تعد جهة الغرب من أغنى مناطق المغرب تاريخيا وثقافيا، إذ تزخر بالتراث المادي وغير المادي
على حد سواء، من المدن المورية القديمة والمواقع الأثرية، إلى الزوايا والمزارات الروحية. ومع ذلك، تواجه هذه المواقع حاليا خطر التدهور والتهميش، نتيجة عوامل طبيعية وبشرية، ما يطرح تساؤلات حول مستقبل الحفاظ على هذا الإرث الحضاري الغني.
منطقة الغرب.. أرض خصبة بالتراث التاريخي والطبيعي
تعد جهة الغرب شراردة بني أحسن هِبة واد سبو، فهي واحدة من أخصب مناطق المغرب، وتقدر مساحتها بحوالي 880.5 كلم، يحدها شمالا جهة طنجة تطوان الحسيمة ومن الشمال الشرقي جهة فاس مكناس، وجنوبا جهة الرباط سلا، وغربا المحيط الأطلسي، وتوازي أهمية التراث التاريخي في المنطقة الأهمية الطبيعية، منه ما هو غير مادي ، ويتمثل في التراث الشفهي والأهازيج الغنائية والرقصات الشعبية، وما هو مادي ملموس كالمواقع الأثرية القديمة والقصبات، فمنطقة الغرب تزخر بمدن مورية منذ الفترة القديمة التي تسبق الميلاد ببضع قرون، شيدها الأمازيغ مثل بناصا (Julia Valentia Banasa)وتاموسدا( thamusida) ، بل منها ما جعل منه الملوك المور عواصم لملكهم مثل غيغا أو غيلدا، لتصير هذه المراكز الحضرية على عهد احتلال روما للمنطقة خلال القرن الأول للميلاد مستوطنات رومانية، فبناصا كانت من مستعمرات الإمبراطور أوغستين (Augustin) كمكافأة لاستراحة المحاربين الرومان المتقاعدين، ومرتعا للحيوانات المقدسة حسب بيان الامبراطور كاركالا، وهي أراض كانت عصية التحكم بها بشكل شامل، فالعلاقات بين الرومان والقبائل المجاورة لسبو كانت تعرف مدا وجزرا، بين الخلاف والسلم أحيانا، الشيء الذي يوثقه منح المواطنة لأمغار قبيلة الزغرانسيس(Zegrenses) ، ناهيك عن المدن التي تم تشييدها خلال الفترة الإسلامية كمدينة «البصرة»، بالإضافة الى القصبات وعلى رأسها قصبة «المهدية» الشامخة رغم عوامل المناخ والزمن، عند مصب واد سبو على المحيط الأطلسي، والتي تعود إلى عهد الموحدين، كما عرفت المنطقة الاحتلال الإيبيري الذي أسفر عن معركة المعمورة عام 1515م قبل اندحاره أمام الوطاسيين، بعدها ازدهر معمار المهدية مع العلويين خلال القرن السابع عشر، والمنطقة ديموغرافيا شهدت بشكل تدريجي امتزاجا بين العنصر الأمازيغي والبدوي العربي مما جعل الطابع الرعوي متجذرا في المنطقة، أما الطوبونيميا فقد تعربت بشكل شبه الكامل، وحتى المواقع الأثرية القديمة صارت تعرف بأسماء الأولياء المجاورين لها، مثل «سيدي سعيد «، وإن كان التأثير الأمازيغي ظل حاضرا سواء على أسماء الأماكن مثل قرية «أمغيطن» أو على مشيخة «الدشرة» …، أما تأثير الأمازيغية على اللسان بالغرب فهو ظاهر خلال الكلام الدارج، بالإضافة إلى المؤثرات المشرقية واللاتينية، علما أن القبائل التي تم استقدامها في الغرب وهي بني حسن، بني مالك، الشراردة، المناصرة، سفيان ومختار، وإن كان لها تأثير كبير وواضح على ثقافة المنطقة فإن أعدادها لم تكن كبيرة كما وصفتها الأدبيات، التي بالغت في وصفها مانحة اياها أبعادا أسطورية مرتبطة بالمراكز الروحية المتمثلة في الزوايا كالعيساوية والطيبية والقاسمية وغيرها، فكانت هذه الأخيرة الملاذ العقائدي بالمنطقة، وعدد الأضرحة والمزارات بمنطقة الغرب يقدر بالمئات، عدد لا يستهان به منها تمارس بها طقوس الشعوذة الى يومنا هذا ولعله كان مربط الفرس في اطار علاقته بالمواقع الأثرية التي تتعرض بالإضافة الى التهميش، إلى عمليات التخريب بطريقة مباشرة أو غير مباشرة بفعل مرتادي هذه الأماكن، ونحن هنا لا نربط القبائل التي ذكرناها ونحن نبين التركيبة السكانية للمنطقة، بما تعانيه بقايا الآثار في كل من موقعي بناصا وتاموسيدا، اللذين يعتبران أحد أهم المراكز الحضرية القديمة، فحسب النصوص واللقى الأثرية هي عبارة عن تجمع سكاني موري يرجع الى القرن السادس قبل الميلاد. وكلاهما عرفا تأثيرات فينيقية ثم حضور روماني نتج عنه تثاقف حضاري مهم لاتزال ملامحه العمرانية بادية، ثم مرحلة إسلامية، واليوم دون شك لم نتمكن من جرد زوار الأضرحة لمعرفة أصولهم الإثنية أو انتماءاتهم القبلية من أساسه، علما أن المزارات بصفة عامة تاريخيا شكلت حجر الزاوية في المنطقة، اذ كانت جزء من حالات السلم لما كانت الجهة تحديدا بمحاذاة وادي بهت مسرحا للصراع بين اتحادية زمور وبني حسن خلال القرن الثامن عشر على سبيل المثال لا الحصر، فالهدنة كانت تتم حين موعد الحصاد أو موسم أحد الأولياء الصالحين مما يجعل ثقافة التصوف الشعبي متجذرة في المكان ومستمرة مع الزمن تسير جنبا الى جنب تعاليم الدين الرسمي .
