتاجر الكبرى المنتجات الفرنسية من أرففها. وانتقدت جامعة قطر «الهجوم المتعمد على الإسلام ورموزه»، وأجّلت سلسلة من الأنشطة المخطط لها هذا الأسبوع في الإطار العام الثقافي القطري الفرنسي إلى أجل غير مسمى. وفي الكويت، قامت حوالي 60 تعاونية تعمل في قطاع التجزئة بردود اقتصادية مماثلة.
كما نشر موقع «أوروبا 1 الفرنسي» تقريرا طرح فيه ثلاثة تساؤلات حول مقاطعة جزء من العالم الإسلامي للمنتجات الفرنسية. ويتعلق السؤال الأول بالبلدان التي أطلقت هذه الدعوات.
فبالإضافة إلى تركيا، التي تصاعدت التوترات بينها وبين فرنسا منذ خطاب إيمانويل ماكرون حول «الانفصالية»، فإن سكان الأردن وإيران وحتى الكويت كانوا من أبرز الشعوب المسلمة التي دعت وطبقت هذه المقاطعة. وفي المغرب الكبير، دعا رئيس الحزب الإسلامي الجزائري جبهة العدالة والتنمية عبد الله جاب الله إلى مقاطعة المنتجات الفرنسية وطلب استدعاء السفير الفرنسي.
أما في المغرب، فقد ندد حزب الاستقلال المعارض «بالإصرار على نشر الرسوم الكاريكاتورية المسيئة للنبي محمد» فضلا عن «التصريحات المسيئة للإسلام والتي تمس المشاعر الدينية المشتركة للمسلمين في العالم، وفي خاصة في فرنسا».
أما السؤال الثاني، فيرتبط بتبعات مثل هذه الحركة. في الواقع، كان لهذه المقاطعة آثار ملموسة للغاية في هذه البلدان. ففي الكويت، وقع تداول صور على مواقع التواصل الاجتماعي تظهر مقاطعة منتجات كيري وبابيبال، بينما علقت حوالي 430 وكالة سفر في البلاد حجوزات الرحلات إلى فرنسا. وفي قطاع غزة أحرق متظاهرون صور الرئيس الفرنسي.
وفي بلدة الكامور التونسية، جمعت مسيرة مناهضة لفرنسا بضع عشرات من الأشخاص يوم الأحد، بحسب صور نشرتها مجموعة محلية.
وبالنسبة للسؤال الثالث الذي تعرض له الموقع فيتمحور حول رد الفعل الفرنسي. دعت فرنسا، يوم الأحد، حكومات الدول المعنية إلى «وضع حد» لدعوات المقاطعة الصادرة عن «أقلية متطرفة»، كما طالبتها «بضمان أمن» الفرنسيين الذين يعيشون على أراضيها. وفي بيان لها، نشرت وزارة الخارجية الفرنسية أن هذه الدعوات «تحرف المواقف التي تدافع عنها فرنسا لصالح حرية المعتقد وحرية التعبير وحرية الدين ورفض أي دعوة للكراهية».
أما مجلة شالانج الفرنسية، فقد تحدثت في تقرير عنونته «بتصريحات ماكرون عن الانفصالية الإسلامية تثير طوفانا من الانتقادات» عن إضرام الموالين لإيران في العراق النار مؤخرًا في جهاز تلفزيون بسبب إهانة الإسلام وكذلك بمقر حزب كردي في بغداد.
كما كتبت أنه في باكستان، رد رئيس الوزراء، عمران خان، يوم الأحد أيضًا باتهام إيمانويل ماكرون بـ»بمهاجمة الإسلام». ونشر تغريدة على تويتر قال فيها إنه «كان بإمكانه لعب ورقة التهدئة (…) بدلاً من خلق المزيد من الاستقطاب والتهميش الذي يؤدي حتماً إلى التطرف».
وبالنسبة لـ»لا ديباش» الفرنسية، فقد أشارت في تقريرها «تنامي التوترات ضد فرنسا؛ ماذا يحدث في العالم العربي؟» إلى أن الوضع الحالي يثير تساؤلات حول تأثير ردود الفعل هذه على العلاقات بين فرنسا وهذه الدول. وفي حوار له مع هذه الصحيفة، قال أنطوان بصبوص، وهو عالم سياسي متخصص في دول العالم العربي والإسلام، إن «كل هذا يعد جزءا من استراتيجية التخويف» ويرى في هذا «الارتباك» الكثير من الغوغائية والابتزاز.
واستبعد أنطوان بصبوص حدوث تصعيد خطير محتمل في المغرب الكبير، وقال: «قد يكون هناك تنديد، لكنه لن يكون حركة واسعة النطاق. كان هناك استنكار على وسائل التواصل الاجتماعي، لكن خطر حدوث تجاوزات ضئيل. لا يمكن للمغرب الكبير أن ينضم إلى هذه الحركة، إذ من شأن ذلك خلق توترات غير مسبوقة على جانبي البحر الأبيض المتوسط».

