من يتطوع ليعطي الرئيس الجزائري دروسا في المنطق؟

عبد الحميد جماهري

في لقاء له مع الصحافة بثته القنوات التلفزيونية والإذاعية المحلية الجزائرية، يوم السبت الماضي، قال الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إن »اتفاق فرنسا والمغرب (بخصوص الصحراء المغربية ) لا يزعج الجزائر إلا أن المشكل يكمن في طريقة التباهي تلك، فهي تضايق الأمم المتحدة والشرعية الدولية«.
كان المنطق يقتضي أن يتحدث ساكن قصر المرادية عن ردود الفعل المنزعجة والمكهربة والغاضبة والقلقة والمنفعلة والمنرفزة والمتوترة….. التي أعقبت قرار الرئيس الفرنسي ماكرون بالاعتراف بالسيادة المغربية.
كان المنطقي مثلا أن يتحدث عن البيان الذي أصدرته وزارته في الخارجية التي يديرها من وصفه بـ”شخص كفء جدا يحظى بكامل ثقتي”، ألا وهو وزير الشؤون الخارجية، السيد أحمد عطاف«.
كان من المنطقي أن يعرج على ذلك البيان الذي عبرت فيه النخبة الحاكمة في دولة الجوار عن »استنكارها الشديد للقرار غير المنتظر«، الذي اتخذته الحكومة الفرنسية..
وكان من المنطقي أن يعود إلى الحديث عن »سحب السفير فوريا« عقب قرار ساكن قصر الإليزيه..
وكان من المنطقي كذلك أن يستعيد التهديد الذي أصدره وقتها بأن حكومته »ستستخلص كافة النتائج والعواقب التي تنتج عن هذا القرار الفرنسي، وتُحمّل الحكومة الفرنسية وحدها المسؤولية الكاملة والتامة عن ذلك«!
بما أن المنطق ليس هو نقطة القوة في مواقف حكومة الجيران وأنه ليس منزعجا، فقد خلق الرئيس طرفا آخر تسببت له فرنسا في … القلق!
وهذا الطرف هو … الشرعية الدولية والأمم المتحدة!
وإذا كنا نعرف بعض المظاهر التي يمكن من خلالها أن تعرب الأمم المتحدة عن »تضايقها« من الموقف الفرنسي، كأن يتحدث أمينها العام عن هذا التضايق، أو يصدر مجلس الأمن فيها بلاغا يعبر فيه عن »تضايقه« من اعتراف فرنسا، فإننا ما زلنا إلى حد الساعة من العِلم… لا نعرف كيف عرف عبد المجيد تبون أن »الشرعية الدولية« متضايقة من هذا القرار!
هل توصل بذلك في مقابلة رأسا لرأس معها أم هي أرسلت رسالة تعبر فيها عن التضايق أم هو وحي يوحى من طرف الشرعية الدولية التي تكاد تشبه العناية السماوية في هذه الحالة!
2: الرئيس الجزائري يقول إنه يعرف أن »فرنسا والمغرب يتفقان جيدا«. وهو أمر لا يزعجه ولا يزعجهم ولا يزعجهن. إلا أن المشكلة بالنسبة له تكمن» في طريقة التباهي تلك..«!
وإذا كان هناك منطق يحكم هذا التصريح فإن الاعتراف كان يجب أن يتم »حسي مسي«، والرسالة التي كتبها إيمانويل ماكرون، كان عليه أن يكتبها بالحبر السري، أما رشيدة داتي وجيرار لارشي، اللذين زارا الصحراء، فكان عليهما وعلى غيرهما ألا يزوراها إلا متخفيان وراء لثام يغطي الوجوه!
وعليه فإن الاعتراف في ذاته لا يزعجه بل تزعجه الطريقة التي تعبر فيها فرنسا عن تحول موقفها التاريخي المنصف..
3- الرئيس الجزائري يقول عن نفسه إنه» ليس مغفلا« لا هو ولا الحاكمين معه أو به، حيث يتحدث بموثوقية أنه يعلم »تماما أن مسألة الحكم الذاتي فرنسية قبل أن يتولى جيراننا من الجهة الغربية الدفاع عنها..«!
لا داعي للحديث عن فكرة الحكم الذاتي، ومساراتها في التفكير المغربي.
لا داعي للعودة إلى سنوات السبعينيات، وعن مواقف القوى السياسية ( ومنها الاتحاد الاشتراكي )، في الدفاع عن »نظام حكم لا مركزي موسع على قاعدة ديموقراطية واجتماعية واقتصادية وثقافية«.. فذلك مما لا يسمعه الرئيس تبون، ولكن لنقف عند هذا التلميح الوقح: بأن فرنسا تصنع السياسة السيادية للمغرب وتصنع له كل ما له علاقة بوحدته الترابية !
في المنطق المهتز للرئيس تبون ما يحيلنا على عقدة الجزائر، أي أنها صنيعة فرنسية وبالتالي فكل المغرب الكبير يخضع لمنطقها.
الجزائر التي كانت تعتبر نفسها، بأقصى درجات التباهي الممكن، أنها» هدية من الاستعمار« وأنها مدينة له بوجودها، تريد أن تقنع شعبها وما تبقى من حلفائها بأن المغرب… أيضا، يخضع للمنطق نفسه!
لا رغبة في الحجاج مع الرئيس تبون، الذي سعى أن يدفن رأس المنطق في رمال الصحراء ( بالمناسبة هو من مواليد مدينة المشرية التابعة لولاية ……..النعامة!) ولا في سردية منطقية، فهو حاليا مرفوع عنه المنطق! في المقابل، لنُعدْ تركيب المنطق الرئاسي من الأول:
-الحكم الذاتي فكرة فرنسية
– المغرب تبنى الدفاع عنها من بعد
ـ الجزائر سحبت سفيرها غضبا من اعتراف رئيس فرنسا … بفكرة هي أصلا فرنسية!
ـالجزائر أدركت يوم السبت 22 مارس الأخير …وبعد سنة من الخلافات الحادة مع فرنسا بأنها لم تكن على بينة من عواطفها وأنها اليوم فقط أدركت أنها غير منزعجة.
ـ الجزائر »بقا فيها الحال» فقط لأن الأمم المتحدة والشرعية الدولية متضايقتان من القرار الفرنسي.
ـ الجزائر نفسها قلقة فقط من طريقة »التباهي« التي تمت بها الأشياء.!
ربما كانت النهاية المنطقية أن يقول :» نحن كنا على خطأ، والأمر بين يدي الأمم المتحدة . وبين فرنسا والمغرب. وأننا نتعهد بالخروج من الملف جملة وتفصيلا«…
لكنه اختار منطقا آخر: البحث عن المصالحة مع باريس بأي ثمن كان.
ولو… أخضع المنطق »للتعناز «!
يتبيَّن لنا قبل الختام، أن المنطق عند السيد الرئيس يكاد يكون طريقة منهجية للسقوط في الخطأ (أو في التناقض) … بكل طمأنينة وثقة! ولهذا عندما تساءلنا:من يتطوع ليعطي الرئيس الجزائري دروسا في المنطق؟ فقد اقترحنا ذلك ونحن نعلم بأن ذلك ليس عملا سهلا، بل هي عملية جبارة تخر لها الجبال.تتطلب صبر أيوب ومهارة داوود وقوة سليمان وحكمة لقمان وعلم سيدنا الخضر..وشفاعة سيدنا محمد !
وختاما :»الله يصبر المغرب وملك المغرب وشعب المغرب، إنه على كل شيء قدير«!

الكاتب : عبد الحميد جماهري - بتاريخ : 25/03/2025