مواسم الأولياء والمزارات.. وتأثيرها السلبي على المواقع الأثرية
يرتبط الموقعان بضريحين لوليين ارتباطا وثيقا، تاموسيدا بسيدي «علي بن أحمد» بينما بناصا بضريح سيدي «علي بوجنون»، لدرجة صارا يعرفان باسم الوليين أكثر من اسمهما لدى الساكنة، علما أن الأخير لم يشيد بشكله الحالي إلا في وقت متأخر خلال ثمانينيات القرن الماضي، وهذا الارتباط له علاقة بمعتقدات مترسخة في المتخيل الجمعي بالمنطقة، أي أن اختيار هذه الأماكن بالذات لم يكن اعتباطيا بل ما جذبهم إليها ما هو روحي صرف، لدرجة أن هناك مجموعة من الأضرحة بالغرب كما بالعديد من المناطق المغربية تحمل اسم «سيدي المخفي»، بمعنى أن هويته غير معروفة غير أن مكان وجود رفاته معلومة لدى الساكنة في أجزاء غير محروسة من المواقع الأثرية، مما يعرضها لعمليات حفر عشوائية، اعتقادا من الذين يقومون بها أن تلك المواضع تتوفر على أشياء ثمينة، وفي جميع الأحوال فإن التراث التاريخي يتعرض للضياع، ومثل هذه العمليات تتم في الأجزاء غير المسيجة لأن وزارة الثقافة قد سيجت المواقع كما وفرت بنية إدارية تتجلى في انشاء محافظة تجمع الموقعين. غير أن هناك مواقع لم تحظ باهتمام قط، ونذكر على سبيل المثال أحد المواقع الرومانية العسكرية المعروفة بسيدي يحيى الغرب، من خلال النصوص التاريخية القديمة ب Vopiscian ، حاليا، هذه الرقعة الجغرافية تحمل اسم «الدعادع « وقد تم اكتشافها صدفة خلال سنة 1923- 1924، وهو متواجد حاليا داخل المقبرة الإسلامية بالقرب من ضريح سيدي عيسى بلحسن. ولم يتبق من البنايات الأثرية لهذا المعسكر الروماني التي تم التعرف عليها خلال الحفريات القديمة إلا على أجزاء قليلة من الأسوار المبنية بالحجارة.
نظم لسنين طوال موسم سنوي بضريح سيدي علي بوجنون، الموجود في وسط الموقع الأثري بناصا حيث يوجد مسكن حارسه، إلى جانب المسجد الصغير، وتجدر الإشارة إلى أن تهيئة الموقع لا يمكن أن تتم بجميع الأحوال في ظل تواجد هذا الضريح، رغم أن موسم وليه إلى حدود 2014 لم يعد يقام بفضل جهود إدارة المحافظة سابقا، بعد أن كان يعج سنويا بالزوار الذين يحضرون طقوس الجذبة والتبوريدة، ويحولون الموقع الى سوق أسبوعي يصير مرتعا للباعة المتجولين والمتسكعين، ناهيك عن رعي الأغنام طيلة أيام السنة، فلم يكن الموقع يسلم في جميع الأحوال من التخريب، كما موسم علي بو الجنون كان يترتب عنه ظهور مجموعة من الممارسات التي تساهم بصفة مباشرة في تهديد الموقع وإتلاف معالمه، وذلك رغم المجهودات التي تقوم بها السلطات المحلية لتوفير الظروف الأمنية لحماية الموقع خلال أيام الموسم المذكور، الذي كان يسبب انتهاكات متعددة من قبيل استعمال المباني الأثرية كمراحيض.