سلاح الإساءة

من جهة أخرى، نشر موقع «ميدل إيست آي» مقالا للكاتبة ميريام فروانسوا حول حادثة مقتل المعلم الفرنسي صامويل باتي، مؤكدة أن نشوء التطرف غير متصل بأيديولوجيا ودين محددين، بل يرجع إلى أسباب اجتماعية.
وقالت إنه «بالنسبة للمسلمين في فرنسا، لا يتعلق «حق حرية التعبير» برفاهية الإساءة للآخر، وإنما بالحق في أن تُسمع عندما يتعلق الأمر بانعدام الأمن والبطالة والتمييز والفقر».
وأضافت: «بعد القتل تعهد كبار الوزراء بإغلاق المنظمات والمساجد التي لها صلة بالهجوم بغض النظر عن مدى هشاشة هذه الصلة. وهذا أمر مقلق جداً بالنسبة لمن هم في خط النار، بما في ذلك الجمعيات الخيرية ومجموعة تكافح ضد الإسلاموفوبيا، الذين يرون أنهم يستهدفون بلا مبرر ويوضعون في خندق واحد مع الإرهاب.
غدت الشعارات السطحية الآن أركاناً للقومية: تتعرض فرنسا للهجوم بسبب قيمها، وعلى جميع المواطنين الاستنفار للدفاع عن البلد ضد عدوها الذي لا يعرف له شكل. إنه عدو عنيف لأنه مسلم. وبالتالي ينبغي أن يعتبر جميع المسلمين محل اشتباه وينظر بخوف وحذر إلى كل مظهر من مظاهر التدين.
وهذا على الرغم من أن الدراسات تثبت أن التدين إنما هو مصدر واق ضد التطرف، وأنه لا يوجد دليل علمي على أن الدين والأيديولوجيا هي الدوافع الأساسية للتطرف العنيف، الذي ثبت أن الانزلاق نحوه إنما يعود لأسباب اجتماعية في الأساس.
ومع ذلك تشهد فرنسا يومياً نقاشات يشارك فيها سياسيون وأدعياء خبرة واختصاص حول تقييد الحريات الدينية للمسلمين باسم الحفاظ على حرية وأمن البلد. ويأتي على رأس هؤلاء إريك زيمور، الذي أدين مراراً وتكراراً بالتحريض على الكراهية العرقية ضد المسلمين، ومع ذلك لم تقيد حريته في التعبير وظل يستضاف بشكل منتظم من قبل الإذاعة والتلفزة الفرنسية للتعليق، ناهيك عن نشره لعدد من الكتب الأكثر مبيعاً، وترحيب كثير من الصحفيين بما يدلي به من توقعات ونبوءات حول الحرب الأهلية التي توشك أن تندلع وتقتحم على الفرنسيين بيوتهم».


الكاتب : وكالات

  

بتاريخ : 14/12/2020