‮ ‬الوطني الذي‮ وافقه التاريخ في‮ أربع ‮!

عبد الحميد جماهري hamidjmahri@yahoo.com

الاستفتاء. استعارة النظارات .الحكم الذاتي. مغرب اليوم ليس مغرب الأمس

المواقف التي وافق التاريخ فيها بوعبيد كثيرة، في الوطنية أوفي التفاوض حول الاستقلال أو في الاختيار الديموقراطي الاشتراكي أو في قناعاته بقوة الترافع المنطقي في تطويع التاريخ، لكن المقصود هنا هو التاريخ عندما أنصفه في مواقفه من القضية الوطنية في الصحراء..
وعليه لم‮ ‬يكن موقفه من الاستفتاء هو الموقف الوحيد‮ ‬الذي‮ ‬انتصر التاريخ فيه للوطني‮ ‬التقدمي‮ ‬الراحل،‮ ‬الذي‮ ‬نخلد اليوم ذكرى رحيله وعوده الأبدي،‮ ‬بل سبقته وتلته محطات ذات مغزى ‬كبير في‮ ‬السياق المرتبط بالقضية الوطنية‮.‬
الاستفتاء‮‬،‮ ‬لم‮ ‬يكن رفضه‮ ‬الوحيد هو لحظة قبول المغرب به،‮ ‬في‮ ‬نيروبي‮ ‬2‮ ،‮ ‬لأسباب‮ ‬يطول شرحها، ولعل أهمها الوضع الصعب الذي‮ ‬وجد المغرب نفسه فيه،‮ ‬بل‮ ‬يعود الموضوع إلى‮ ‬الستينيات‮، حيث تعود جذور رفض الاستفتاء إلى أصل القضية،‮ ‬منذ أن طالب المغرب بأرضه واختار أن‮ ‬يتوجه إلى الأمم المتحدة من أجل ذلك‮.‬
ولهذا فإن رفض الاستفتاء‮ ‬يتجاوز قول ” لا” للحسن الثاني‮، بالرغم من قوتها وجرأتها وقدرتها على ‬كشف معدن الرجل وكاريزميته، بل إنها بالأحرى وفاء منه للموقف الوطني‮ ‬وامتداد لرفض التنازل أو وضع الأرض موضع شك وتنازل‮…‬
فقد رفض المغرب الاستفتاء في‮ ‬ستينيات القرن الماضي‬،‮عندما تقدم ‬ ‬بـشكاية ضد إسبانيا أمام الهيئات الدولية سنة‮ ‬1964 ‬متبوعة بملتمس بوجود نزاع على السيادة بهذه المنطقة‮. ‬
وفي السنة الموالية ‬اتخذت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارها رقم‮ (‬XXI-2072‮) ‬المطالب إسبانيا بإنهاء استعمارها للصحراء‮.‬
لكنها قامت في ‮ديسمبر‮ ‬1966‮ ‬باتخاذ قرارها رقم‮ (‬XXI‭ -‬2229‮)‬،‮ ‬القاضي‮ ‬بتنظيم استفتاء في‮ ‬الصحراء لتقرير مصير المنطقة‮.‬
فقام المغرب باللجوء إلى ‬محكمة العدل الدولية‮ ‬بعد أن رفض الاستفتاء لأنه “ليس من المعقول أن‮ ‬يقبل استفتاء في‮ ‬جزء من ترابه الوطني”. ‬هكذا‮ ‬أعلن الملك الراحل الحسن الثاني‮، ‬في‮ ‬17‮ ‬شتنبر‮ ‬1974،عن نيته عرض القضية على محكمة العدل الدولية‮. ‬في‮ ‬دجنبر من نفس السنة‮،‮ ‬وافقت إسبانيا على تأجيل الاستفتاء في‮ ‬انتظار رأي‮ ‬المحكمة‮.‬
على كل فقد رفض المغرب وظل الفقيد بوعبيد وفيا لهذا الرفض، باعتباره الموقف الوطني السليم المتفق عليه بين الحركة الوطنية والملكية.
ومن الإنصاف أن الأمم المتحدة ومن ورائها مجلس الأمن وأغلبية دول العالم اقتنعت بموقف الفقيد وتبين بأن الاستفتاء غير ممكن وأن الحق هو الذي سيحسم الموقف.
بلاغة النظارات، التي أصبحت بفعل المجهود الملكي الرائد والشجاع، هي البلاغة التي تحكم الموقف الوطني الذي تبناه ملك البلاد وأعطى به أكبر المكتسبات( الصحراء هي نظاراتنا ) ارتبطت عند بوعبيد بالاستفتاء.
ويتبين من محاكمة الفقيد على إثر قرار الملك بسجنه أنه وقف أمام قاضي التحقيق وهيئة المحكمة من بعد، وأشهر نظاراته أمام الجميع وتساءل: إنها نظاراتي فهل استفتى فيها ؟ هكذا هي قضية الصحراء في نظري!
فبعد أزيد من أربعين سنة أدرك العالم أن الفقيد عبد الرحيم بوعبيد كان على حق، وأن فكرة الاستفتاء لم تكن صائبة وغير واقعية …
ومن إنصاف التاريخ له أنه تنبأ بأن قرار محكمة العدل قد يكون مجحفا في حقنا، وبالتالي فالمعركة ستكون طويلة وبصراعات كبيرة . هذا ما تنبأ به عبد الرحيم بوعبيد في كلمته أمام اللجنة الإدارية.
في أبريل 1976 كان بوعبيد قد فهم رهانات المعركة التي تنتظر المغرب وتوقع أن معركة تأويل “مفهوم تقرير المصير ” ، الواردة في الرأي الاستشاري لمحكمة لاهاي، ستكون ضارية، تلك المعركة التي تنبأ بها هو واليوسفي وعمر بنجلون تقتضي الاستعداد لما وراء المسيرة . وكان واضحا عندما نادى في أبريل 1976: ” علينا أن نشرع من اليوم في التفكير في نظام لامركزي واسع في إقليمنا الصحراوي على قاعدة ديموقراطية سياسية واجتماعية وثقافية”.. وهو معنى الحكم الذاتي كما سيتطور ويطرح أمام مجلس الأمن في 2007، أي بعد 31 سنة .
هو صاحب العبارة الشهيرة في استشراف المغرب الجديد عندما قال”مغرب اليوم ليس مغرب الأمس”، فقد كان بوعبيد قد غادر السجن، وكان عليه أن يعيد الحزب إلى غايته النضالية، والفرصة السانحة كانت التجمعات الانتخابية 1983 و1984، وفي إحداها قال بوعبيد “إن مغرب اليوم ليس هو مغرب الأمس، ومغرب الغد ليس هو مغرب اليوم”.
وكان أن وردت العبارة نفسها في بلاغات وزارة الخارجية، في مخاطبة الآخرين، مخاطبة القوى العظمى منها إسبانيا وفرنسا وألمانيا، تلك القوى التي قسمت المغرب بينها ووزعت في حفل دولي في الخزيرات أو في برلين أو في ما بينهما من مؤتمرات ، التركة العالمية بين القوى الاستعمارية.
لقد كان للعبارة صدى خاص في أذن المناضلات والمناضلين الذين عاشوا مع بوعبيد غربته الوجودية في وطن سجنه وبين معادلات سياسية ضيقة لا مجال للعودة إليها.
لقد كان يقول “نعم” كلما نادى الوطن، ولو اقتضى ذلك أن يقول “لا” لرمز سيادته، وهو الملك الحسن الثاني!

الكاتب : عبد الحميد جماهري hamidjmahri@yahoo.com - بتاريخ : 08/01/2025