جهود الترميم
واللمحات المشرقة
وفي خضم التدهور الذي يطال المواقع، وجدنا أن هناك لمحات مشرقة وتفاني في خدمة هذه المواقع الأثرية مرت في زمن غير بعيد، بعد أن اطلعنا على صفحة محافظتي بناصا وتاموسيدا على الفايسبوك، وشهدنا تدهور حالة الموقعين خلال الخمس سنوات الأخيرة خلال الزيارة الميدانية. ومنه تمكننا من معرفة أن الإصلاح عرف طريقه الى الموقعين لفترة مؤقتة ممتدة بين 2008 و2021 بفضل جهود أطرها الإدارية وعلى رأسهم محافظها السابق رشيد أغربي الذي كانت له أيادٍ بيضاء على الموقعين.
حرصت المحافظة منذ سنة 2008 على الشروع في عمليات التنظيف والترميم التي طالت الساحة العمومية والحمامات الغربية والحمامات ذات الرسومات الجدارية والمنازل ذات الباحات المعمدة إضافة إلى صيانة وتدعيم السياج الوقائي الطبيعي للموقع بالجهة الجنوبية .وذلك خلال 2009، 2011، 2016 و 2018، ولم تكن هذه الترميمات التي تمت في بناصا الأولى من نوعها غير أن الأخيرة كانت الأفضل والأحدث، على الرغم من مخلفات المشاكل المترتبة عن تنظيم موسم علي بو الجنون داخل الموقع، وذلك عن طريق مراسلة السلطات والجهات المعنية (قياد مختار وسرية الدرك الملكي بدار الكداري) من أجل توفير الدعم لمراقبة مرافق الموقع، إضافة إلى تنبيه منظمي هذه التظاهرة على احترام المباني الأثرية للموقع وتخصيص مكان للأنشطة المرافقة للموسم في مجال لا توجد به بقايا أثرية، فقد قام المحافظ السابق، حسب مصدر مطلع خلال سنة 2014، بتوجيه طلب للسيد عامل إقليم سيدي قاسم قصد النظر في إمكانية إعادة إيواء عائلة القيم على الضريح المذكور خارج المجال المرتب للموقع. صحيح أن الأمر لم يتحقق ولا يزال الضريح على حاله غير أن الموسم توقف بشكل نهائي، والموقع ازدهرت مرافقه بشكل كبير بفضل الترميم التي أشرف على فصوله المحافظ بنفسه، بالإضافة الى القيام بتنظيم ورشات للأطفال لتحسيسهم بأهمية التراث، وعمل على خلق مساحات خضراء من خلال غرس الأشجار وإرساء نظام للري داخل الموقع، ناهيك عن علامات التشوير على الطريق المؤدية للموقعين وعمليات الترميم كما أشرنا.
التحديات المستقبلية والحاجة إلى حماية مستدامة
يعاني المغرب من نقص في المباني الأثرية الضخمة التي تعود للفترات القديمة السابقة للإسلام، كالتماثيل والمسلات والمباني المخصصة للفرجة من مسارح ومدرجات على سبيل المثال لا الحصر، على الرغم من كون هذه الأرض ذات حضارة عريقة، ويمكننا افتراض سبب خراب مواقع جهة الغرب بشكل خاص إلى القبائل التي تم استقدامها على العهد الموحدي وتوطينها، مما جعل المنطقة مسرحا للصدام مع السكان المحليين حول مواضع الكلأ، بما أن كليهما مجتمعين يقوم اقتصادهما على الرعي والفلاحة، غير أن ترسيخ ثقافة الأولياء والمزارات وضرورة إقامة مواسم سنوية لها زادت الطينة بلة، ناهيك عن الزيارات الدائمة لطاردي النحس وطالبي بركة الولي، لاسيما وأن تشييدها لا يتم إلا وسط المواقع الأثرية بالضبط مما يعرضها للتخريب، في ظل عدم الاهتمام بتثمين البقايا ودمج هذه المواقع في سياسة السياحة الثقافية، وكف الأيادي عن تدمير ما احتفظ به الزمن منها. والتي لا يمكن أن تتأتى دون إيجاد الحلول المناسبة والعاجلة لضريح علي بن أحمد وعلي بوجنون، فحتى إن لم يعد الموسم يقام فإن الزيارات لاسيما في صفوف النساء لم تتوقف، إضافة إلى التجاوزات اللامسؤولة للبعض من المجاورين للموقع الذين يحاولون استعمال بعض مجالات موقع بناصا حاليا كمرعى، ومنه فإن عملية اتلاف الآثار ستظل مستمرة، وعلى سبيل المثال لا الحصر خلال زيارتنا آخر مرة للموقع خلال ماي المنصرم، فإن الشاهد الرخامي المنصوب في الساحة العمومية، والذي يعتبر إهداء إلى الالهة ايزيس قد تعرض للكسر في جزئه العلوي بفعل فاعل، ناهيك عن عدم تنظيفه، دون الحديث عن نقص اللوحات التعريفية للمواقع، وعدم تشجيع المجموعات المدرسية والجمعيات الثقافية على زيارة المواقع التراثية بعد القيام بأشغال الصيانة اللازمة وتوفير شروط السلامة.
(*)باحثة في سلك الدكتوراه، تخصص التاريخ والحضارة